الباحث القرآني

﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ أصْلُ مَعْنى ﴿رَدِفَ﴾ تَبِعَ والمُرادُ بِهِ هُنا لَحِقَ، ووَصَلَ وهو مِمّا يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ وبِاللّامِ كَنَصِحَ. وقِيلَ: اللّامُ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ وُصُولِ الفِعْلِ إلى المَفْعُولِ بِهِ كَما زِيدَتِ الباءُ لِذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾، وقِيلَ: إنَّ اللّامَ لِتَضْمِينِ (رَدِفَ) مَعْنى دَنا وهو يَتَعَدّى بِاللّامِ كَما يَتَعَدّى بِمِن وإلى كَما في الأساسِ ولِتَضْمِينِهِ ذَلِكَ عُدِّيَ بِمِن في قَوْلِهِ: ؎فَلَمّا رَدِفْنا مِن عُمَيْرٍ وصَحْبِهِ تَوَلَّوْا سِراعًا والمَنِيَّةُ تُعْنَقُ وقِيلَ: اللّامُ داخِلَةٌ عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ والمَفْعُولُ بِهِ الَّذِي يَتَعَدّى إلَيْهِ الفِعْلُ بِنَفْسِهِ مَحْذُوفٌ أيْ (رَدِفَ) الخَلْقَ لِأجْلِكم ولا يَخْفى ضَعْفُهُ، وقِيلَ: إنَّ الكَلامَ تَمَّ عِنْدَ (رَدِفَ) عَلى أنَّ فاعِلَهُ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الوَعْدِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ عَلى أنَّ بَعْضُ مُبْتَدَأٌ، (ولَكُمْ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ خَبَرًا لَهُ، ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ التَّفْكِيكِ لِلْكَلامِ والخُرُوجِ عَنِ الظّاهِرِ لِغَيْرِ داعٍ لَفْظِيٍّ ولا مَعْنَوِيٍّ، والمَعْنى قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ لَحِقَكم ووَصَلَ إلَيْكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ حُلُولَهُ وتَطْلُبُونَهُ وقْتًا فَوَقْتًا، والمُرادُ بِهَذا البَعْضِ عَذابُ يَوْمِ بَدْرٍ، وقِيلَ: عَذابُ القَبْرِ ولَيْسَ بِذاكَ، ونِسْبَةُ اسْتِعْجالِ ذَلِكَ إلَيْهِمْ بِناءً عَلى ما يَقْتَضِيهِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ وإلّا فَلا اسْتِعْجالَ مِنهم حَقِيقَةً، والتَّرَجِّي المَفْهُومُ مِن عَسى قِيلَ: راجِعٌ إلى العِبادِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ عَسى ولَعَلَّ وسَوْفَ في وعْدِ المُلُوكِ ووَعِيدِهِمْ تَدُلُّ عَلى صِدْقِ الأمْرِ وجَدِّهِ وما لا مَجالَ لِلشَّكِّ بَعْدَهُ، وإنَّما يَعْنُونَ بِذَلِكَ إظْهارَ وقارِهِمْ وأنَّهم لا يُعَجِّلُونَ بِالِانْتِقامِ لِإدْلالِهِمْ بِقَهْرِهِمْ وغَلَبَتِهِمْ ووُثُوقِهِمْ بِأنَّ عَدُّوَهم لا يَفُوتُهم وأنَّ الرَّمْزَةَ إلى الأغْراضِ كافِيَةٌ مِن جِهَتِهِمْ، فَعَلى ذَلِكَ جَرى وعْدُ اللَّهِ تَعالى ووَعِيدُهُ سُبْحانَهُ انْتَهى. (p-17)وعَلَيْهِ فَفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ ولا يَخْفى حُسْنُ ذَلِكَ، وإيثارُ ما عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ عَلى أنْ يُقالَ: عَسى أنْ يَرْدِفَكم إلَخْ لِكَوْنِهِ أدَلَّ عَلى تَحَقُّقِ الوَعْدِ، وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ «رَدَفَ» بِفَتْحِ الدّالِ وهو لُغَةٌ فِيهِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب