الباحث القرآني
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أإنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً﴾ تَثْنِيَةٌ لِلْإنْكارِ، وبَيانٌ لِما يَأْتُونَهُ مِنَ الفاحِشَةِ بِطَرِيقِ التَّصْرِيحِ بَعْدَ الإبْهامِ، وتَحْلِيَةُ الجُمْلَةِ بِحَرْفَيِ التَّأْكِيدِ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَضْمُونَها مِمّا لا يُصَدِّقُ وُقُوعَهُ أحَدٌ لِكَمالِ شَناعَتِهِ، وإيرادُ المَفْعُولِ بِعُنْوانِ الرُّجُولِيَّةِ دُونَ الذُّكُورِيَّةِ؛ لِتَرْبِيَتِهِ التَّقْبِيحَ وبَيانِ اخْتِصاصِهِ بِبَنِي آدَمَ، وتَعْلِيلُ الإتْيانِ بِالشَّهْوَةِ تَقْبِيحٌ عَلى تَقْبِيحٍ لِما أنَّها لَيْسَتْ في مَحَلِّها، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهم مُخْطِئُونَ في مَحَلِّها فِعْلًا.
وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن دُونِ النِّساءِ﴾ أيْ: مُتَجاوِزِينَ النِّساءَ اللّاتِي هُنَّ مَحالُّ الشَّهْوَةِ، إشارَةٌ إلى أنَّهم مُخْطِئُونَ فِيهِ تَرْكًا، ويُعْلَمُ مِمّا ذَكَرْنا أنَّ (شَهْوَةً) مَفْعُولٌ لَهُ لِلْإتْيانِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا.
﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ أيْ: تَفْعَلُونَ فِعْلَ الجاهِلِينَ بِقُبْحِ ذَلِكَ، أوْ يَجْهَلُونَ العاقِبَةَ، أوِ الجَهْلُ بِمَعْنى السَّفاهَةِ والمُجُونِ، أيْ: بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ سُفَهاءُ ماجِنُونَ، كَذا في الكَشّافِ، وأيًّا ما كانَ فَلا يُنافِي قَوْلَهُ تَعالى: (وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ) ولَمْ يَرْتَضِ ذَلِكَ الطِّيبِيُّ، وزَعَمَ أنَّ كَلِمَةَ الإضْرابِ تَأْباهُ، ووَجَّهَ الآيَةَ بِأنَّهُ تَعالى لَمّا أنْكَرَ عَلَيْهِمْ فِعْلَهم عَلى الإجْمالِ - وسَمّاهُ فاحِشَةً، وقَيَّدَهُ بِالحالِ المُقَرِّرَةِ لِجِهَةِ الإشْكالِ؛ تَتْمِيمًا لِلْإنْكارِ بِقَوْلِهِ تَعالى: (وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ) - أرادَ مَزِيدَ ذَلِكَ التَّوْبِيخِ والإنْكارِ، فَكَشَفَ عَنْ حَقِيقَةِ تِلْكَ الفاحِشَةِ، وأشارَ سُبْحانَهُ إلى ما أشارَ، ثُمَّ أضْرَبَ عَنِ الكُلِّ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (بَلْ أنْتُمْ) ... إلَخْ، أيْ: كَيْفَ يُقالُ لِمَن يَرْتَكِبُ هَذِهِ الفَحْشاءَ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ، فَأوْلى حَرْفَ الإضْرابِ ضَمِيرَ (أنْتُمْ) وجَعَلَهم قَوْمًا جاهِلِينَ، والتَفَتَ في (تَجْهَلُونَ) مُوَبِّخًا مُعَيِّرًا، اهـ، وفِيهِ نَظَرٌ.
والقَوْلُ بِالِالتِفاتِ هُنا مِمّا قالَهُ غَيْرُهُ أيْضًا، وهو التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ الَّتِي في (قَوْمٌ) إلى الخِطابِ في (تَجْهَلُونَ) وتَعَقَّبَهُ الفاضِلُ السّالكُوتِيُّ بِأنَّهُ وهْمٌ؛ إذْ لَيْسَ المُرادُ بِقَوْمٍ قَوْمَ لُوطٍ حَتّى يَكُونَ المُعَبَّرُ عَنْهُ في الأُسْلُوبَيْنِ واحِدًا - كَما هو شَرْطُ الِالتِفاتِ - بَلْ مَعْنًى كُلِّيٌّ حُمِلَ عَلى قَوْمِ لُوطٍ، عَلَيْهِ السَّلامُ.
وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: إنَّ الخِطابَ فِيهِ - مَعَ أنَّهُ صِفَةٌ لِـ(قَوْمٌ) وهو اسْمٌ ظاهِرٌ - مِن قَبِيلِ الغائِبِ لِمُراعاةِ المَعْنى؛ لِأنَّهُ مُتَّحِدٌ مَعَ (أنْتُمْ) لِحَمْلِهِ عَلَيْهِ، وجَعَلَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِمّا غَلَبَ فِيهِ الخِطابُ، وأُورِدَ عَلَيْهِ أنَّ في التَّغْلِيبِ تَجَوُّزًا ولا تَجَوُّزَ هُنا.
وأُجِيبَ بِأنَّ نَحْوَ (تَجْهَلُونَ) مَوْضُوعٌ لِلْخِطابِ مَعَ جَماعَةٍ لَمْ يُذْكَرُوا بِلَفْظِ غَيْبَةٍ، وهُنا لَيْسَ كَذَلِكَ، فَكَيْفَ لا يَكُونُ فِيهِ تَجَوُّزٌ، وقِيلَ: قَوْلُهُمْ: إنَّ في التَّغْلِيبِ تَجَوُّزًا خارِجٌ مَخْرَجَ الغالِبِ، وقالَ الفاضِلُ السّالكُوتِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (بَلْ أنْتُمْ) ... إلَخْ مِنَ المَجازِ بِاعْتِبارِ ما كانَ، فَإنَّ المُخاطَبَ في (تَجْهَلُونَ) بِاعْتِبارِ كَوْنِ القَوْمِ مُخاطَبِينَ في التَّعْبِيرِ بِـ(أنْتُمْ) فَلا يَرِدُ أنَّ اللَّفْظَ لَمْ يُسْتَعْمَلْ فِيهِ في غَيْرِ ما وُضِعَ لَهُ، ولا الهَيْئَةِ التَّرْكِيبِيَّةِ، ولَمْ يُسْنَدِ الفِعْلُ إلى غَيْرِ ما هو لَهُ، فَيَكُونُ هُناكَ مَجازٌ، فافْهَمْ.
(تَمَّ الجُزْءُ التّاسِعَ عَشَرَ مِن تَفْسِيرِ رُوحِ المَعانِي، ويَلِيهِ - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - الجُزْءُ العِشْرُونَ، وأوَّلُهُ (فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ).
{"ayah":"أَىِٕنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهۡوَةࣰ مِّن دُونِ ٱلنِّسَاۤءِۚ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمࣱ تَجۡهَلُونَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











