الباحث القرآني

﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ أيِ: اجْعَلْ لِنَفْعِي ذِكْرًا صادِقًا في جَمِيعِ الأمْرِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وحاصِلُهُ خُلْدُ صِيتِي وذِكْرِي الجَمِيلِ في الدُّنْيا، وذَلِكَ بِتَوْفِيقِهِ لِلْآثارِ الحَسَنَةِ والسُّنَنِ المَرْضِيَّةِ لَدَيْهِ تَعالى المُسْتَحْسَنَةِ الَّتِي يَقْتَدِي بِها الآخِرُونَ، ويَذْكُرُونَهُ بِسَبَبِها بِالخَيْرِ وهم صادِقُونَ. فاللِّسانُ مَجازٌ عَنِ الذِّكْرِ بِعَلاقَةِ السَّبَبِيَّةِ، واللّامُ لِلنَّفْعِ، ومِنهُ يُسْتَفادُ الوَصْفُ بِالجَمِيلِ، وتَعْرِيفُ ( الآخِرِينَ ) لِلِاسْتِغْراقِ، والكَلامُ مُسْتَلْزِمٌ لِطَلَبِ التَّوْفِيقِ لِلْآثارِ الحَسَنَةِ الَّتِي أشَرْنا إلَيْها، وكَأنَّهُ المَقْصُودُ بِالطَّلَبِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، ولا بَأْسَ بِأنْ يُرِيدَ تَخْلِيدَ ذِكْرِهِ بِالجَمِيلِ ومَدْحِهِ بِما كانَ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في زَمانِهِ، ولِكَوْنِ الثَّناءِ الحَسَنِ مِمّا يَدُلُّ عَلى مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعالى ورِضائِهِ - كَما ورَدَ في الحَدِيثِ - يَحْسُنُ طَلَبُهُ مِنَ الأكابِرِ مِن هَذِهِ الجِهَةِ، والقَصْدُ - كُلُّ القَصْدِ - هو الرِّضا. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالآخِرِينَ آخِرُ أُمَّةٍ يُبْعَثُ فِيها نَبِيٌّ، وأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - طَلَبَ الصِّيتَ الحَسَنَ والذِّكْرَ الجَمِيلَ فِيهِمْ بِبِعْثَةِ نَبِيٍّ فِيهِمْ يُجَدِّدُ أصْلَ دِينِهِ، ويَدْعُو النّاسَ إلى ما كانَ يَدْعُوهم إلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ، مُعَلِّمًا لَهم أنَّ ذَلِكَ مِلَّةُ (p-99)إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَكَأنَّهُ طَلَبَ بِعْثَةَ نَبِيٍّ كَذَلِكَ في آخِرِ الزَّمانِ لا تُنْسَخُ شَرِيعَتُهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ولَيْسَ ذَلِكَ إلّا نَبِيَّنا مُحَمَّدًا ﷺ وقَدْ طَلَبَ بِعْثَتَهُ - عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِما هو أصْرَحُ مِمّا ذُكِرَ أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ﴾ إلَخْ، ولِذا قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««أنا دَعْوَةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ»». وقِيلَ: إذا أُرِيدَ ذَلِكَ فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ في كَلامِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أيِ: اجْعَلْ لِي صاحِبَ لِسانِ صِدْقٍ في الآخِرِينَ، أوْ جَعْلُ اللِّسانِ مَجازًا عَنِ الدّاعِي بِإطْلاقِ الجُزْءِ عَلى الكُلِّ؛ لِأنَّ الدَّعْوَةَ بِاللِّسانِ، فَكَأنَّهُ قالَ: اجْعَلْ لِي داعِيًا إلى الحَقِّ صادِقًا في الآخِرِينَ، ولا يَخْفى أنَّ فِيما ذَكَرْناهُ غِنًى عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، وفي تَعْلِيقاتِ شَيْخِ مَشايِخِنا العَلّامَةِ صِبْغَةِ اللَّهِ الحَيْدَرِيِّ - طابَ ثَراهُ - عَلى تَفْسِيرِ البَيْضاوِيِّ في هَذِهِ الآيَةِ كَلامٌ ناشِئٌ مِن قِلَّةِ إمْعانِ النَّظَرِ، فَلا تَغْتَرَّ بِهِ. واسْتَدَلَّ الإمامُ مالِكٌ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ لا بَأْسَ أنْ يُحِبَّ الرَّجُلُ أنْ يُثْنى عَلَيْهِ صالِحًا، وفائِدَةُ ذَلِكَ بَعْدَ المَوْتِ - عَلى ما قالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ - انْصِرافُ الهِمَمِ إلى ما بِهِ يَحْصُلُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى زُلْفى، وأنَّهُ قَدْ يَصِيرُ سَبَبًا لِاكْتِسابِ المُثْنِي أوْ غَيْرِهِ نَحْوَ ما أثْنى بِهِ فَيُثابُ، فَيُشارِكُهُ فِيهِ المُثْنى عَلَيْهِ، كَما هو مُقْتَضى: ««مَن سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أجْرُها وأجْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ»» ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ الأُمُورَ بِمَقاصِدِها.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب