الباحث القرآني
﴿وإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ﴾ عَطْفٌ عَلى «يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ» نُظِمَ مَعَهُما في سِلْكِ الصِّلَةِ لِمَوْصُولٍ واحِدٍ؛ لِما أنَّ الصِّحَّةَ والمَرَضَ مِن مُتَفَرِّعاتِ الأكْلِ والشُّرْبِ غالِبًا:
؎فَإنَّ الدّاءَ أكْثَرُ ما تَراهُ يَكُونُ مِنَ الطَّعامِ أوِ الشَّرابِ
وقالَتِ الحُكَماءُ: لَوْ قِيلَ لِأكْثَرِ المَوْتى: ما سَبَبُ آجالِكُمْ؟ لَقالُوا: التَخَمُ.
ونِسْبَةُ المَرَضِ - الَّذِي هو نِقْمَةٌ - إلى نَفْسِهِ، والشِّفاءِ - - الَّذِي هو نِعْمَةٌ - إلى اللَّهِ - جَلَّ شَأْنُهُ - لِمُراعاةِ حُسْنِ الأدَبِ، كَما قالَ الخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها﴾ وقالَ: ﴿فَأرادَ رَبُّكَ أنْ يَبْلُغا أشُدَّهُما﴾، ولا يَرِدُ إسْنادُهُ الإماتَةَ - وهي أشَدُّ مِنَ المَرَضِ - إلَيْهِ - عَزَّ وجَلَّ - في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ لِإمْكانِ الفَرْقِ بِأنَّ المَوْتَ قَدْ عُلِمَ واشْتُهِرَ أنَّهُ قَضاءٌ مَحْتُومٌ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - عَلى سائِرِ البَشَرِ، وحُكْمٌ عامٌّ لا يَخُصُّ، ولا كَذَلِكَ المَرَضُ، فَكَمْ مِن مُعافًى مِنهُ إلى أنْ يَبْغَتَهُ المَوْتُ، فالتَّأسِّي بِعُمُومِ المَوْتِ يُسْقِطُ أثَرَ كَوْنِهِ نِقْمَةً، فَيُسَوِّغُ الأدَبُ نِسْبَتَهُ إلَيْهِ تَعالى، وأمّا المَرَضُ فَلِما كانَ يُخَصُّ بِهِ بَعْضُ البَشَرِ دُونَ بَعْضٍ كانَ نِقْمَةً مُحَقَّقَةً، فاقْتَضى العُلُوُّ في الأدَبِ أنْ يَنْسُبَهُ الإنْسانُ إلى نَفْسِهِ بِاعْتِبارِ السَّبَبِ الَّذِي لا يَخْلُو مِنهُ.
ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّ كُلَّ ما ذُكِرَ مَعَ غَيْرِ المَرَضِ أخْبَرَ عَنْ وُقُوعِهِ بَتًّا وجَزْمًا؛ لِأنَّهُ أمْرٌ لا بُدَّ مِنهُ، وأمّا المَرَضُ - فَلَمّا كانَ قَدْ يَتَّفِقُ وقَدْ لا - أوْرَدَهُ مَقْرُونًا بِشَرْطِ (إذا) فَقالَ: ﴿وإذا مَرِضْتُ﴾ وكانَ يُمْكِنُهُ أنْ يَقُولَ: والَّذِي أمْرَضُ فَيَشْفِينِي، كَما قالَ في غَيْرِهِ، فَما عَدَلَ عَنِ المُطابَقَةِ والمُجانَسَةِ المَأْثُورَةِ إلّا لِذَلِكَ، كَذا قالَهُ ابْنُ المُنِيرِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّما قالَ: مَرِضْتُ دُونَ (أمْرَضَنِي) لِأنَّ كَثِيرًا مِن أسْبابِ المَرَضِ يَحْدُثُ بِتَفْرِيطٍ مِنَ الإنْسانِ في مَطاعِمِهِ ومَشارِبِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وكَأنَّهُ إنَّما عَدَلَ في التَّعْلِيلِ عَنْ حُسْنِ الأدَبِ؛ لِما رَأى أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أضافَ الإماتَةَ إلَيْهِ - عَزَّ وجَلَّ - وهي أشَدُّ مِنَ المَرَضِ، ولَمْ يَخْطُرْ لَهُ الفَرْقُ بِما مَرَّ أوْ نَحْوُهُ، وغَفَلَ عَنْ أنَّ المَعْنى الَّذِي أبْداهُ في المَرَضِ يَنْكَسِرُ بِالمَوْتِ أيْضًا، فَإنَّ المَرَضَ كَما يَكُونُ بِسَبَبِ تَفْرِيطِ (p-97)الإنْسانِ في المَطْعَمِ وغَيْرِهِ كَذَلِكَ المَوْتُ النّاشِئُ عَنْ سَبَبِ هَذا المَرَضِ الَّذِي يَكُونُ بِتَفْرِيطِ الإنْسانِ، وقَدْ أضافَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الإماتَةَ مُطْلَقًا إلَيْهِ عَزَّ شَأْنُهُ.
وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ بَعْدَ التَّعْلِيلِ بِحُسْنِ الأدَبِ في وجْهِ إسْنادِ الإماتَةِ إلَيْهِ تَعالى: إنَّها حَيْثُ كانَتْ مُعْظَمَ خَصائِصِهِ - عَزَّ وجَلَّ - كالإحْياءِ بَدْءًا وإعادَةً، وقَدْ نِيطَتْ أُمُورُ الآخِرَةِ جَمِيعًا بِها وبِما بَعْدَها مِنَ البَعْثِ نَظَمَهَما في سِمْطٍ واحِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ عَلى أنَّ المَوْتَ - لِكَوْنِهِ ذَرِيعَةً إلى نَيْلِهِ، عَلَيْهِ السَّلامُ، لِلْحَياةِ الأبَدِيَّةِ - بِمَعْزِلٍ مِن أنْ يَكُونَ غَيْرَ مَطْبُوعٍ عِنْدَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - انْتَهى، وأوْلى مِن هَذِهِ العِلاوَةِ ما قِيلَ: إنَّ المَوْتَ لِأهْلِ الكَمالِ وصْلَةٌ إلى نَيْلِ المَحابِّ الأبَدِيَّةِ الَّتِي يُسْتَحْقَرُ دُونَها الحَياةُ الدُّنْيَوِيَّةُ. وفِيهِ تَخْلِيصُ العاصِي مِنِ اكْتِسابِ المَعاصِي، ثُمَّ إنَّ حَمْلَ المَرَضِ والشِّفاءِ عَلى ما هو الظّاهِرُ مِنهُما هو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ المُفَسِّرُونَ.
وعَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّ المَعْنى: وإذا مَرِضْتُ بِالذُّنُوبِ فَهو يَشْفِينِي بِالتَّوْبَةِ، ولَعَلَّهُ لا يَصِحُّ، وإنْ صَحَّ فَهو مِن بابِ الإشارَةِ لا العِبارَةِ، و(ثُمَّ) في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ؛ لِأنَّ المُرادَ بِالإحْياءِ الإحْياءُ لِلْبَعْثِ، وهو مُتَراخٍ عَنِ الإماتَةِ في الزَّمانِ في نَفْسِ الأمْرِ - وإنْ كانَ كُلُّ آتٍ قَرِيبٌ - وأثْبَتَ ابْنُ أبِي إسْحاقَ ياءَ المُتَكَلِّمِ في يَهْدِيَنِي وما بَعْدَهُ، وهي رِوايَةٌ عَنْ نافِعٍ.
{"ayahs_start":80,"ayahs":["وَإِذَا مَرِضۡتُ فَهُوَ یَشۡفِینِ","وَٱلَّذِی یُمِیتُنِی ثُمَّ یُحۡیِینِ"],"ayah":"وَإِذَا مَرِضۡتُ فَهُوَ یَشۡفِینِ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











