الباحث القرآني

﴿كَذَلِكَ﴾ إمّا في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: إخْراجًا مِثْلَ ذَلِكَ الإخْراجِ أخْرَجْنا، والإشارَةُ إلى مَصْدَرِ الفِعْلِ، أوْ في مَوْضِعِ جَرٍّ عَلى أنْ يَكُونَ صِفَةً لِـ(مَقامٍ) أيْ: مَقامٍ كَرِيمٍ مِثْلِ ذَلِكَ المَقامِ الَّذِي كانَ لَهُمْ، وعَلى الوَجْهَيْنِ لا يَرِدُ أنَّهُ يَلْزَمُ تَشْبِيهُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ - كَما زَعَمَ أبُو حَيّانَ - لِما مَرَّ تَحْقِيقُهُ، أوْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيِ: الأمْرُ كَذَلِكَ، والمُرادُ تَقْرِيرُ الأمْرِ وتَحْقِيقُهُ، واخْتارَ هَذا الطِّيبِيُّ فَقالَ: هو أقْوى الوُجُوهِ لِيَكُونَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ - أيْ مَلَّكْناها لَهم تَمْلِيكَ الإرْثِ - عَطْفًا عَلَيْهِ، والجُمْلَتانِ مُعْتَرِضَتانِ بَيْنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ وهو ﴿فَأخْرَجْناهُمْ﴾ والمَعْطُوفِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأتْبَعُوهُمْ﴾ لِأنَّ الإتْباعَ عَقِبَ الإخْراجِ لا الإيراثِ. قالَ الواحِدِيُّ: إنَّ اللَّهَ تَعالى رَدَّ بَنِي إسْرائِيلَ إلى مِصْرَ بَعْدَما أغْرَقَ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ فَأعْطاهم جَمِيعَ ما كانَ لِقَوْمِ فِرْعَوْنَ مِنَ الأمْوالِ والعَقارِ والمَساكِنِ، وعَلى غَيْرِ هَذا الوَجْهِ يَكُونُ (أوْرَثْنا) عَطْفًا عَلى (أخْرَجْنا) ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرٍ، نَحْوِ: فَأرَدْنا إخْراجَهم وإيراثَ بَنِي إسْرائِيلَ دِيارَهم فَخَرَجُوا وأتْبَعُوهُمُ، انْتَهى. ويُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّ جُمْلَةَ ( أوْرَثْناها ) إلَخْ، مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ في جَمِيعِ الأوْجُهِ، وما ذُكِرَ عَنِ الواحِدِيِّ مِن أنَّ اللَّهَ تَعالى رَدَّ بَنِي إسْرائِيلَ إلى مِصْرَ بَعْدَما أغْرَقَ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ ظاهِرُهُ وُقُوعُ ذَلِكَ بَعْدَ الغَرَقِ مِن غَيْرِ تَطاوُلِ مُدَّةٍ. وأظْهَرُ مِنهُ في هَذا ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: كَما عَبَرُوا البَحْرَ ورَجَعُوا ووَرِثُوا دِيارَهم وأمْوالَهُمْ، ورَأيْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّهم رَجَعُوا مَعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وبَقُوا مَعَهُ في مِصْرَ عَشْرَ سِنِينَ، وقِيلَ: إنَّهُ رَجَعَ بَعْضُهم بَعْدَ إغْراقِ فِرْعَوْنَ وهُمُ الَّذِينَ أُورِثُوا أمْوالَ القِبْطِ، وذَهَبَ الباقُونَ مَعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى أرْضِ الشّامِ. (p-84)وقِيلَ: إنَّهم بَعْدَ أنْ جاوَزُوا البَحْرَ ذَهَبُوا إلى الشّامِ ولَمْ يَدْخُلُوا مِصْرَ في حَياةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَلَكُوها زَمَنَ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والمَذْكُورُ في التَّوْراةِ الَّتِي بِأيْدِي اليَهُودِ اليَوْمَ صَرِيحٌ في أنَّهم بَعْدَ أنْ جاوَزُوا البَحْرَ تَوَجَّهُوا إلى أرْضِ الشّامِ، وقَدْ فُصِّلَتْ قِصَّةُ ذَهابِهِمْ إلَيْها، وأكْثَرُ التَّوارِيخِ عَلى هَذا، وظَواهِرُ كَثِيرٍ مِنَ الآياتِ تَقْتَضِي ما ذَكَرَهُ الواحِدِيُّ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. ومَعْنى (أتْبَعُوهُمْ) لَحِقُوهم يُقالُ: تَبِعْتُ القَوْمَ فَأتْبَعْتُهم أيْ: تَلَوْتُهم فَلَحِقْتُهُمْ، كَأنَّ المَعْنى: فَجَعَلْتُهم تابِعِينَ لِي بَعْدَما كُنْتُ تابِعًا لَهم مُبالَغَةً في اللُّحُوقِ، وضَمِيرُ الفاعِلِ لِقَوْمِ فِرْعَوْنَ والمَفْعُولِ لِبَنِي إسْرائِيلَ. وقَرَأ الحَسَنُ (فاتَّبَعُوهُمْ) بِوَصْلِ الهَمْزَةِ وشَدِّ التّاءِ ﴿مُشْرِقِينَ﴾ أيْ: داخِلِينَ في وقْتِ شُرُوقِ الشَّمْسِ، أيْ: طُلُوعِها، مِن (أشْرَقَ زَيْدٌ) دَخَلَ في وقْتِ الشُّرُوقِ، كَأصْبَحَ دَخَلَ في وقْتِ الصَّباحِ، وأمْسى دَخَلَ في وقْتِ المَساءِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو مِن أشْرَقَ (تَوَجَّهَ نَحْوَ الشَّرْقِ) كَأنْجَدَ (تَوَجَّهَ نَحْوَ نَجْدٍ) وأعْرَقَ (تَوَجَّهَ نَحْوَ العِراقِ) أيْ: فاتَّبَعُوهم مُتَوَجِّهِينَ نَحْوَ الشَّرْقِ، والجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ. وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّ اللَّهَ تَعالى ألْقى عَلى القِبْطِ المَوْتَ لَيْلَةَ خَرَجَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ – بِقَوْمِهِ، فَماتَ كُلُّ بِكْرٍ رَجُلٍ مِنهم فَشُغِلُوا عَنْ طَلَبِهِمْ بِدَفْنِهِمْ حَتّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، ومِثْلُ ذَلِكَ في التَّوْراةِ بِزِيادَةِ مَوْتِ أبْكارِ بَهائِمِهِمْ أيْضًا، والوَصْفُ حالٌ مِنَ الفاعِلِ، وقِيلَ: هو حالٌ مِنَ المَفْعُولِ. ومَعْنى ﴿مُشْرِقِينَ﴾ في ضِياءٍ، بِناءً عَلى ما رُوِيَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا في ضِياءٍ، وكانَ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ في ضَبابٍ وظُلْمَةٍ، تَحَيَّرُوا فِيها حَتّى جاوَزَ بَنُو إسْرائِيلَ البَحْرَ، ولا يَكادُ يَصِحُّ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعالى:
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب