الباحث القرآني
﴿وما يَنْبَغِي لَهُمْ﴾ أيْ: وما يَصِحُّ وما يَسْتَقِيمُ لَهم ذَلِكَ ﴿وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ أيْ: وما يَقْدِرُونَ عَلى ذَلِكَ أصْلًا ﴿إنَّهُمْ﴾ أيِ: الشَّياطِينَ ﴿عَنِ السَّمْعِ﴾ لِما يَتَكَلَّمُ بِهِ المَلائِكَةُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - في السَّماءِ ﴿لَمَعْزُولُونَ﴾ أيْ مَمْنُوعُونَ بِالشُّهُبِ بَعْدَ أنْ كانُوا مُمَكَّنِينَ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنّا لَمَسْنا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وشُهُبًا﴾ ﴿وأنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾ والمُرادُ تَعْلِيلُ ما تَقَدَّمَ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ؛ لِأنَّهم إذا كانُوا مَمْنُوعِينَ عَنْ سَماعِ ما تَتَكَلَّمُ بِهِ المَلائِكَةُ في السَّماءِ كانُوا مَمْنُوعِينَ مَن أخْذِ القُرْآنِ المَجِيدِ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أوْ مِن بَيْتِ العِزَّةِ، أوْ مِن سَماعِهِ إذْ يُظْهِرُهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لِمَن شاءَ في سَمائِهِ - مِن بابٍ أوْلى.
وقِيلَ: المَعْنى: إنَّهم لَمَعْزُولُونَ عَنِ السَّمْعِ لِكَلامِ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - لِأنَّهُ مَشْرُوطٌ بِالمُشارَكَةِ في صِفاتِ الذّاتِ، وقَبُولِ فَيَضانِ الحَقِّ، والِانْتِقاشِ بِالصُّوَرِ المَلَكُوتِيَّةِ، ونُفُوسُهم خَبِيثَةٌ ظَلْمانِيَّةٌ شِرِّيرَةٌ بِالذّاتِ لا تَقْبَلُ ذَلِكَ، والقُرْآنُ الكَرِيمُ مُشْتَمِلٌ عَلى حَقائِقَ ومُغَيَّباتٍ لا يُمْكِنُ تَلَقِّيها إلّا مِنَ المَلائِكَةِ، عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ إنْ أرادَ أنَّ السَّمْعَ لِكَلامِ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - مُطْلَقًا مَشْرُوطٌ بِصِفاتٍ هم مُتَّصِفُونَ بِنَقائِضِها فَهو غَيْرُ مُسَلَّمٍ، كَيْفَ وقَدْ ثَبَتَ أنَّ الشَّياطِينَ كانُوا يَسْتَرِقُونَ السَّمْعَ؟! وظاهِرُ الآياتِ أنَّهم إلى اليَوْمِ يَسْتَرِقُونَهُ ويَخْطِفُونَ الخَطْفَةَ فَيَتْبَعُهم شِهابٌ ثاقِبٌ، وأيْضًا لَوْ كانَ ما ذُكِرَ شَرْطًا لِلسَّمْعِ - وهو مُنْتَفٍ فِيهِمْ - فَأيُّ فائِدَةٍ لِلْحَرَسِ ومَنعِهِمْ عَنِ السَّمْعِ بِالرُّجُومِ.
وأيْضًا لَوْ صَحَّ ما ذُكِرَ لَمْ يَتَأتَّ لَهم سَماعُ القُرْآنِ العَظِيمِ مِنَ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - سَواءٌ كانَ مُشْتَمِلًا عَلى الحَقائِقِ والمُغَيَّباتِ أمْ لا، فَما فائِدَةٌ في قَوْلِهِ: والقُرْآنُ مُشْتَمِلٌ إلَخْ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
وإنْ أرادَ أنَّ السَّمْعَ لِكَلامِ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - إذا كانَ وحْيًا مُنَزَّلًا عَلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - مَشْرُوطٌ بِما ذُكِرَ فَهو - مَعَ كَوْنِهِ خِلافَ ظاهِرِ الكَلامِ - غَيْرُ مُسَلَّمٍ أيْضًا، كَيْفَ وقَدْ ثَبَتَ أنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَ يَنْزِلُ بِالقُرْآنِ يَنْزِلُ مَعَهُ رَصَدٌ؛ حِفْظًا لِلْوَحْيِ مِنَ الشَّيْطانِ؟! وقَدْ قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا﴾ ﴿إلا مَنِ ارْتَضى مَنِ رَسُولٍ فَإنَّهُ يَسْلُكُ مَنِ بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ ﴿لِيَعْلَمَ أنْ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ﴾ وأيْضًا ظاهِرُ العَزْلِ عَنِ السَّمْعِ يَقْتَضِي أنَّهم كانُوا مُمَكَّنِينَ مِنهُ قَبْلُ ثُمَّ مُنِعُوا عَنْهُ، فَيَلْزَمُ - عَلى ما ذُكِرَ - أنَّهم كانُوا يَسْمَعُونَ الوَحْيَ مِن قَبْلُ مَعَ أنَّ نُفُوسَهم خَبِيثَةٌ ظَلْمانِيَّةٌ شِرِّيرَةٌ بِالذّاتِ (p-134)فَيَبْطُلُ كَوْنُ المُشارَكَةِ المَذْكُورَةِ شَرْطًا لِلسَّمْعِ، فَإنِ ادُّعِيَ أنَّ الشَّرْطَ كانَ مَوْجُودًا إذْ ذاكَ ثُمَّ فُقِدَ والتُزِمَ القَوْلُ بِجَوازِ تَغَيُّرِ ما بِالذّاتِ فَهو مِمّا لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، وقِياسُ جَمِيعِ الشَّياطِينِ عَلى إبْلِيسَ - عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ - مِمّا لا يَخْفى حالُهُ، فَتَدَبَّرْ.
وبِالجُمْلَةِ الَّذِي أمِيلُ إلَيْهِ في مَعْنى الآيَةِ ما ذَكَرْتُهُ أوَّلًا، وسَيَأْتِي قَرِيبًا - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - ما يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ، وجُوِّزَ كَوْنُ ضَمِيرِ (إنَّهُمْ) لِلْمُشْرِكِينَ، والمُرادُ أنَّهم لا يُصْغُونَ لِلْحَقِّ لِعِنادِهِمْ، وفي الآيَةِ شَمَّةٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهم مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ﴾ وهو بَعِيدٌ جِدًّا.
{"ayahs_start":211,"ayahs":["وَمَا یَنۢبَغِی لَهُمۡ وَمَا یَسۡتَطِیعُونَ","إِنَّهُمۡ عَنِ ٱلسَّمۡعِ لَمَعۡزُولُونَ"],"ayah":"إِنَّهُمۡ عَنِ ٱلسَّمۡعِ لَمَعۡزُولُونَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











