الباحث القرآني
﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ أيْ يَطْلُبُونَهُ قَبْلَ أوانِهِ، وذَلِكَ قَوْلُهُمْ: (أمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ) وقَوْلُهُمْ: (فائْتِنا بِما تَعِدُنا) ونَحْوُهُما.
﴿أفَرَأيْتَ﴾ أيْ: فَأخْبِرْ ﴿إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ أيْ: مُدَّةً مِنَ الزَّمانِ بِطُولِ الأعْمالِ وطِيبِ المَعاشِ، أوْ عُمُرَ الدُّنْيا - عَلى ما رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ - وعُبِّرَ عَنْ ذَلِكَ بِما ذُكِرَ إشارَةً إلى قِلَّتِهِ ﴿ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ أيِ: الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَهُ مِنَ العَذابِ ﴿ما أغْنى عَنْهُمْ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ، أوْ أيُّ غَناءٍ أغْنى عَنْهم ﴿ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ أيْ: كَوْنُهم مُمَتَّعِينَ ذَلِكَ التَّمْتِيعَ المَدِيدَ، عَلى أنَّ (ما) مَصْدَرِيَّةٌ كَما هو الأوْلى، أوِ الَّذِي كانُوا يُمَتَّعُونَهُ مِن مَتاعِ الحَياةِ الدُّنْيا عَلى أنَّها مَوْصُولَةٌ حُذِفَ عائِدُها، وأيًّا ما كانَ فالِاسْتِفْهامُ لِلنَّفْيِ والإنْكارِ.
وقِيلَ: ما نافِيَةٌ، أيْ: لَمْ يُغْنِ عَنْهم ذَلِكَ في دَفْعِ العَذابِ أوْ تَخْفِيفِهِ، والأوَّلُ أوْلى لِكَوْنِهِ أوْفَقَ لِصُورَةِ الِاسْتِخْبارِ، وأدَلَّ عَلى انْتِفاءِ الإغْناءِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ.
وفِي رَبْطِ النَّظْمِ الكَرِيمِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ كَما في الكَشّافِ:
الأوَّلُ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿أفَرَأيْتَ﴾ إلَخْ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ وقَوْلَهُ جَلَّ وعَلا: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ مُعْتَرِضٌ لِلتَّبْكِيتِ وإنْكارِ أنْ يَسْتَعْجِلَ العَذابَ مَن هو مُعَرَّضٌ لِعَذابٍ يَسْألُ فِيهِ النَّظْرَةَ والإمْهالَ طَرْفَةَ عَيْنٍ فَلا يُجابُ (p-131)إلَيْها، والمَعْنى - عَلى هَذا كَما في الكَشْفِ -: أنَّهُ لَمّا ذُكِرَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ دُونَ مُشاهَدَةِ العَذابِ قالَ سُبْحانَهُ: إنَّ هَذا العَذابَ المَوْعُودَ - وإنْ تَأخَّرَ أيّامًا قَلائِلَ - فَهو لاحِقٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ، وهُنالِكَ لا يَنْفَعُهم ما كانُوا فِيهِ مِنَ الِاغْتِرارِ المُثْمِرِ لِعَدَمِ الإيمانِ، وأصْلُ النَّظْمِ الكَرِيمِ: لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يَرَوُا العَذابَ وكَيْتَ وكَيْتَ، فَإنَّ مَتَّعْناهم سِنِينَ ثُمَّ جاءَهم هَذا العَذابُ المَوْعُودُ، فَأيُّ شَيْءٍ أوْ فَأيُّ غَناءٍ يُغْنِي عَنْهم تَمْتِيعُهم تِلْكَ الأيّامَ القَلائِلَ؟! فَجِيءَ بِفِعْلِ الرُّؤْيَةِ والِاسْتِفْهامِ لِيَكُونَ في مَعْنى (أخْبِرْ) إفادَةً لِمَعْنى التَّعَجُّبِ والإنْكارِ، وأنَّ مِن حَقِّ هَذِهِ القِصَّةِ أنْ يُخْبَرَ بِها كُلُّ أحَدٍ حَتّى يَتَعَجَّبَ.
ووُسِّطَ ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ لِلتَّبْكِيتِ، والهَمْزَةُ فِيهِ لِلْإنْكارِ، وجِيءَ بِالفاءِ دَلالَةً عَلى تَرَتُّبِهِ عَلى السّابِقِ كَأنَّهُ لَمّا وُصِفَ العَذابُ قِيلَ: أيَسْتَعْجِلُ هَذا العَذابَ عاقِلٌ.
وفِي الإرْشادِ اخْتِيارُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ وجَعْلُ الفاءِ لِتَرْتِيبِ الِاسْتِخْبارِ - عَلى ذَلِكَ القَوْلِ - وهي مُتَقَدِّمَةٌ عَلى الهَمْزَةِ مَعْنًى وتَأْخِيرُها عَنْها صُورَةً لِاقْتِضاءِ الهَمْزَةِ الصَّدارَةَ، وإنَّ ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ مُعْتَرِضٌ لِلتَّوْبِيخِ والتَّبْكِيتِ، وجَعْلُ الفاءِ فِيهِ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ أيْ: أيَكُونُ حالُهم كَما ذُكِرَ مِنَ الِاسْتِنْظارِ عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ الألِيمِ فَيَسْتَعْجِلُونَ بِعَذابِنا، وبَيْنَهُما مِنَ التَّنافِي ما لا يَخْفى عَلى أحَدٍ، أوْ: أيَغْفُلُونَ عَنْ ذَلِكَ مَعَ تَحَقُّقِهِ وتَقَرُّرِهِ فَيَسْتَعْجِلُونَ إلَخْ، وصاحِبُ الكَشْفِ بَعْدَ أنْ قَرَّرَ كَما ذَكَرْنا قالَ: إنَّ العَطْفَ عَلى مُقَدَّرٍ في هَذا الوَجْهِ لا وجْهَ لَهُ، ولَعَلَّ المُنْصِفَ يَقُولُ: لِكُلٍّ وِجْهَةٌ.
والثّانِي أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ كَلامٌ يُوَبَّخُونَ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ قَوْلِهِمْ فِيهِ ﴿هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ حُكِيَ لَنا لُطْفًا ( ويَسْتَعْجِلُونَ ) عَلَيْهِ في مَعْنى اسْتَعْجَلْتُمْ، إذْ كَذَلِكَ يُقالُ لَهم ذَلِكَ اليَوْمَ، وكَأنَّ أمْرَ التَّرْتِيبِ أوِ العَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ وارْتِباطَ ﴿أفَرَأيْتَ﴾ إلَخْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ في الوَجْهِ السّابِقِ.
والثّالِثُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ مُتَّصِلٌ بِما بَعْدَهُ غَيْرُ مُتَرَتِّبٍ عَلى ما قَبْلَهُ، وذَلِكَ أنَّ اسْتِعْجالَهم بِالعَذابِ إنَّما كانَ لِاعْتِقادِهِمْ أنَّهُ غَيْرُ كائِنٍ ولا لاحِقٍ بِهِمْ، وأنَّهم مُمَتَّعُونَ بِأعْمارٍ طِوالٍ في سَلامَةٍ وأمْنٍ، فَقالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ أشَرًا وبَطَرًا واسْتِهْزاءً واتِّكالًا عَلى الأمَلِ الطَّوِيلِ، ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: هَبْ أنَّ الأمْرَ كَما يَعْتَقِدُونَ مِن تَمْتِيعِهِمْ وتَعْمِيرِهِمْ فَإذا لَحِقَهُمُ الوَعِيدُ بَعْدَ ذَلِكَ ما يَنْفَعُهم حِينَئِذٍ ما مَضى مِن طُولِ أعْمارِهِمْ وطِيبِ مَعايِشِهِمْ.
وعَلى هَذا يَكُونُ ( أفَبِعَذابِنا ) إلَخْ عَطْفًا عَلى مُقَدَّرٍ بِلا خِلافٍ نَحْوِ (أيَسْتَهْزِئُونَ) ( أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ ) .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ﴾ إلَخْ تَعْجُّبًا مِن حالِهِمْ مُتَرَتِّبًا عَلى الِاسْتِهْزاءِ والِاسْتِعْجالِ، والكَلامُ نَظِيرُ ما تَقُولُ لِمُخاطَبِكَ: هَلْ تَغْتَرُّ بِكَثْرَةِ العَشائِرِ والأمْوالِ؟! فاحْسُبْ أنَّها بَلَغَتْ فَوْقَ ما تُؤَمِّلُ ألَيْسَ بَعْدَهُ المَوْتُ وتَرْكُهُما عَلى حَسْرَةٍ!.
وهَذا الوَجْهُ أظْهَرُ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي قَبْلَهُ، وأيًّا ما كانَ فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: (بِعَذابِنا) مُتَعَلِّقٌ بِـ(يَسْتَعْجِلُونَ) قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَصَبَّ الإنْكارِ والتَّوْبِيخِ كَوْنُ المُسْتَعْجَلِ بِهِ عَذابَهُ - جَلَّ جَلالُهُ - مَعَ ما فِيهِ - عَلى ما قِيلَ - مِن رِعايَةِ الفَواصِلِ.
وقُرِئَ «يُمْتَعُونَ» مِنَ الإمْتاعِ، وفي الآيَةِ مَوْعِظَةٌ عَظِيمَةٌ لِمَن لَهُ قَلْبٌ.
رُوِيَ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ أنَّهُ لَقِيَ الحَسَنَ في الطَّوافِ - وكانَ يَتَمَنّى لِقاءَهُ - فَقالَ لَهُ: عِظْنِي فَلَمْ يَزِدْهُ عَلى تِلاوَةِ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ مَيْمُونٌ: لَقَدْ وعَظْتَ فَأبْلَغْتَ.
{"ayahs_start":204,"ayahs":["أَفَبِعَذَابِنَا یَسۡتَعۡجِلُونَ","أَفَرَءَیۡتَ إِن مَّتَّعۡنَـٰهُمۡ سِنِینَ","ثُمَّ جَاۤءَهُم مَّا كَانُوا۟ یُوعَدُونَ","مَاۤ أَغۡنَىٰ عَنۡهُم مَّا كَانُوا۟ یُمَتَّعُونَ"],"ayah":"مَاۤ أَغۡنَىٰ عَنۡهُم مَّا كَانُوا۟ یُمَتَّعُونَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











