الباحث القرآني

﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ، جِيءَ بِهِ لِلْإيذانِ بِأنَّهم عَلَمٌ في الظُّلْمِ، كَأنَّ مَعْنى القَوْمِ الظّالِمِينَ وتَرْجَمَتَهُ قَوْمُ فِرْعَوْنَ، وقالَ أبُو البَقاءِ: بَدَلٌ مِنهُ، ورَجَّحَ أبُو حَيّانَ الأوَّلَ بِأنَّهُ أقَضى لِحَقِّ البَلاغَةِ؛ لِإيذانِهِ بِما سَمِعْتَ، ولَعَلَّ الِاقْتِصارَ عَلى القَوْمِ لِلْعِلْمِ بِأنَّ فِرْعَوْنَ أوْلى بِما ذُكِرَ، وقَدْ خُصَّ في بَعْضِ المَواضِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى ذَلِكَ، وجُوِّزَ أنْ يُقالَ: قَوْمُ فِرْعَوْنَ، شامِلٌ لَهُ شُمُولَ بَنِي آدَمَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿ألا يَتَّقُونَ﴾ حالٌ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ، أيِ: ائْتِهِمْ قائِلًا لَهم ألا يَتَّقُونَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ يَسارٍ، وشَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ، وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وأبُو قِلابَةَ بِتاءِ الخِطابِ، ويَجُوزُ في مِثْلِ ذَلِكَ الخِطابُ والغَيْبَةُ، فَيُقالُ: قُلْ لِزَيْدٍ: (تُعْطِي عَمْرًا كَذا) و(يُعْطِي عَمْرًا كَذا) وقُرِئَ بِكَسْرِ النُّونِ مَعَ الخِطابِ والغَيْبَةِ، والأصْلُ (يَتَّقُونَنِي) فَحُذِفَتْ إحْدى النُّونَيْنِ لِاجْتِماعِ المِثْلَيْنِ، وحُذِفَتْ ياءُ المُتَكَلِّمِ اكْتِفاءً بِالكَسْرَةِ. وقَوْلُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ذَلِكَ بِطَرِيقِ النِّيابَةِ عَنْهُ - عَزَّ وجَلَّ - نَظِيرُ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ائْتِهِمْ قائِلًا قَوْلِي لَهم ألّا تَتَّقُونَنِي، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، أتْبَعَهُ - عَزَّ وجَلَّ - إرْسالَهُ إلَيْهِمْ لِلْإنْذارِ والتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ؛ تَعْجِيبًا لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن حالِهِمُ الَّتِي شَنُعَتْ في الظُّلْمِ والعَسْفِ، ومِن أمْنِهِمُ العَواقِبَ، وقِلَّةِ خَوْفِهِمْ وحَذَرِهِمْ مِن أيّامِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وقِراءَةُ الخِطابِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ إلَيْهِمْ وجَبْهِهِمْ وضَرْبِ وُجُوهِهِمْ بِالإنْكارِ والغَضَبِ عَلَيْهِمْ، وإجْراءُ ذَلِكَ في تَكْلِيمِ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ في مَعْنى إجْرائِهِ بِحَضْرَتِهِمْ وإلْقائِهِ في مَسامِعِهِمْ؛ لِأنَّهُ مُبَلِّغُهُ ومُنْهِيهِ وناشِرُهُ بَيْنَ النّاسِ، فَلا يَضُرُّ كَوْنُهم غُيَّبًا حَقِيقَةً في وقْتِ المُناجاةِ، وفِيهِ مَزِيدُ حَثٍّ عَلى التَّقْوى لِمَن تَدَبَّرَ وتَأمَّلَ، انْتَهى. والِاسْتِئْنافُ عَلَيْهِ قِيلَ: بَيانِيٌّ بِتَقْدِيرِ: لِمَ هَذا الأمْرُ؟ وقِيلَ: هو نَحْوِيٌّ إذْ لا حاجَةَ إلى هَذا السُّؤالِ بَعْدَ ذِكْرِهِمْ بِعُنْوانِ الظُّلْمِ، ودُفِعَ بِالعِنايَةِ، ولَعَلَّ ما ذَكَرْناهُ أسْرَعُ تَبادُرًا إلى الفَهْمِ. وقالَ أيْضًا: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿ألا يَتَّقُونَ﴾ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ( الظّالِمِينَ ) أيْ: يَظْلِمُونَ غَيْرَ مُتَّقِينَ اللَّهَ تَعالى وعِقابَهُ - عَزَّ وجَلَّ - فَأُدْخِلَتْ هَمْزَةُ الإنْكارِ عَلى الحالِ دَلالَةً عَلى إنْكارِ عَدَمِ التَّقْوى والتَّوْبِيخِ عَلَيْهِ؛ لِيُفِيدَ إنْكارَ الظُّلْمِ مِن طَرِيقِ الأوْلى، فَإنَّ فائِدَةَ الإتْيانِ بِهَذِهِ الحالِ الإشْعارُ بِأنَّ عَدَمَ التَّقْوى هو الَّذِي جَرَّأهم عَلى الظُّلْمِ. وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ خَطَأٌ فاحِشٌ؛ لِأنَّ فِيهِ - مَعَ الفَصْلِ بَيْنَ العامِلِ والمَعْمُولِ بِالأجْنَبِيِّ - لُزُومَ إعْمالِ ما قَبْلَ الهَمْزَةِ فِيما بَعْدَها، وأُجِيبَ بِمَنعِ كَوْنِ الفاصِلِ أجْنَبِيًّا، وأنَّهُ يُتَوَسَّعُ في الهَمْزَةِ وهو كَما تَرى، وجُوِّزَ أيْضًا في (ألا يَتَّقُونِ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ وكَسْرِ النُّونِ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى (ألا يا ناسُ اتَّقُونِ) نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا يَسْجُدُوا﴾ فَتَكُونُ ( ألا ) كَلِمَةً واحِدَةً لِلْعَرْضِ، ويا نِدائِيَّةً سَقَطَتْ ألِفُها لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وحُذِفَ المُنادى وما بَعْدَهُ فِعْلُ أمْرٍ، ويَكُونُ إسْقاطُ الألِفَيْنِ مُخالِفًا لِلْقِياسِ، ولا يَخْفى أنَّهُ تَخْرِيجٌ بَعِيدٌ، وأنَّ الظّاهِرَ أنَّ (ألّا) لِلْعَرْضِ المُضَمَّنِ الحَضِّ عَلى التَّقْوى في جَمِيعِ القِراءاتِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب