الباحث القرآني
﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ قالَ الطَّبَرْسِيُّ: العامِلُ في ( يَوْمَ ) اذْكُرْ مَحْذُوفًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ما قَبْلَهُ، والظّاهِرُ أنَّ ألْ في الظّالِمِ لِلْجِنْسِ، فَيَعُمُّ كُلَّ ظالِمٍ، وحَكى ذَلِكَ أبُو حَيّانَ، عَنْ مُجاهِدٍ وأبِي رَجاءٍ، وذُكِرَ أنَّ المُرادَ بِفُلانٍ - فِيما بَعْدُ - الشَّيْطانُ، وقِيلَ: لِتَعْرِيفِ العَهْدِ، والمُرادُ بِالظّالِمِ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ - لَعَنَهُ اللَّهُ تَعالى - وبِفُلانٍ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، فَقَدْ رُوِيَ «أنَّهُ كانَ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ لا يَقْدَمُ مِن سَفَرٍ إلّا صَنَعَ طَعامًا فَدَعا عَلَيْهِ أهْلَ مَكَّةَ كُلَّهم وكانَ يُكْثِرُ مُجالَسَةَ النَّبِيِّ ﷺ ويُعْجِبُهُ حَدِيثُهُ، وغَلَبَ عَلَيْهِ الشَّقاءُ فَقَدِمَ ذاتَ يَوْمٍ مِن سَفَرٍ فَصَنَعَ طَعامًا ثُمَّ دَعا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إلى طَعامِهِ فَقالَ: «ما أنا بِالَّذِي آكُلُ مِن طَعامِكَ حَتّى تَشْهَدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَقالَ: اطْعَمْ يا ابْنَ أخِي فَقالَ ﷺ: ما أنا بِالَّذِي أفْعَلُ حَتّى تَقُولَ فَشَهِدَ بِذَلِكَ وطَعِمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن طَعامِهِ» فَبَلَغَ ذَلِكَ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ فَأتاهُ فَقالَ: أصَبَوْتَ يا عُقْبَةُ ؟! وكانَ خَلِيلَهُ، فَقالَ: واللَّهِ ما صَبَوْتُ ولَكِنْ دَخَلَ عَلَيَّ رَجُلٌ فَأبى أنْ يَطْعَمَ مِن طَعامِي إلّا أنْ أشْهَدَ لَهُ فاسْتَحْيَيْتُ أنْ يَخْرُجَ مِن بَيْتِي قَبْلَ أنْ يَطْعَمَ فَشَهِدْتُ لَهُ فَطَعِمَ، فَقالَ: ما أنا بِالَّذِي أرْضى عَنْكَ حَتّى تَأْتِيَهُ فَتَفْعَلُ كَذا - وذَكَرَ فِعْلًا لا يَلِيقُ إلّا بِوَجْهِ القائِلِ اللَّعِينِ - فَفَعَلَ عُقْبَةُ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا ألْقاكَ خارِجًا عَنْ مَكَّةَ إلّا عَلَوْتُ رَأْسَكَ بِالسَّيْفِ»» .
وفِي رِوايَةٍ: ««إنْ وجَدْتُكَ خارِجًا مِن جِبالِ مَكَّةَ أضْرِبُ عُنُقَكَ صَبْرًا» فَلَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ وخَرَجَ أصْحابُهُ أبى أنْ يَخْرُجَ، فَقالَ لَهُ أصْحابُهُ: اخْرُجْ مَعَنا قالَ: قَدْ وعَدَنِي هَذا الرَّجُلُ إنْ وجَدَنِي خارِجًا مِن جِبالِ مَكَّةَ أنْ يَضْرِبَ عُنُقِي صَبْرًا، فَقالُوا: لَكَ جَمَلٌ أحْمَرُ لا يُدْرَكُ فَلَوْ كانَتِ الهَزِيمَةُ طِرْتَ عَلَيْهِ، فَخَرَجَ مَعَهم فَلَمّا هَزَمَ اللَّهُ تَعالى المُشْرِكِينَ رَحَلَ بِهِ جَمَلُهُ في جُدُدٍ مِنَ الأرْضِ فَأُخِذَ أسِيرًا في سَبْعِينَ مِن قُرَيْشٍ، وقَدِمَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأمَرَ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ.
(p-12)وفِي رِوايَةِ ثابِتِ بْنِ أبِي الأفْلَحِ بِأنْ يَضْرِبَ عُنُقَهُ، فَقالَ: أتَقْتُلُنِي مِن بَيْنِ هَؤُلاءِ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: بِمَ؟ قالَ: بِكُفْرِكَ وفُجُورِكَ وعُتُوِّكَ عَلى اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وفي رِوايَةٍ أنَّهُ ﷺ صَرَّحَ لَهُ بِما فَعَلَ مَعَهُ ثُمَّ ضُرِبَتْ عُنُقُهُ».
وأمّا أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ فَمَعَ فِعْلِهِ ذَلِكَ «قالَ: واللَّهِ لَأقْتُلَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَقالَ: «بَلْ أقْتُلُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى» فَأفْزَعَهُ ذَلِكَ وقالَ لِمَن أخْبَرَهُ: أنْشُدُكَ بِاللَّهِ تَعالى أسْمِعْتَهُ يَقُولُ ذَلِكَ؟ قالَ نَعَمْ، فَوَقَعَتْ في نَفْسِهِ لِما عَلِمُوا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما قالَ قَوْلًا إلّا كانَ حَقًّا، فَلَمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ خَرَجَ مَعَ المُشْرِكِينَ فَجَعَلَ يَلْتَمِسُ غَفْلَةَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِيَحْمِلَ عَلَيْهِ، فَيَحُولُ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ بَيْنَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبَيْنَهُ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قالَ لِأصْحابِهِ: خَلُّوا عَنْهُ، فَأخَذَ الحَرْبَةَ فَرَماهُ بِها فَوَقَعَتْ في تَرْقُوَتِهِ فَلَمْ يَخْرُجْ مِنهُ دَمٌ كَثِيرٌ، واحْتَقَنَ الدَّمُ في جَوْفِهِ، فَخَرَّ يَخُورُ كَما يَخُورُ الثَّوْرُ، فَأتى أصْحابُهُ حَتّى احْتَمَلُوهُ وهو يَخُورُ، فَقالُوا: ما هَذا؟! فَواللَّهِ ما بِكَ إلّا خَدْشٌ، فَقالَ: واللَّهِ لَوْ لَمْ يُصِبْنِي إلّا بِرِيقِهِ لَقَتَلَنِي، ألَيْسَ قَدْ قالَ: أنا أقْتُلُهُ، واللَّهِ لَوْ أنَّ الَّذِي بِي بِأهْلِ ذِي المَجازِ لَقَتَلَهُمْ، فَما لَبِثَ إلّا يَوْمًا أوْ نَحْوَ ذَلِكَ حَتّى ذَهَبَ إلى النّارِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ،» ورُوِيَ هَذا القَوْلُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وجَماعَةٍ.
وفِي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الظّالِمَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، وفُلانٌ عُقْبَةُ، وعَضُّ اليَدَيْنِ إمّا عَلى ظاهِرِهِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الضَّحّاكِ وجَماعَةٍ قالُوا: يَأْكُلُ يَدَيْهِ إلى المِرْفَقِ، ثُمَّ تَنْبُتُ ولا يَزالُ كَذَلِكَ كُلَّما أكَلَها نَبَتَتْ، وإمّا كِنايَةٌ عَنْ فَرْطِ الحَسْرَةِ والنَّدامَةِ، وكَذا عَضُّ الأنامِلِ، والسُّقُوطُ في اليَدِ، وحَرْقُ الأسْنانِ والأُدْمِ ونَحْوِها؛ لِأنَّها لازِمَةٌ لِذَلِكَ في العادَةِ والعُرْفِ، وفي المَثَلِ: يَأْكُلُ يَدَيْهِ نَدَمًا ويَسِيلُ دَمْعُهُ دَمًا، وقالَ الشّاعِرُ:
؎أبى الضَّيْمَ والنُّعْمانُ يَحْرِقُ نابَهُ عَلَيْهِ فَأفْضى والسُّيُوفُ مَعاقِلُهْ
والفِعْلُ عَضَّ عَلى وزْنِ فَعِلَ مَكْسُورَ العَيْنِ، وحَكى الكِسائِيُّ عَضَضْتُ بِفَتْحِ العَيْنِ.
﴿يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا﴾ الجُمْلَةُ مَعَ مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الظّالِمِ، أوْ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ مُبَيِّنَةٌ لِما قَبْلَها، و( يا لَيْتَنِي ) إلَخْ، مَقُولُ القَوْلِ، ويا إمّا لِمُجَرَّدِ التَّنْبِيهِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلى تَعْيِينِ المُنَبَّهِ أوِ المُنادى مَحْذُوفٌ يا قَوْمِي لَيْتَنِي، وألْ في ( الرَّسُولِ ) إمّا لِلْجِنْسِ فَيَعُمُّ كُلَّ رَسُولٍ، وإمّا لِلْعَهْدِ فالمُرادُ بِهِ رَسُولُ هَذِهِ الأُمَّةِ مُحَمَّدٌ ﷺ والأوَّلُ إذا كانَتْ ألْ في الظّالِمِ لِلْجِنْسِ والثّانِي إذا كانَتْ لِلْعَهْدِ، وتَنْكِيرُ ( سَبِيلًا ) إمّا لِلشُّيُوعِ أوْ لِلْوَحْدَةِ، وعَدَمُ تَعْرِيفِهِ لِادِّعاءِ تَعَيُّنِهِ، أيْ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ طَرِيقًا إلى النَّجاةِ، أيَّ طَرِيقٍ كانَ أوْ طَرِيقًا واحِدًا وهو طَرِيقُ الحَقِّ ولَمْ تَتَشَعَّبْ بِي طُرُقُ الضَّلالَةِ.
{"ayah":"وَیَوۡمَ یَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ یَدَیۡهِ یَقُولُ یَـٰلَیۡتَنِی ٱتَّخَذۡتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِیلࣰا"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











