الباحث القرآني
﴿واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ﴾ أيْ كُلِّ حَيَوانٍ يَدُبُّ عَلى الأرْضِ وأدْخَلُوا في ذَلِكَ الطَّيْرَ والسَّمَكَ، وظاهِرُ كَلامِ بَعْضِ أئِمَّةِ التَّفْسِيرِ أنَّ المَلائِكَةَ والجِنَّ (p-193)يَدْخُلُونَ في عُمُومِ الدّابَّةِ، ولَعَلَّها عِنْدَهُ كُلُّ ما دَبَّ وتَحَرَّكَ مُطْلَقًا ومُعْظَمُ اللُّغَوِيِّينَ يُفَسِّرُها بِما سَمِعْتُ، والتّاءُ فِيها لِلنَّقْلِ إلى الِاسْمِيَّةِ لا لِلتَّأْنِيثِ، وقِيلَ دابَّةٌ واحِدٌ دابٌّ كَخائِنَةٍ وخائِنٍ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ «خالِقٌ» اسْمُ فاعِلٍ «كُلُّ دابَّةٍ» بِالجَرِّ بِالإضافَةِ ﴿مِن ماءٍ﴾ هو جُزْءُ مادَّتِهِ وخَصَّهُ بِالذِّكْرِ لِظُهُورِ مَزِيدِ احْتِياجِ الحَيَوانِ بَعْدَ كَمالِ تَرْكِيبِهِ إلَيْهِ وأنَّ امْتِزاجَ الأجْزاءِ التُّرابِيَّةِ بِهِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ أوْ ماءٍ مَخْصُوصٍ هو النُّطْفَةُ فالتَّنْكِيرُ عَلى الأوَّلِ لِلْإفْرادِ النَّوْعِيِّ، وعَلى الثّانِي لِلْإفْرادِ الشَّخْصِيِّ.
وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِما لِذَلِكَ، وكَلِمَةُ ﴿كُلَّ﴾ عَلى الثّانِي لِلتَّكْثِيرِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القِصَصُ: 57] لِأنَّ مِنَ الدَّوابِّ ما يَتَوَلَّدُ لا عَنْ نُطْفَةٍ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّها عَلى الأوَّلِ لِذَلِكَ أيْضًا بِناءً عَلى شُمُولِ الدّابَّةِ لِلْمَلائِكَةِ المَخْلُوقِينَ مِن نُورٍ ولِلْجِنِّ المَخْلُوقِينَ مِن نارٍ، وادَّعى أيْضًا أنَّ مِنَ الإنْسِ مَن لَمْ يُخْلَقْ مِن ماءٍ أيْضًا وهو آدَمُ وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ فَإنَّ الأوَّلَ خُلِقَ مِنَ التُّرابِ والثّانِي خُلِقَ مِنَ الرُّوحِ ولا يَخْفى ما فِيهِ، وجَوَّزَ أنْ يُعْتَبَرَ العُمُومُ في «كُلٍّ» ويُرادَ بِالدّابَّةِ ما يُخْلَقُ بِالتَّوالُدِ بِقَرِينَةٍ مِن ماءِ أيْ نُطْفَةٍ وفِيهِ بَحْثٌ، وقِيلَ ما مِن شَيْءٍ دابَّةٍ كانَ أوْ غَيْرِهِ إلّا وهو مَخْلُوقٌ مِنَ الماءِ فَهو أصْلُ جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ لِما
رُوِيَ «أنَّ أوَّلَ ما خَلَقَ اللَّهُ تَعالى جَوْهَرَةً فَنَظَرَ إلَيْها بِعَيْنِ الهَيْبَةِ فَصارَتْ ماءً ثُمَّ خَلَقَ مِن ذَلِكَ الماءِ النّارَ والهَواءَ والنُّورَ وخَلَقَ مِنها الخَلْقَ»، وأيًّا ما كانَ فَمِن مُتَعَلِّقَةٌ بِخَلْقٍ، وقالَ القَفّالُ واسْتَحْسَنَهُ الإمامُ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِدابَّةٍ فالمُرادُ الإخْبارُ بِأنَّهُ تَعالى خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ كائِنَةً أوْ مُتَوَلِّدَةً مِنَ الماءِ فَعُمُومُ الدّابَّةِ عِنْدَهُ مُخَصَّصٌ بِالصِّفَةِ وعُمُومُ ﴿كُلَّ﴾ عَلى ظاهِرِهِ.
والظّاهِرُ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِخَلْقٍ وهو أوْفَقُ بِالمَقامِ كَما لا يَخْفى عَلى ذَوِي الأفْهامِ، وتَنْكِيرُ الماءِ هُنا وتَعْرِيفُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنْبِياءُ: 30] لِأنَّ القَصْدَ هُنا إلى مَعْنى الإفْرادِ شَخْصًا أوْ نَوْعًا والقَصْدُ هُناكَ إلى مَعْنى الجِنْسِ وأنَّ حَقِيقَةَ الماءِ مَبْدَأُ كُلِّ شَيْءٍ حَيٍّ ﴿فَمِنهم مَن يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ﴾ كالحَيّاتِ والسَّمَكِ وتَسْمِيَةُ حَرَكَتِها مَشْيًا مَعَ كَوْنِها زَحْفًا مَجازٌ لِلْمُبالَغَةِ في إظْهارِ القُدْرَةِ وأنَّها تَزْحَفُ بِلا آلَةٍ كَشِبْهِ المَشْيِ وأقْوى، ويَزِيدُ ذَلِكَ حَسَنًا ما فِيهِ مِنَ المُشاكَلَةِ لِذِكْرِ الزّاحِفِ مَعَ الماشِينَ، ونَظِيرُ ما هُنا مِن وجْهِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ﴾ [الفَتْحُ: 10] عَلى رَأْيِ ﴿ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ﴾ كالإنْسِ والطَّيْرِ ﴿ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى أرْبَعٍ﴾ كالنِّعَمِ والوَحْشِ.
والظّاهِرُ أنَّهُ المُرادُ أرْبَعُ أرْجُلٍ فَيُفِيدُ إطْلاقَ الرِّجْلِ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوائِمِ ذَواتِ القَوائِمِ الأرْبَعِ وقَدْ جاءَ إطْلاقُ اليَدِ عَلَيْهِ وعَدَمِ ذِكْرِ مَن يَمْشِي عَلى أكْثَرِ مِن أرْبَعٍ كالعَناكِبِ وأُمِّ أرْبَعٍ وأرْبَعِينَ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الحَشَراتِ لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِها مَعَ الإشارَةِ إلَيْها بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ﴾ أيْ مِمّا ذَكَرَ ومِمّا لَمْ يَذْكُرْ بَسِيطًا كانَ أوْ مُرَكَّبًا عَلى ما يَشاءُ مِنَ الصُّوَرِ والأعْضاءِ والحَرَكاتِ والطَّبائِعِ والقُوى والأفاعِيلِ. وزَعَمَ الفَلاسِفَةُ أنَّ اعْتِمادَ ما لَهُ أكْثَرُ مِن أرْبَعٍ مِنَ الحَيَوانِ إنَّما هو عَلى أرْبَعٍ ولا دَلِيلَ لَهم عَلى ذَلِكَ. وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى أكْثَرَ وهو ظاهِرٌ في خِلافِ ما يَزْعُمُونَ لَكِنَّهُ لَمْ يُثْبَتْ قُرْآنًا، وتَذْكِيرُ الضَّمِيرِ في ( مِنهم ) لِتَغْلِيبِ العُقَلاءِ، وبُنِيَ عَلى تَغْلِيبِهِمْ في الضَّمِيرِ التَّعْبِيرُ بِمَن واقِعَةٍ عَلى ما لا يَعْقِلُ قالَهُ الرَّضِيُّ، وظاهَرُ بَعْضِ العِباراتِ يَشْعُرُ بِاعْتِبارِ التَّغْلِيبِ في ﴿كُلَّ دابَّةٍ﴾ ولَيْسَ بِمُرادٍ بَلِ المُرادُ أنَّ ذَلِكَ لَمّا شَمِلَ العُقَلاءَ وغَيْرَهم عَلى طَرِيقِ الِاخْتِلاطِ لَزِمَ اعْتِبارَ ذَلِكَ في الضَّمِيرِ العائِدِ عَلَيْهِ وتَغْلِيبُ العُقَلاءِ فِيهِ، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ أنَّ (p-194)لا تَغْلِيبَ في ﴿مِن﴾ الأُولى والثّالِثَةِ بَلْ هو في الثّانِيَةِ فَقَطْ، وقَدْ يُقالُ:
لا تَغْلِيبَ في الثَّلاثَةِ بَعْدَ اعْتِبارِهِ في الضَّمِيرِ فَتَدَبَّرْ. وتَرْتِيبُ الأصْنافِ حَسْبَما رُتِّبَتْ لِتَقْدِيمِ ما هو أعْرِفُ في القُدْرَةِ ولا يُنافِي ذَلِكَ كَوْنَ المَشْيِ عَلى البَطْنِ بِمَعْنى الزَّحْفِ مَجازًا كَما تَوَهَّمَ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِتَفْخِيمِ شَأْنِ الخَلْقِ المَذْكُورِ والإيذانِ بِأنَّهُ مِن أحْكامِ الأُلُوهِيَّةِ، والإظْهارُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أيْ فَيَفْعَلُ ما يَشاءُ كَما يَشاءُ لِذَلِكَ أيْضًا مَعَ تَأْكِيدِ اسْتِقْلالِ الِاسْتِئْنافِ التَّعْلِيلِيِّ.
{"ayah":"وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَاۤبَّةࣲ مِّن مَّاۤءࣲۖ فَمِنۡهُم مَّن یَمۡشِی عَلَىٰ بَطۡنِهِۦ وَمِنۡهُم مَّن یَمۡشِی عَلَىٰ رِجۡلَیۡنِ وَمِنۡهُم مَّن یَمۡشِی عَلَىٰۤ أَرۡبَعࣲۚ یَخۡلُقُ ٱللَّهُ مَا یَشَاۤءُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَیۡءࣲ قَدِیرࣱ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











