الباحث القرآني

﴿أوْ كَظُلُماتٍ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿كَسَرابٍ﴾، وكَلِمَةٌ أوْ قِيلَ لِتَقْسِيمِ حالِ أعْمالِهِمُ الحَسَنَةِ، وجَوَّزَ الإطْلاقَ بِاعْتِبارِ وقْتَيْنِ فَإنَّها كالسَّرابِ في الآخِرَةِ مِن حَيْثُ عَدَمِ نَفْعِها وكالظُّلُماتِ في الدُّنْيا مِن حَيْثُ خُلُوِّها عَنْ نُورِ الحَقِّ، وخَصَّ (p-182)هَذا بِالدُّنْيا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِن نُورٍ﴾ فَإنَّهُ ظاهِرٌ في الهِدايَةِ والتَّوْفِيقِ المَخْصُوصِ بِها، والأوَّلُ بِالآخِرَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ووَجَدَ﴾ إلَخْ وقَدَّمَ أحْوالَ الآخِرَةِ الَّتِي هي أعْظَمُ وأهَمُّ لِاتِّصالِ ذَلِكَ بِما يَتَعَلَّقُ بِها مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ﴾ إلَخْ ثُمَّ ذَكَرَ أحْوالَ الدُّنْيا تَتْمِيمًا لَها. وجَوَّزَ أنْ يَعْكِسَ ذَلِكَ فَيَكُونُ المُرادُ مِنَ الأوَّلِ تَشْبِيهُ أعْمالِهِمْ بِالسَّرابِ في الدُّنْيا حالَ المَوْتِ، ومِنَ الثّانِي تَشْبِيهُها بِالظُّلُماتِ في القِيامَةِ كَما فِي الحَدِيثِ ««الظُّلَمُ ظُلُماتٌ يَوْمَ القِيامَةِ»» ويَكُونُ ذَلِكَ تَرَقِّيًا مُناسِبًا لِلتَّرْتِيبِ الوُقُوعِي ولَيْسَ بِذَلِكَ لِما سَمِعْتَ، وقِيلَ لِلتَّنْوِيعِ، وذَلِكَ أنَّهُ أثَّرَ ما مَثَّلَتْ أعْمالُهُمُ الَّتِي كانُوا يَعْتَمِدُونَ عَلَيْها أقْوى اعْتِمادٍ ويَفْتَخِرُونَ بِها في كُلِّ وادٍ ونادٍ بِما ذُكِرَ مِن حالِ السَّرابِ مُثِّلَتْ أعْمالُهُمُ القَبِيحَةُ الَّتِي لَيْسَ فِيها شائِبَةٌ خَيْرِيَّةٌ يَغْتَرُّ بِها المُغْتَرُّونَ بِالظُّلُماتِ المَذْكُورَةِ، وزَعَمَ الجُرْجانِيُّ أنَّ المُرادَ هُنا تَشْبِيهُ كُفْرِهِمْ فَقَطْ وهو كَما تَرى. والظّاهِرُ عَلى التَّنْوِيعِ أنْ يُرادَ مِنَ الأعْمالِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أعْمالُهُمْ﴾ ما يَشْمَلُ النَّوْعَيْنِ. واعْتَرَضَ بِأنَّهُ يَأْبى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ووَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ بِناءً عَلى دُخُولِهِ في التَّشْبِيهِ لِأنَّ أعْمالَهُمُ الصّالِحَةَ وإنْ سَلَمَ أنَّها لا تَنْفَعُ مَعَ الكَفَرَةِ لا وخامَةَ في عاقِبَتِها كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ووَجَدَ﴾ إلَخْ. وأُجِيبُ بِأنَّهُ لَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ سَبَبَ العِقابِ الأعْمالُ الصّالِحَةُ بَلْ وجَدَ أنَّ العِقابَ بِسَبَبِ قَبائِحِ أعْمالِهِمْ لَكِنَّها ذُكِرَتْ جَمِيعُها لِبَيانِ أنَّ بَعْضَها جُعِلَ هَباءً مَنثُورًا وبَعْضُها مُعاقَبٌ بِهِ، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ لِلتَّخْيِيرِ في التَّشْبِيهِ لِمُشابِهَةِ أعْمالِهِمُ الحَسَنَةِ أوْ مُطْلَقًا السَّرابُ لِكَوْنِها لاغِيَةً لا مَنفَعَةَ فِيها، والظُّلُماتُ المَذْكُورَةُ لِكَوْنِها خالِيَةً عَنْ نُورِ الحَقِّ، واخْتارَهُ الكَرْمانِيُّ. واعْتَرَضَ بِأنَّ الرَّضِيَّ كَغَيْرِهِ ذَكَرَ أنَّها لا تَكُونُ لِلتَّخْيِيرِ إلّا في الطَّلَبِ. وأُجِيبُ بِأنَّهُ وإنِ اشْتُهِرَ ذَلِكَ فَقَدْ ذَهَبَ كَثِيرٌ إلى عَدَمِ اخْتِصاصِهِ بِهِ كابْنِ مالِكٍ والزَّمَخْشَرِيِّ ووُقُوعُهُ في التَّشْبِيهِ كَثِيرٌ، وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ في الكَلامِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيِّ: فِيهِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ والتَّقْدِيرُ أوْ كَذِي ظُلُماتٍ، ودَلَّ عَلَيْهِ ما يَأْتِي مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إذا أخْرَجَ يَدَهُ﴾ والتَّشْبِيهُ عِنْدَهُ هُنا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْأعْمالِ عَلى نَمَطِ التَّشْبِيهِ السّابِقِ ويُقَدَّرُ أوْ كَأعْمالِ ذِي ظُلُماتٍ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْكَفَرَةِ ويُقَدَّرُ أوْ هم كَذِي ظُلُماتٍ والكُلُّ خِلافُ الظّاهِرِ، وأمْرُ الضَّمِيرِ سَيَظْهَرُ لَكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وقَرَأ سُفْيانُ بْنُ حُسَيْنٍ «أوْ كَظُلُماتٍ» بِفَتْحِ الواوِ، ووَجْهُ ذَلِكَ في البَحْرِ بِأنَّهُ جَعَلَها واوَ عَطْفٍ تَقَدَّمَتْ عَلَيْها الهَمْزَةُ الَّتِي لِتَقْرِيرِ التَّشْبِيهِ الخالِي عَنْ مَحْضِ الِاسْتِفْهامِ. وقِيلَ هي ﴿أوْ﴾ الَّتِي في قِراءَةِ الجُمْهُورِ وفُتِحَتِ الواوُ لِلْمُجاوِرَةِ كَما كُسِرَتِ الدّالُّ لَها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ عَلى بَعْضِ القِراءاتِ ﴿فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ أيْ عَمِيقٍ كَثِيرِ الماءِ مَنسُوبٍ إلى اللُّجِّ وهو مُعْظَمُ ماءِ البَحْرِ. وقِيلَ اللُّجَّةُ وهي أيْضًا مُعْظَمُهُ وهو صِفَةُ ﴿بَحْرٍ﴾ وكَذا جُمْلَةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَغْشاهُ﴾ أيْ يُغَطِّي ذَلِكَ البَحْرَ ويَسْتُرُهُ بِالكُلِّيَّةِ ﴿مَوْجٌ﴾ وقُدِّمَتِ الأُولى لِإفْرادِها. وقِيلَ الجُمْلَةُ صِفَةُ ذِي المُقَدَّرِ والضَّمِيرُ راجِعٌ إلَيْهِ، وقَدْ عَلِمْتُ حالَ ذَلِكَ التَّقْدِيرِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ مَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِمَوْجٍ أوِ الصِّفَةِ الجارِّ والمَجْرُورِ وما بَعْدَهُ فاعِلٌ لَهُ لِاعْتِمادِهِ عَلى المَوْصُوفِ. والمُرادُ يَغْشاهُ أمْواجٌ مُتَراكِمَةٌ مُتَراكِبَةٌ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن فَوْقِهِ سَحابٌ﴾ صِفَةٌ لِمَوْجٍ الثّانِي عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ المَذْكُورَيْنِ أيْ مِن فَوْقِ ذَلِكَ المَوْجِ سَحابٌ ظَلْمانِيٌّ سَتَرَ أضْواءَ النُّجُومِ، وفِيهِ إيماءٌ إلى غايَةِ تَراكُمِ الأمْواجِ (p-183)وتُضاعُفِها حَتّى كَأنَّها بَلَغَتِ السَّحابَ ﴿ظُلُماتٌ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هي ظُلُماتٌ ﴿بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ﴾ أيْ مُتَكاثِفَةٍ مُتَراكِمَةٍ، وهَذا بَيانٌ لِكَمالِ شِدَّةِ الظُّلُماتِ كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿نُورٌ عَلى نُورٌ﴾ بَيانٌ لِغايَةِ قُوَّةِ النُّورِ خَلا أنَّ ذَلِكَ مُتَعَلِّقٌ بِالمُشَبَّهِ وهَذا بِالمُشَبَّهِ بِهِ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ ما بَعْدَهُ. وأجازَ الحَوْفِيُّ أنْ يَكُونَ ﴿ظُلُماتٌ﴾ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ﴾ . وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ وتَبِعَهُ ابْنُ هِشامٍ بِأنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ لا يَجُوزُ لِما فِيهِ مِنَ الِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ مِن غَيْرِ مُسَوِّغٍ إلّا أنْ يُقَدِّرَ صِفَةً لَها يُؤْذِنُ بِها التَّنْوِينُ أيْ ظُلُماتٍ كَثِيرَةٍ أوْ عَظِيمَةٍ وهو تَكَلُّفٌ. وأجازَ أيْضًا أنْ يَكُونَ ﴿بَعْضُها﴾ بَدَلًا مِن ﴿ظُلُماتٌ﴾ . وتَعَقَّبَ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ مِن جِهَةِ المَعْنى لِأنَّ المُرادَ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ الإخْبارُ بِأنَّها ظُلُماتٌ وأنَّ بَعْضَ تِلْكَ الظُّلُماتِ فَوْقَ بَعْضٍ أيْ هي ظُلُماتٌ مُتَراكِمَةٌ لا الإخْبارُ بِأنَّ بَعْضَ ظُلُماتٍ فَوْقَ بَعْضٍ مِن غَيْرِ إخْبارٍ بِأنَّ تِلْكَ الظُّلُماتِ السّابِقَةَ مُتَراكِمَةٌ. وقَرَأ قَنْبَلُ «ظُلُماتٍ» بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ ﴿ظُلُماتٌ﴾ الأُولى لا تَأْكِيدَ لَها. وجُمْلَةُ ﴿بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لَهُ. وقَرَأ البَزِيُّ «سَحابٌ ظُلُماتٌ» بِإضافَةِ سَحابٍ إلى ظُلُماتٍ وهَذِهِ الإضافَةُ كالإضافَةِ في لُجَيْنِ الماءِ أوْ لِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ السَّحابَ لَيْسَ سَحابُ مَطَرٍ ورَحْمَةٍ. ﴿إذا أخْرَجَ﴾ أيْ مِنِ ابْتَلى بِها، وإضْمارُهُ مِن غَيْرِ ذِكْرٍ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ دَلالَةٌ واضِحَةٌ. وكَذا تَقْدِيرُ ضَمِيرٍ يَرْجِعُ إلى ﴿ظُلُماتٌ﴾ واحْتَجَّ إلَيْهِ لِأنَّ جُمْلَةَ ﴿إذا أخْرَجَ﴾ إلَخْ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِظُلُماتٍ ولا بُدَّ لَها مِن رابِطٍ ولا يَتَعَيَّنُ ما أشَرْنا إلَيْهِ. وقِيلَ: ضَمِيرُ الفاعِلِ عائِدٌ عَلى اسْمِ الفاعِلِ المَفْهُومِ مِنَ الفِعْلِ عَلى حَدِّ ««لا يَشْرَبُ الخَمْرَ وهو مُؤْمِنٌ»» أيْ إذا أخْرَجَ المُخْرِجُ فِيها ﴿يَدَهُ﴾ وجَعَلَها بِمَرْأى مِنهُ قَرِيبَةً مِن عَيْنَيْهِ لِيَنْظُرَ إلَيْها ﴿لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ أيْ لَمْ يُقَرِّبْ مِن رُؤْيَتِها وهي أقْرَبُ شَيْءٍ إلَيْهِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَراها. وزَعَمَ ابْنُ الأنْبارِيِّ زِيادَةَ ( يَكَدْ) . وزَعَمَ الفِراءُ والمِبْرَدُ أنَّ المَعْنى لَمْ يَرَها إلّا بَعْدَ الجُهْدِ فَإنَّهُ قَدْ جَرى العُرْفُ أنْ يُقالَ: ما كادَ يَفْعَلُ ولَمْ يَكَدْ يَفْعَلُ في فِعْلٍ قَدْ فُعِلَ بِجُهْدٍ مَعَ اسْتِبْعادِ فِعْلِهِ وعَلَيْهِ جاءَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَبَحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البَقَرَةُ: 71] ومِن هُنا خَطَأ ابْنُ شُبْرُمَةَ ذا الرُّمَّةِ بِقَوْلِهِ: ؎ذا غَيْرِ النَّأْيِ المُحِبِّينَ لَمْ يَكَدْ رَسِيسُ الهَوى مِن حُبِّ مِيَةٍ يَبْرَحُ وناداهُ يا أبا غِيلانَ أراهُ قَدْ بَرِحَ فَفَكَّ وسَلَّمَ لَهُ ذُو الرُّمَّةِ ذَلِكَ فَغَيْرُ لَمْ يَكَدْ بَلْ لَمْ يَكُنْ أوْ لَمْ أُجِدْ، والتَّحْقِيقُ أنَّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ لَمْ يَكَدْ وما كادَ يَفْعَلُ أنَّ الفِعْلَ لَمْ يَكُنْ مِن أصْلِهِ ولا قارَبَ في الظَّنِّ أنْ يَكُونَ ولا يَشُكُّ في هَذا. وقَدْ عَلِمَ أنْ كادَ مَوْضُوعَةٌ لِشِدَّةِ قُرْبِ الفِعْلِ مِنَ الوُقُوعِ ومُشارَفَتِهِ فَمُحالٌ أنْ يُوجِبَ نَفْيَهُ وُجُودَ الفِعْلِ لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى أنْ يَكُونَ ما قارَبَ كَذَلِكَ فالنَّظَرُ إلى أنَّهُ إذا لَمْ يَكُنِ المَعْنى عَلى أنْ ثَمَّتْ حالًا يَبْعُدُ مَعَها أنْ تَكُونَ ثُمَّ تَغَيَّرَتْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَذَبَحُوها﴾ إلَخْ يَلْتَزِمُ الظّاهِرُ ويَجْعَلُ المَعْنى أنَّ الفِعْلَ لَمْ يُقارِبْ أنْ يَكُونَ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ والآيَةُ عَلى ذَلِكَ وكَذا البَيْتُ، وقَدْ ذَكَرَ أنَّ لَمْ يَكَدْ فِيهِما جَوابٌ ﴿إذا﴾ فَيَكُونُ مُسْتَقْبَلًا وإذا قُلْتُ: إذا خَرَجَتْ لَمْ أخْرُجْ فَقَدْ نُفِيَتْ خُرُوجًا في المُسْتَقْبَلِ فاسْتَحالَ أنْ يَكُونَ المَعْنى فِيهِما عَلى أنَّ الفِعْلَ قَدْ كانَ. وهَذا التَّحْقِيقُ خُلاصَةُ ما حَقَّقَ الشَّيْخُ في دَلائِلِ الإعْجازِ، ومِنهُ يَعْلَمُ تَخْطِئَةَ مَن زَعَمَ أنْ كادَ نَفْيُها إثْباتٌ وإثْباتُها نَفْيٌ. وفِي الحَواشِي الشِّهابِيَّةِ أنَّ نَفْيَ كادَ عَلى التَّحْقِيقِ المَذْكُورِ أبْلَغُ مِن نَفْيِ الفِعْلِ الدّاخِلَةِ عَلَيْهِ لِأنَّ نَفْيَ مُقارَبَتِهِ (p-184)يَدُلُّ عَلى نَفْيِهِ بِطَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ إلّا أنَّهُ إذا وقَعَ في الماضِي لا يُنافِي ثُبُوتَهُ في المُسْتَقْبَلِ ورُبَّما أشْعُرُ بِأنَّهُ وقَعَ بَعْدَ اليَأْسِ مِنهُ كَما في آيَةِ البَقَرَةِ، وإذا وقَعَ في المُسْتَقْبَلِ لا يُنافِي وُقُوعَهُ في الماضِي فَإنْ قامَتْ قَرِينَةٌ عَلى ثُبُوتِهِ فِيهِ أشْعُرُ بِأنَّهُ انْتَفى وأيَّسَ مِنهُ بَعْدَ ما كانَ لَيْسَ كَذَلِكَ كَما في هَذِهِ الآيَةِ فَإنَّهُ لِشِدَّةِ الظُّلْمَةِ لا يُمْكِنُهُ رُؤْيَةُ يَدِهِ الَّتِي كانَتْ نُصْبَ عَيْنَيْهِ، ثُمَّ فَرَّعَ عَلى هَذا أنَّ لَكَ أنْ تَقُولَ: إنَّ مُرادَ مَن قالَ: إنَّ نَفْيَها إثْباتٌ وإثْباتُها نَفْيٌ أنَّ نَفْيَها في الماضِي يُشْعِرُ بِالثُّبُوتِ في المُسْتَقْبَلِ وعَكْسُهُ كَما سَمِعْتَ، وهَذا وجْهُ تَخْطِئَةِ ابْنِ شُبْرُمَةٍ وتَغْيِيرُ ذِي الرُّمَّةِ لِأنَّ مُرادَهُ أنَّ قَدِيمَ هَواها لَمْ يُقَرِّبْ مِنَ الزَّوالِ في جَمِيعِ الأزْمانِ ونَفْيُهُ في المُسْتَقْبَلِ يُوهِمُ ثُبُوتَهُ في الماضِي فَلا يُقالُ: إنَّهُما مِن فُصَحاءِ العَرَبِ المُسْتَشْهِدِ بِكَلامِهِمْ فَكَيْفَ خُفِيَ ذَلِكَ عَلَيْهِما ولِذا اسْتَبْعَدَهُ في الكَشْفِ وذَهَبَ إلى أنَّ قِصَّتَهُما مَوْضُوعَةٌ أوْصى بِحِفْظِ ذَلِكَ حَيْثُ قالَ: فاحْفَظْهُ فَإنَّهُ تَحْقِيقٌ أنِيقٌ وتَوْفِيقٌ دَقِيقٌ سَنَحَ بِمَحْضِ اللُّطْفِ والتَّوْفِيقِ انْتَهى. ولَعَمْرِي أنَّ ما أوَّلَ بِهِ كَلامُ القائِلِ بَعِيدٌ غايَةَ البُعْدِ ولا أظُنُّهُ يَقَعُ مَوْقِعَ القَبُولِ عِنْدَهُ ونَفْيُ كُلَّ فِعْلٍ في الماضِي لا يُنافِي ثُبُوتَهُ في المُسْتَقْبَلِ ونَفْيُهُ في المُسْتَقْبَلِ لا يُنافِي وُقُوعَهُ في الماضِي ولا اخْتِصاصَ لَكادَ بِذَلِكَ فَيا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ دَفَعَ الإيهامَ ما غَيَّرَ إلَيْهِ ذُو الرُّمَّةِ بَيْتَهُ فَتَأمَّلْ ذاكَ واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى هُداكَ، ثُمَّ إنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ مانِعَ الرُّؤْيَةِ شِدَّةُ الظُّلْمَةِ وهو كَذَلِكَ لِأنَّ شَرْطَ الرُّؤْيَةِ بِحَسْبِ العادَةِ في هَذِهِ النَّشْأةِ الضَّوْءُ سَواءٌ كانَتْ بِمَحْضِ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى كَما ذَهَبَ إلَيْهِ أهْلُ الحَقِّ أوْ كانَتْ بِخُرُوجِ الشُّعاعِ مِنَ العَيْنِ عَلى هَيْئَةِ مَخْرُوطٍ مُصْمَتٍ أوْ مُؤَلَّفٍ مِن خُطُوطٍ مُجْتَمِعَةٍ في الجانِبِ الَّذِي يَلِي الرَّأْسَ أوْ لا عَلى هَيْئَةِ مَخْرُوطٍ بَلْ عَلى اسْتِواءٍ لَكِنَّ مَعَ ثُبُوتِ طَرْفِهِ الَّذِي يَلِي العَيْنَ واتِّصالِهِ بِالمَرْئِيِّ أوْ بِتَكَيُّفِ الشُّعاعِ الَّذِي في العَيْنِ بِكَيْفِيَّةِ الهَواءِ وصَيْرُورَةِ الكُلِّ آلَةً لِلرُّؤْيَةِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ فَرِقُ الرِّياضِيِّينَ أوْ كانَتْ بِانْطِباعِ شَبَحِ المَرْئِيِّ في جُزْءٍ مِنَ الرُّطُوبَةِ الجَلِيدِيَّةِ الَّتِي تُشْبِهُ البَرْدَ والجَمْدَ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الطَّبِيعِيُّونَ، وهَذانَ المَذْهَبانِ هُما المَشْهُورانِ لِلْفَلاسِفَةِ ونُسِبَ لِلْإشْراقِيِّينَ مِنهم. واخْتارَهُ شِهابُ الدِّينِ القَتِيلُ أنَّ الرُّؤْيَةَ بِمُقابَلَةِ المُسْتَنِيرِ لِلْعُضْوِ الباصِرِ الَّذِي فِيهِ رُطُوبَةُ صِقِلِّيَةَ وإذا وُجِدَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ مَعَ زَوالِ المانِعِ يَقَعُ لِلنَّفْسِ عِلْمٌ إشْراقِيٌّ حُضُورِيٌّ عَلى المُبْصِرِ فَتُدْرِكُهُ النَّفْسُ مُشاهِدَةً ظاهِرَةً جَلِيَّةً بِلا شُعاعٍ ولا انْطِباعٍ، واخْتارَ المَلَأُ صَدْرًا أنَّها بِإنْشاءِ صُورَةٍ مُماثِلَةٍ لِلْمَرْئِيِّ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى مِن عالِمِ المَلَكُوتِ النَّفْسانِيِّ مُجَرَّدَةً عَنِ المادَّةِ الخارِجِيَّةِ حاضِرَةً عِنْدَ النَّفْسِ المُدْرِكَةِ قائِمَةً بِها قِيامَ الفِعْلِ بِفاعِلِهِ لا قِيامَ المَقْبُولِ بِقابِلِهِ، وتَحْقِيقُ ذَلِكَ بِما لَهُ وما عَلَيْهِ في مَبْسُوطاتِ كُتُبِ الفَلْسَفَةِ. ورُبَّما يَظُنُّ أنَّ الظُّلْمَةَ سَواءٌ كانَتْ وُجُودِيَّةً أوْ عَدَمِ مَلَكَةٍ مِن شُرُوطِ الرُّؤْيَةِ كالضَّوْءِ لَكِنْ بِالنِّسْبَةِ إلى بَعْضِ الأجْسامِ كالأشْياءِ الَّتِي تَلْمَعُ بِاللَّيْلِ. ونَفى ابْنُ سِينا ذَلِكَ وقالَ: لا يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ الظَّلَمَةُ شَرْطًا لِوُجُودِ اللَّوامِعِ مُبْصِرَةً وذَلِكَ لِأنَّ المُضِيءَ مَرْئِيٌّ سَواءً كانَ الرّائِي في الظُّلْمَةِ أوْ في الضَّوْءِ كالنّارِ نَراها مُطْلَقًا، وأمّا الشَّمْسُ فَإنَّما لا يُمْكِنُنا أنْ نَراها في الظُّلْمَةِ لِأنَّها مَتّى طَلَعَتْ لَمْ تُبْقَ الظُّلْمَةُ، وأمّا الكَواكِبُ واللَّوامِعُ فَإنَّما تَرى في الظُّلْمَةِ دُونَ النَّهارِ لِأنَّ ضَوْءَ الشَّمْسِ غالِبٌ عَلى ضَوْئِها وإذا انْفَعَلَ الحِسُّ عَنِ الضَّوْءِ القَوِيِّ لا جَرَمَ لا يَنْفَعِلُ عَنِ الضَّعِيفِ، فَأمّا في اللَّيْلِ فَلَيْسَ هُناكَ ضَوْءٌ غالِبٌ عَلى ضَوْئِها فَلا جَرْمَ تَرى، وبِالجُمْلَةِ فَصَيْرُورَتُها غَيْرُ مَرْئِيَّةٍ لَيْسَ لِتَوَقُّفِ ذَلِكَ عَلى الظُّلْمَةِ بَلْ لِوُجُودِ المانِعِ عَنِ الرُّؤْيَةِ وهو وُجُودُ الضَّوْءِ الغالِبِ انْتَهى، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ ضَوْءَ الشَّمْسِ عَلى ما ذُكِرَ مانِعٌ عَنْ رُؤْيَةِ اللَّوامِعِ ورَفْعِ مانِعِ الرُّؤْيَةِ شَرْطٌ لَها ودَفْعُ الضَّوْءِ هو الظُّلْمَةُ فالظُّلْمَةُ شَرْطُ رُؤْيَةِ اللَّوامِعِ بِاللَّيْلِ وهو المَطْلُوبُ فَتَدَبَّرْ ولا تَغْفُلْ (p-185)واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقائِقِ الأُمُورِ. ﴿ومَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِن نُورٍ﴾ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ جِيءَ بِهِ لِتَقْرِيرِ ما أفادَهُ التَّمْثِيلُ مِن كَوْنِ أعْمالِ الكُفّارِ كَما فَصَّلَ وتَحْقِيقُ أنَّ ذَلِكَ لِعَدَمِ هِدايَتِهِ تَعالى إيّاهم لِنُورِهِ، وإيرادُ المَوْصُولِ لِلْإشارَةِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ إلى عِلَّةِ الحُكْمِ وأنَّهم مِمَّنْ لَمْ يَشَإ اللَّهُ تَعالى هِدايَتَهم أيْ مِن لَمْ يَشَإ اللَّهُ تَعالى أنْ يَهْدِيَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِنُورٍ في الدُّنْيا فَما لَهُ هِدايَةٌ ما مِن أحَدٍ أصْلًا فِيها، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ مَن لَمْ يَكُنْ لَهُ نُورٌ في الدُّنْيا فَلا نُورَ لَهُ في الآخِرَةِ. وقِيلَ: كِلا الأمْرَيْنِ في الآخِرَةِ، والمَعْنى مَن لَمْ يُنَوِّرْهُ اللَّهُ تَعالى بِعَفْوِهِ ويَرْحَمْهُ بِرَحْمَتِهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَلا رَحْمَةَ لَهُ مَن أحَدٍ فِيها والمُعَوِّلُ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ تَشْبِيهُ أعْمالِ الكَفَرَةِ بِالظُّلُماتِ المُتَكاثِفَةِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ أجْزاءٍ في طَرَفَيِ التَّشْبِيهِ يَعْتَبِرُ تَشْبِيهَ بَعْضِها بِبَعْضٍ، ومِنهم مَنِ اعْتَبَرَ ذَلِكَ فَقالَ: الظُّلُماتُ الأعْمالُ الفاسِدَةُ والمُعْتَقَداتُ الباطِلَةُ والبَحْرُ اللُّجِّيُّ صَدْرُ الكافِرِ وقَلْبُهُ والمَوْجُ الضَّلالُ والجَهالَةُ الَّتِي قَدْ غَمَرَتْ قَلْبَهُ والمَوْجُ الثّانِي الفِكْرُ المُعْوَجَّةُ والسَّحابُ شَهْوَتُهُ في الكُفْرِ وإعْراضُهُ عَنِ الإيمانِ. وقِيلَ: الظُّلُماتُ أعْمالُ الكافِرِ والبَحْرُ هَواهُ العَمِيقُ القَعْرُ الكَثِيرُ لِخَطَرِ الغَرِيقِ هو فِيهِ والمَوْجُ ما يُغْشى قَلْبُهُ مِنَ الجَهْلِ والغَفْلَةِ. والمَوْجُ الثّانِي ما يَغْشاهُ مِن شَكٍّ وشُبْهَةٍ والسَّحابُ ما يَغْشاهُ مِن شِرْكٍ وحَيْرَةٍ فَيَمْنَعُهُ مِنَ الِاهْتِداءِ والكُلُّ كَما تَرى ولَوْ جَعَلَ مِن بابِ الإشارَةِ لَهانَ الأمْرُ. * * * ومِن بابِ الإشارَةِ ما قِيلَ إنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَنْبَغِي لِلشَّيْخِ إذا أرادَ تَأْدِيبَ المُرِيدِ وكَسْرِ نَفْسِهِ الأمّارَةِ أنْ يُؤَدِّبَهُ بِمَحْضَرِ طائِفَةٍ مِنَ المُرِيدِينَ الَّذِينَ لا يَحْتاجُونَ إلى تَأْدِيبٍ. ومِن هُنا قالَ أبُو بَكْرِ بْنِ طاهِرٍ: لا يَشْهَدُ مَواضِعَ التَّأْدِيبِ إلّا مَن لا يَسْتَحِقُّ التَّأْدِيبَ وهم طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ لا المُؤْمِنُونَ أجْمَعَ، والزِّنا عِنْدَهم إشارَةٌ إلى المَيْلِ لِلدُّنْيا وشَهَواتِها، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلا زانِيَةً﴾ إلَخْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ إلَخْ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِلْأخْيارِ مُعاشَرَةُ الأشْرارِ إنَّ الطُّيُورَ عَلى أشْباهِها تَقَعُ. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكم بَلْ هو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِمَن يُشَنِّعُ عَلَيْهِ المُنْكِرُونَ مِنَ المَشايِخِ أنْ يَحْزَنَ مِن ذَلِكَ ويَظُنَّهُ شَرًّا لَهُ فَإنَّهُ خَيْرٌ لَهُ مُوجِبٌ لِتَرَقِّيهِ. وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ﴾ إلَخْ إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَنْبَغِي لِلشُّيُوخِ والأكابِرِ أنْ لا يَهْجُرُوا أصْحابَ العَثَراتِ وأهْلَ الزَّلّاتِ مِنَ المُرِيدِينَ وأنْ لا يَقْطَعُوا إحْسانَهم وفُيُوضاتِهِمْ عَنْهُمْ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِمَن يُرِيدُ الدُّخُولَ عَلى الأوْلِياءِ أنْ يَدْخُلَ حَتّى يَجِدَ رُوحَ القَبُولِ والإذْنَ بِإفاضَةِ المَدَدِ الرُّوحانِيِّ عَلى قَلْبِهِ المُشارِ إلَيْهِ بِالِاسْتِئْناسِ فَإنَّهُ قَدْ يَكُونُ لِلْوَلِيِّ حالٌ لا يَلِيقُ لِلدّاخِلِ أنْ يَحْضُرَهُ فِيهِ ورُبَّما يَضُرُّهُ ذَلِكَ، وأطَّرَدَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ ذَلِكَ فِيمَن يُرِيدُ الدُّخُولَ لِزِيارَةِ قُبُورِ الأوْلِياءِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم فَقالَ: يَنْبَغِي لِمَن أرادَ ذَلِكَ أنْ يَقِفَ بِالبابِ عَلى أكْمَلِ ما يَكُونُ مِنَ الأدَبِ ويَجْمَعُ حَواسَّهُ ويَعْتَمِدُ بِقَلْبِهِ طالِبًا الإذْنِ ويَجْعَلُ شَيْخَهُ واسِطَةً بَيْنَهُ وبَيْنَ الوَلِيِّ المُزَوِّرِ في ذَلِكَ فَإنْ حَصَلَ لَهُ انْشِراحُ صَدْرٍ ومَدَدٍ رُوحانِيٍّ وفَيْضٌ باطِنِيٌّ فَلْيَدْخُلْ وإلّا فَلْيَرْجِعْ، وهَذا هو المَعْنِيُّ بِأدَبِ الزِّيارَةِ عِنْدَهم ولَمْ نَجِدْ ذَلِكَ عَنْ أحَدٍ مِنَ السَّلَفِ الصّالِحِ. والشِّيعَةُ عِنْدَ زِيارَتِهِمْ لِلْأئِمَّةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم يُنادِي أحَدُهم أأدْخُلُ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ أوْ يا ابْنَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ نَحْوُهُ ذَلِكَ ويَزْعُمُونَ أنَّ عَلامَةَ الإذْنِ حُصُولُ رِقَّةِ القَلْبِ ودَمْعِ العَيْنِ وهو أيْضًا مِمّا لَمْ (p-186)نَعْرِفُهُ عَنْ أحَدٍ مِنَ السَّلَفِ ولا ذَكَرَهُ فُقَهاؤُنا وما أظُنُّهُ إلّا بِدَعَةً ولا يُعَدُّ فاعِلُها إلّا مُضْحِكَةً لِلْعُقَلاءِ، وكَوْنُ المُزَوَّرِ حَيًّا في قَبْرِهِ لا يَسْتَدْعِي الِاسْتِئْذانَ في الدُّخُولِ لِزِيارَتِهِ، وكَذا ما ذَكَرَهُ بَعْضُ الفُقَهاءِ مِن أنَّهُ يَنْبَغِي لِلزّائِرِ التَّأدُّبُ مَعَ المُزَوَّرِ كَما يَتَأدَّبُ مَعَهُ حَيًّا كَما لا يَخْفى. وقَدْ رَأيْتُ بَعْدَ كِتابَتِي هَذِهِ في الجَوْهَرِ المُنْتَظِمِ في زِيارَةِ القَبْرِ المُعَظَّمِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلى صاحِبِهِ وسَلَّمَ لِابْنِ حَجَرٍ المَكِّيِّ ما نَصَّهُ، قالَ بَعْضُهُمْ: ويَنْبَغِي أنْ يَقِفَ- يَعْنِي الزّائِرَ- بِالبابِ وقْفَةً لَطِيفَةً كالمُسْتَأْذِنِ في الدُّخُولِ عَلى العُظَماءِ انْتَهى. وفِيهِ أنَّهُ لا أصْلَ لِذَلِكَ ولا حالَ ولا أدَبَ يَقْتَضِيهِ انْتَهى. ومِنهُ يَعْلَمُ أنَّهُ إذا لَمْ يَشْرَعْ ذَلِكَ في زِيارَةِ قَبْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَعَدَمُ مَشْرُوعِيَّتِهِ في زِيارَةِ غَيْرِهِ مِن بابِ أوْلى فاحْفَظْ ذاكَ واللَّهُ تَعالى يَعْصِمُنا مِنَ البِدَعِ وإيّاكَ. وقِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ﴾ إلَخْ إنَّ فِيهِ أمْرًا بِغَضِّ بَصَرِ النَّفْسِ عَنْ مُشْتَهِياتِ الدُّنْيا وبَصَرِ القَلْبِ عَنْ رُؤْيَةِ الأعْمالِ ونَعِيمِ الآخِرَةِ وبَصَرِ السِّرِّ عَنِ الدَّرَجاتِ والقُرُباتِ وبَصَرِ الرُّوحِ عَنِ الِالتِفاتِ إلى ما سِوى اللَّهِ تَعالى وبَصِرِ الهِمَّةِ عَنْ أنْ يَرى نَفْسَهُ أهْلًا لِشُهُودِ الحَقِّ تَنْزِيهًا لَهُ تَعالى وإجْلالًا، وأمْرًا بِحِفْظِ فَرْجِ الباطِنِ عَنْ تَصَرُّفاتِ الكَوْنَيْنِ فِيهِ، والإشارَةُ بِأمْرِ النِّساءِ بِعَدَمِ إبْداءِ الزِّينَةِ إلّا لِمَنِ اسْتَثْنى إلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِمَن تَزَيَّنَ بِزِينَةِ الأسْرارِ أنْ يُظْهِرَها لِغَيْرِ المَحارِمِ ومَن لَمْ يَسْتُرْها عَنِ الأجانِبِ. وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْكِحُوا الأيامى مِنكُمْ﴾ إلَخْ إلى النِّكاحِ المَعْنَوِيِّ وهو أنْ يُوَدِّعَ الشَّيْخَ الكامِلَ في رَحِمِ القَلْبِ مِن صُلْبِ الوِلايَةِ نُطْفَةَ اسْتِعْدادِ قَبُولِ الفَيْضِ الإلَهِيِّ. وقَدْ أُشِيرُ إلى هَذا الِاسْتِعْدادِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ ثُمَّ قالَ جَلَّ وعَلا: ﴿ولْيَسْتَعْفِفِ﴾ أيْ لِيُحْفَظْ ﴿الَّذِينَ لا يَجِدُونَ﴾ شَيْخًا في الحالِ أرْحامُ قُلُوبِهِمْ عَنْ تَصَرُّفاتِ الدُّنْيا والهَوى والشَّيْطانِ ﴿حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ﴾ بِأنْ يُوَفِّقَ لَهم شَيْخًا كامِلًا أوْ يَخُصُّهم سُبْحانَهُ بِجَذْبَةٍ مِن جَذَباتِهِ، وأُشِيرُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتابَ﴾ إلَخْ إلى أنَّ المُرِيدَ إذا طَلَبَ الخَلاصَ عَنْ قَيْدِ الرِّياضَةِ لَزِمَ إجابَتَهُ إنْ عُلِمَ فِيهِ الخَيْرُ وهو التَّوْحِيدُ والمَعْرِفَةُ والتَّوَكُّلُ والرِّضا والقَناعَةُ وصِدْقُ العَمَلِ والوَفاءِ بِالعَهْدِ ووَجَبَ أنْ يُؤْتِيَ بَعْضُ المَواهِبِ الَّتِي خَصَّها اللَّهُ تَعالى بِها الشَّيْخُ، وأُشِيرُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُكْرِهُوا﴾ إلَخْ إلى أنَّ النَّفْسَ إذا لَمْ تَكُنْ مائِلَةً إلى التَّصَرُّفِ في الدُّنْيا لَمْ تُكْرَهْ عَلَيْهِ. ولَهم في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ كَلامٌ طَوِيلٌ عَرِيضٌ وفِيما قَدَّمْنا ما يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِن هَذا البابِ، وذَكَرَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ مِمّا يَدْخُلُ في عُمُومِهِ أهْلُ الطَّرِيقَةِ العَلِيَّةِ النَّقْشَبَنْدِيَّةِ الَّذِينَ حَصَلَ لَهُمُ الذِّكْرُ القَلْبِيُّ ورَسَخَ في قُلُوبِهِمْ بِحَيْثُ لا يَغْفُلُونَ عَنْهُ سُبْحانَهُ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ وهَذا وإنْ ثَبَتَ لِغَيْرِهِمْ أيْضًا مِن أرْبابِ الطَّرائِقِ فَإنَّما يَثْبُتُ في النِّهاياتِ دُونَ المُبادِي كَما يَثْبُتُ لِأهْلِ تِلْكَ الطَّرِيقَةِ. وفي مَكْتُوباتِ الإمامِ الرَّبّانِيِّ قَدَّسَ سِرَّهُ ما يُغْنِي عَنِ الإطالَةِ في شَرْحِ أحْوالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ وبَيانِ مَنزِلَتِهِمْ في الذِّكْرِ والحُضُورِ بَيْنَ سائِرِ الأقْوامِ حَشَرَنا اللَّهُ تَعالى وإيّاهم تَحْتَ لِواءِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ومَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِن نُورٍ﴾ إشارَةٌ لِما ورَدَ في حَدِيثِ ««خَلَقَ اللَّهُ تَعالى الخَلْقَ في ظُلْمَةٍ ثُمَّ رَشَّ عَلَيْهِمْ مِن نُورِهِ فَمَن أصابَهُ مِنهُ اهْتَدى ومَن أخْطَأهُ ضَلَّ»» واللَّهُ تَعالى المُوَفَّقُ لِصالِحِ العَمَلِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب