الباحث القرآني

﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ﴾ حَتّى ابْتِدائِيَّةٌ وغايَةٌ لِمُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلِها والتَّقْدِيرُ فَلا أكُونُ كالكُفّارِ الَّذِينَ تَهْمِزُهُمُ الشَّياطِينُ وتَحْضُرُهم حَتّى إذا جاءَ إلَخْ، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: فَيا عَجَبًا حَتّى كُلَيْبٍ تَسُبُّنِي فَإنَّ التَّقْدِيرَ يَسُبُّنِي كُلُّ النّاسِ حَتّى كَلِيبٍ إلّا أنَّهُ حُذِفَتِ الجُمْلَةُ هُنا لِدَلالَةِ ما بَعْدِ حَتّى، وقِيلَ إنَّ هَذا الكَلامَ مَرْدُودٌ عَلى ﴿يَصِفُونَ﴾ الثّانِي عَلى مَعْنى إنَّ حَتّى مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ كَأنَّهُ قِيلَ: لا يَزالُونَ عَلى سُوءِ المَقالَةِ والطَّعْنِ في حَضْرَةِ الرِّسالَةِ حَتّى إذا إلَخْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقُلْ رَبِّ﴾ إلَخِ اعْتِراضٌ مُؤَكَّدٌ لِلْإغْضاءِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ إلَخْ بِالِاسْتِعاذَةِ بِهِ تَعالى مِنَ الشَّياطِينِ أنْ يَزِلُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَمّا أُمِرَ بِهِ، وقِيلَ عَلى ( يَصِفُونَ ) الأوَّلُ أوْ عَلى ﴿يُشْرِكُونَ﴾ ولَيْسَ بِشَيْءٍ. وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ مُرُورًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ويَكُونُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ﴾ إلى هَذا المَقامِ مِنِ اعْتِراضِ تَحْقِيقًا لِكَذِبِهِمْ ولِاسْتِحْقاقِهِمْ جَزاءَهُ ولَيْسَ بِالوَجْهِ، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ ابْنِ عَطِيَّةَ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( حَتّى ) هُنا ابْتِدائِيَّةً لا غايَةَ لِما قَبْلِها. وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّها إذا كانَتِ ابْتِدائِيَّةً لا تُفارِقُها الغايَةُ، والظّاهِرُ الَّذِي لا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنْهُ أنَّ ضَمِيرَ ﴿أحَدَهُمُ﴾ راجِعٌ إلى الكُفّارِ، والمُرادُ مِن مَجِيءِ المَوْتِ ظُهُورًا إماراتُهُ أيْ إذا ظَهَرَ لِأحَدِهِمْ أيُّ أحَدٍ كانَ مِنهم أماراتُ المَوْتِ وبَدَتْ لَهُ أحْوالُ (p-63)الآخِرَةِ ﴿قالَ﴾ تَحَسُّرًا عَلى ما فَرَّطَ في جَنْبِ اللَّهِ تَعالى ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ أيْ رُدَّنِي إلى الدُّنْيا، والواوُ لِتَعَظُّمُ المُخاطَبِ وهو اللَّهُ تَعالى كَما في قَوْلِهِ: ؎لا فارْحَمُونِي يا إلَهَ مُحَمَّدٍ فَإنْ لَمْ أكُنْ أهْلًا فَأنْتَ لَهُ أهْلٌ وقَوْلُ الآخَرِ: ؎وإنْ شِئْتَ حَرَّمَتِ النِّساءُ سِواكم ∗∗∗ وإنْ شِئْتَ لَمْ أُطْعِمْ نُقاخًا ولا بَرَدًا والحُقُّ أنَّ التَّعْظِيمَ يَكُونُ في ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ والمُخاطَبِ بَلْ والغائِبُ والِاسْمُ الظّاهِرُ وإنْكارُ ذَلِكَ غَيْرُ رَضِيٍّ والإيهامُ الَّذِي يَدَّعِيهِ ابْنُ مالِكٍ هُنا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، وقِيلَ: الواوُ لِكَوْنِ الخِطابِ لِلْمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ يا مَلائِكَةَ رَبِّي ارْجِعُونِي، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ ( رَبِّ ) اسْتِغاثَةً بِهِ تَعالى و ( ارْجِعُونِ ) خِطابٌ لِلْمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ورُبَّما يَسْتَأْنِسُ لِذَلِكَ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: زَعَمُوا «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها: إنَّ المُؤْمِنَ إذا عايَنَ المَلائِكَةَ قالُوا: نُرْجِعُكَ إلى دارِ الدُّنْيا؟ قالَ: إلى دارِ الهُمُومِ والأحْزانِ بَلْ قُدُومًا إلى اللَّهِ تَعالى وأمّا الكافِرُ فَيَقُولُونَ لَهُ: نُرْجِعُكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّ ارْجِعُونِي»، وقالَ المازِنِيُّ: جَمَعَ الضَّمِيرَ لِيَدُلَّ عَلى التَّكْرارِ فَكَأنَّهُ قالَ: رَبِّ ارْجِعْنِي ارْجِعْنِي ارْجِعْنِي، ومِثْلُ ذَلِكَ تَتَنَبَّهُ الضَّمِيرُ في قَفا نَبْكِ ونَحْوِهِ. واسْتَشْكَلَ ذَلِكَ الخَفاجِيُّ بِأنَّهُ إذا كانَ أصْلُ ارْجِعُوا مَثَلًا ارْجِعِ ارْجِعِ ارْجِعْ لَمْ يَكُنْ ضَمِيرُ الجَمْعِ بَلْ تَرْكِيبُهُ الَّذِي فِيهِ حَقِيقَةٌ فَإذا كانَ مَجازًا فَمِن أيِّ أنْواعِهِ وكَيْفَ دَلالَتُهُ عَلى المُرادِ وما عَلاقَتُهُ وإلّا فَهو مِمّا لا وجْهَ لَهُ، ومِن غَرِيبِهِ أنَّ ضَمِيرَهُ كانَ مُفْرَدًا واجِبَ الِاسْتِتارِ فَصارَ غَيْرَ مُفْرَدٍ واجِبَ الإظْهارِ ثُمَّ قالَ: لَمْ تَزَلْ هَذِهِ الشُّبْهَةُ قَدِيمًا في خاطِرِي والَّذِي خَطَرَ لِي أنَّ لَنا اسْتِعارَةً أُخْرى غَيْرَ ما ذَكَرَ في المَعانِي ولِكَوْنِها لا عَلاقَةَ لَها بِالمَعْنى لَمْ تَذْكُرْ وهي اسْتِعارَةُ لَفْظٍ مَكانَ لَفْظٍ آخَرَ لِنُكْتَةٍ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ مَعْناهُ وهو كَثِيرٌ في الضَّمائِرِ كاسْتِعْمالِ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ الظّاهِرِ مَكانَ المَرْفُوعِ المُسْتَتِرِ في كَفى بِهِ حَتّى لَزِمَ انْتِقالُهُ عَنْ صِفَةٍ إلى صِفَةٍ أُخْرى ومِن لَفْظٍ إلى لَفْظٍ آخَرَ وما نَحْنُ فِيهِ مِن هَذا القَبِيلِ فَإنَّهُ غَيْرُ الضَّمائِرِ المُسْتَتِرَةِ إلى ضَمِيرِ جَمْعٍ ظاهِرٍ فَلَزِمَ الِاكْتِفاءَ بِأحَدِ ألِفاظِ الفِعْلِ وجَعَلَ دَلالَةَ ضَمِيرِ الجَمْعِ عَلى تَكَرُّرِ الفِعْلِ قائِمًا مَقامَهُ في التَّأْكِيدِ مِن غَيْرِ تَجَوُّزٍ فِيهِ، ولِابْنِ جِنِّيٍّ في الخَصائِصِ كَلامٌ يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْناهُ فَتَأمَّلِ انْتَهى كَلامُهُ. ولِعَمْرِي لَقَدْ أبْعَدَ جَدًّا، ولَعَلَّ الأقْرَبَ أنْ يُقالَ: أرادَ المازِنِيُّ أنَّهُ جَمَعَ الضَّمِيرَ لِلتَّعْظِيمِ بِتَنْزِيلِ المُخاطَبِ الواحِدِ مَنزِلَةَ الجَماعَةِ المُخاطِبِينَ ويَتْبَعُ ذَلِكَ كَوْنُ الفِعْلِ الصّادِرِ مِنهُ بِمَنزِلَةِ الفِعْلِ الصّادِرِ مِنَ الجَماعَةِ ويَتْبَعُهُما كَوْنُ ( ارْجِعُونِ ) مَثَلًا بِمَنزِلَةِ ارْجِعْنِي ارْجِعْنِي ارْجِعْنِي لَكِنَّ إجْراءً نَحْوَ هَذا في نَحْوِ- قِفا نَبْكِ- لا يَتَسَنّى إلّا إذا قِيلَ بِأنَّهُ قَدْ يَقْصِدُ بِضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ التَّعْظِيمَ كَما قَدْ يَقْصِدُ ذَلِكَ بِضَمِيرِ الجَمْعِ ولَمْ يَخْطُرْ لِي أنِّي رَأيْتُهُ فَلْيَتَتَبَّعْ ولِيَتَدَبَّرْ
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب