الباحث القرآني

﴿ولا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ سِيقَتْ لِلتَّحْرِيضِ عَلى ما وصَفَ بِهِ أُولَئِكَ المُشارُ إلَيْهِمْ مِن فِعْلِ الطّاعاتِ بِبَيانِ سُهُولَتِهِ وكَوْنِهِ غَيْرَ خارِجٍ عَنْ حَدِّ الوُسْعِ والطّاعَةِ أيْ عادَتِنا جارِيَةٌ عَلى أنْ لا نُكَلِّفَ نَفْسًا مِنَ النُّفُوسِ إلّا ما في وُسْعِها وقَدْرِ طاقَتِها عَلى أنَّ المُرادَ اسْتِمْرارُ النَّفْيِ بِمَعُونَةِ المَقامِ لا نَفْيَ الِاسْتِمْرارِ أوْ لِلتَّرْخِيصِ فِيما هو قاصِرٌ عَنْ دَرَجَةِ أعْمالِ أُولَئِكَ بِبَيانِ أنَّهُ تَعالى لا يُكَلِّفُ عِبادَهُ إلّا ما في وُسْعِهِمْ فَإنْ لَمْ يَبْلُغُوا في فِعْلِ الطّاعاتِ مَراتِبَ السّابِقِينَ فَلا عَلَيْهِمْ بَعْدَ أنْ يَبْذُلُوا طاقَتَهم ويَسْتَفْرِغُوا وُسْعَهم. قالَ مُقاتِلٌ: مَن لَمْ يَسْتَطِعِ القِيامَ فَلْيُصَلِّ قاعِدًا ومَن لَمْ يَسْتَطِعِ القُعُودَ فَلِيَوْمِ إيماءً. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالحَقِّ﴾ تَتِمَّةٌ لِما قَبْلَهُ بِبَيانِ أحْوالِ ما كَلَّفُوهُ مِنَ الأعْمالِ وأحْكامِها المُتَرَتِّبَةِ عَلَيْها مِنَ الحِسابِ والثَّوابِ والعِقابِ، والمُرادُ بِالكِتابِ صَحائِفُ الأعْمالِ الَّتِي يَقْرَؤُونَها عِنْدَ الحِسابِ حَسْبَما يُؤْذَنُ بِهِ الوَصْفُ بِهو كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثِيَةُ: 29] ( والحَقُّ ) المُطابِقُ لِلْواقِعِ والنُّطْقُ بِهِ مُجازٍ عَنْ إظْهارِهِ أيْ عِنْدِنا كِتابٌ يُظْهِرُ الحَقَّ المُطابِقَ لِلْواقِعِ عَلى ما هو عَلَيْهِ ذاتًا ووَصْفًا ويُبَيِّنُهُ لِلنّاظِرِ كَما يُبَيِّنُهُ النُّطْقُ ويَظْهَرُهُ لِلسّامِعِ فَيَظْهَرُ هُناكَ جَلائِلُ الأعْمالِ ودَقائِقُها ويَتَرَتَّبُ عَلَيْها أجَزَيْتُها إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنَّ شَرًّا فَشَرٌّ. وقِيلَ: المُرادُ بِالكِتابِ صَحائِفُ يَقْرَؤُونَها فِيها ما ثَبَتَ لَهم في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ مِنَ الجَزاءِ وهو دُونُ القَوْلِ الأوَّلِ، وأُدَوِّنُ مِنهُ ما قِيلَ: إنَّ المُرادَ بِهِ القُرْآنُ الكَرِيمُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ لِبَيانِ فَضْلِهِ عَزَّ وجَلَّ وعَدْلِهِ في الجَزاءِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ إثْرَ بَيانِ لُطْفِهِ سُبْحانَهُ في التَّكْلِيفِ وكَتْبِ الأعْمالِ عَلى ما هي عَلَيْهِ أيْ لا يُظْلَمُونَ في الجَزاءِ بِنَقْصِ ثَوابٍ أوْ زِيادَةِ عَذابٍ بَلْ يُجْزَوْنَ بِقَدْرِ أعْمالِهِمُ الَّتِي كَلَّفُوها ونَطَقَتْ بِها صَحائِفُها بِالحَقِّ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ تَقْرِيرًا لِما قَبِلَ مِنَ التَّكْلِيفِ وكَتْبِ الأعْمالِ أيْ لا يَظْلِمُونَ بِتَكْلِيفِ ما لَيْسَ في وُسْعِهِمْ ولا بِكَتْبِ بَعْضِ أعْمالِهِمُ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أعْمالُ غَيْرِ السّابِقِينَ بِناءً عَلى قُصُورِها عَنْ دَرَجَةِ أعْمالِ السّابِقِينَ بَلْ يَكْتُبُ كُلٌّ مِنها عَلى مَقادِيرِها وطَبَقاتِها.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب