الباحث القرآني
﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ عِنْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ ﴿تُبْعَثُونَ﴾ مِن قُبُورِكم لِلْحِسابِ والمُجازاةِ بِالثَّوابِ والعِقابِ، ولَمْ يُؤَكِّدْ سُبْحانَهُ أمْرَ البَعْثِ تَأْكِيدَهُ لِأمْرِ المَوْتِ مَعَ كَثْرَةِ المُتَرَدِّدِينَ فِيهِ والمُنْكِرِينَ لَهُ اكْتِفاءً بِتَقْدِيمِ ما يُغْنِي عَنْ كَثْرَةِ التَّأْكِيدِ ويُشِيدُ أرْكانَ الدَّعْوى أتَمَّ تَشْيِيدٍ مِن خَلْقِهِ تَعالى الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مَن طِينٍ ثُمَّ نَقَلَهُ مِن طُورٍ إلى طُورٍ حَتّى أنْشَأهُ خَلْقًا آخَرَ يَسْتَغْرِقُ العَجائِبَ ويَسْتَجْمِعُ الغَرائِبَ فَإنَّ في ذَلِكَ أدَلَّ دَلِيلٍ عَلى حِكْمَتِهِ وعَظِيمِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى بَعْثِهِ وإعادَتِهِ وأنَّهُ جَلَّ وعَلا لا يُهْمِلُ أمْرَهُ ويَتْرُكُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ نَسْيًا مَنسِيًّا مُسْتَقِرًّا في رَحِمُ العَدَمِ كَأنَّ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا، ولَما تَضَمَّنَتِ الجُمْلَةُ السّابِقَةُ المُبالَغَةَ في أنَّهُ تَعالى شَأْنُهُ أحْكَمُ خَلْقِ الإنْسانِ وأتْقَنَهُ بالَغَ سُبْحانَهُ عَزَّ وجَلَّ في تَأْكِيدِ الجُمْلَةِ الدّالَّةِ عَلى مَوْتِهِ مَعَ أنَّهُ غَيْرُ مُنْكِرٍ لِما أنَّ ذَلِكَ سَبَبٌ لِاسْتِبْعادِ العَقْلِ إيّاهُ أشَدَّ اسْتِبْعادٍ حَتّى يُوشِكَ أنْ يُنْكِرَ وُقُوعَهُ مَن لَمْ يُشاهِدْهُ وسَمِعَ أنَّ اللَّهَ جَلَّ جَلالُهُ أحْكَمُ خَلْقِ الإنْسانِ وأتْقَنَهُ غايَةَ الإتْقانِ، وهَذا وجْهٌ دَقِيقٌ لِزِيادَةِ التَّأْكِيدِ في الجُمْلَةِ الدّالَّةِ عَلى المَوْتِ وعَدَمِ زِيادَتِهِ في الجُمْلَةِ الدّالَّةِ عَلى البَعْثِ لَمْ أرَ أنِّي سَبَقْتُ إلَيْهِ، وقِيلَ في ذَلِكَ: إنَّهُ تَعالى شَأْنُهُ لَمّا ذَكَرَ في الآياتِ السّابِقَةِ مِنَ التَّكْلِيفاتِ ما ذَكَرَ نَبَّهَ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ أبْدَعَ خَلْقِ الإنْسانِ وقَلَّبَهُ في الأطْوارِ حَتّى أوْصَلَهُ إلى طُورٍ هو غايَةُ كَمالِهِ وبِهِ يَصِحُّ تَكْلِيفُهُ بِنَحْوِ تِلْكَ التَّكْلِيفاتِ وهو كَوْنُهُ حَيًّا عاقِلًا سَمِيعًا بَصِيرًا وكانَ ذَلِكَ مُسْتَدْعِيًا لِذِكْرِ طُورٍ يَقَعُ فِيهِ الجَزاءُ عَلى ما كَلَّفَهُ تَعالى بِهِ وهو أنْ يُبْعَثَ يَوْمَ القِيامَةِ فَنَبَّهَ سُبْحانَهُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ فالمَقْصُودُ الأهَمُّ بَعْدَ بَيانِ خَلْقِهِ وتَأهُّلِهِ لِلتَّكْلِيفِ بَيانَ بَعْثِهِ لَكِنَّ وسَطَ حَدِيثِ المَوْتِ لِأنَّهُ بَرْزَخٌ بَيْنَ طُورِهِ الَّذِي تَأهَّلَ بِهِ لِلْأعْمالِ الَّتِي تَسْتَدْعِي الجَزاءَ وبَيْنَ بَعْثِهِ فَلا بُدَّ مِن قَطْعِهِ لِلْوُصُولِ إلى ذَلِكَ فَكَأنَّهُ قِيلَ: أيُّها المَخْلُوقُ العَجِيبُ الشَّأْنِ إنَّ ماهِيَّتَكَ وحَقِيقَتَكَ تَفْنى وتَعْدَمُ ثُمَّ إنَّها بِعَيْنِها مِنَ الأجْزاءِ المُتَفَرِّقَةِ والعِظامُ البالِيَةِ والجُلُودِ المُتَمَزِّقَةِ المُتَلاشِيَةِ في أقْطارِ الشَّرْقِ والغَرْبِ تَبْعَثُ وتَنْشُرُ لِيَوْمُ الجَزاءِ لِإثابَةِ مَن أحْسَنَ فِيما كَلَّفْناهُ بِهِ وعِقابُ مَن أساءَ فِيهِ، فالقَرِينَةُ الثّانِيَةُ وهي الجُمْلَةُ الدّالَّةُ عَلى البَعْثِ لَمْ تَفْتَقِرْ إلى التَّوْكِيدِ افْتِقارَ الأُولى وهي الجُمْلَةُ الدّالَّةُ عَلى المَوْتِ لِأنَّها كالمُقَدَّمَةِ لَها وتَوْكِيدُها راجِعٌ إلَيْها، ومِنهُ يَعْلَمُ سِرَّ نَقْلِ الكَلامِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ انْتَهى، وفِيهِ مِنَ البُعْدِ ما فِيهِ.
وقِيلَ: إنَّما بُولِغَ في القَرِينَةِ الأُولى لِتَمادِي المُخاطَبِينَ في الغَفْلَةِ فَكَأنَّهم نَزَلُوا مَنزِلَةَ المُنْكِرِينَ لِذَلِكَ وأُخْلِيَتِ الثّانِيَةُ لِوُضُوحِ أدِلَّتِها وسُطُوعِ بَراهِينِها، قالَ الطِّيبِيُّ: هَذا كَلامٌ حَسَنٌ لَوْ ساعَدَ عَلَيْهِ النَّظْمُ الفائِقُ، ورُبَّما يُقالُ: إنَّ شِدَّةَ كَراهَةِ المَوْتِ طَبْعًا الَّتِي لا يَكادُ يَسْلَمُ مِنها أحَدٌ نَزَلَتْ مَنزِلَةَ شِدَّةِ الإنْكارِ فَبُولِغَ في تَأْكِيدِ الجُمْلَةِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ، وأمّا البَعْثُ فَمِن حَيْثُ إنَّهُ حَياةٌ بَعْدَ المَوْتِ لا تَكْرَهُهُ النُّفُوسُ ومِن حَيْثُ إنَّهُ مَظَنَّةٌ لِلشَّدائِدِ تَكْرَهُهُ فَلَمّا لَمْ يَكُنْ حالُهُ كَحالِ المَوْتِ ولا كَحالِ الحَياةِ بَلْ بَيْنَ بَيْنَ أكَّدَتِ الجُمْلَةُ الدّالَّةُ عَلَيْهِ تَأْكِيدًا واحِدًا، وهَذا وجْهٌ لِلتَّأْكِيدِ لَمْ يَذْكُرْهُ أحَدٌ مِن عُلَماءِ المَعانِي ولا يَضُرُّ فِيهِ ذَلِكَ إذا كانَ وجِيهًا في نَفْسِهِ، وتَكْرِيرُ حَرْفِ التَّراخِي لِلْإيذانِ بِتَفاوُتِ المَراتِبِ، وقَدْ تَضَمَّنَتِ الآيَةُ ذَكَرَ تِسْعَةَ أطْوارٍ ووَقَعَ المَوْتُ فِيها الطَّوْرُ الثّامِنُ ووافَقَ ذَلِكَ أنَّ مَن يُولَدُ لِثَمانِيَةِ أشْهُرٍ مِن حَمْلِهِ قَلَّما يَعِيشُ، ولَمْ يَذْكُرْ سُبْحانَهُ طَوْرَ الحَياةِ في القَبْرِ لِأنَّهُ مِن جِنْسِ الإعادَةِ.
{"ayah":"ثُمَّ إِنَّكُمۡ یَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِ تُبۡعَثُونَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











