الباحث القرآني
﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ في الجِهادِ حَسْبَما يُلَوِّحُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ قُتِلُوا أوْ ماتُوا﴾ أيْ في تَضاعِيفِ المُهاجَرَةِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ «قُتِّلُوا» بِالتَّشْدِيدِ، ومَحَلُّ المَوْصُولِ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ﴾ جَوابٌ لِقَسَمٍ مَحْذُوفٍ والجُمْلَةُ خَبَرُهُ عَلى الأصَحِّ مِن جَوازِ وُقُوعِ القَسَمِ وجَوابُهُ خَبَرًا، ومَن مَنَعَ أضْمَرَ قَوْلًا هو الخَبَرُ والجُمْلَةُ مَحْكِيَّةٌ بِهِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿رِزْقًا حَسَنًا﴾ إمّا مَفْعُولٌ ثانٍ لِيَرْزُقَ عَلى أنَّهُ مِن بابِ النَّقْضِ والذَّبْحِ أيْ مَرْزُوقًا حَسَنًا أوْ مَصْدَرٌ مُبَيِّنٌ لِلنَّوْعِ، والمُرادُ بِهِ عِنْدَ بَعْضِ ما يَكُونُ لِلشُّهَداءِ في البَرْزَخِ مِنَ الرِّزْقِ ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ «عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَن ماتَ مُرابِطًا أُجْرِيَ عَلَيْهِ الرِّزْقُ وأمِنَ مِنَ الفَتّانِينَ واقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أوْ ماتُوا﴾ - إلى قَوْلِهِ تَعالى- ﴿حَلِيمٌ﴾»» وقَدْ نَصَّ سُبْحانَهُ في آيَةٍ أُخْرى عَلى أنَّ الَّذِينَ يُقْتَلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى أحْياءٌ (p-188)عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ولَيْسَ ذَلِكَ في تِلْكَ الآيَةِ إلّا في البَرْزَخِ وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ بِهِ ما لا يَنْقَطِعُ أبَدًا مِن نَعِيمِ الجَنَّةِ، ورُدَّ بِأنَّ ذَلِكَ لا اخْتِصاصَ لَهُ بِمَن هاجَرَ في سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلَ أوْ ماتَ بَلْ يَكُونُ لِلْمُؤْمِنِينَ كُلِّهِمْ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ عَدَمَ الِاخْتِصاصِ مَمْنُوعٌ فَإنَّ تَنْكِيرَ ( رِزْقا ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلتَّنْوِيعِ ويَخْتَصُّ ذَلِكَ النَّوْعُ بِأُولَئِكَ المُهاجِرِينَ، وقِيلَ: المُرادُ تَشْرِيفُهم وتَبْشِيرُهم بِهَذا الوَعْدِ الصّادِرِ مِمَّنْ لا يَخْلُقُ المِيعادَ المُقْتَرِنَ بِالتَّأْكِيدِ القَسَمِيِّ ويَكْفِي ذَلِكَ في تَفْضِيلِهِمْ عَلى سائِرِ المُؤْمِنِينَ كَما في المُبَشَّرِينَ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم وفِيهِ نَظَرٌ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: هو الغَنِيمَةُ، وقالَ الأصَمُّ: هو العِلْمُ والفَهْمُ كَقَوْلِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ورَزَقَنِي مِنهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ [هُودَ: 88] ويَرُدُّ عَلَيْهِما أنَّهُ تَعالى جَعَلَ هَذا الرِّزْقَ جَزاءً عَلى قَتْلِهِمْ أوْ مَوْتِهِمْ في تَضاعِيفِ المُهاجَرَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى فَلا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ في الدُّنْيا، ولَعَلَّ قائِلَ ذَلِكَ يَقُولُ: إنَّهُ في الآخِرَةِ وفِيها تَتَفاوَتُ مَراتِبُ العِلْمِ أيْضًا.
وظاهِرُ الآيَةِ عَلى ما قِيلَ: اسْتِواءُ مَن قُتِلَ ومَن ماتَ مُهاجِرًا في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى في الرُّتْبَةِ وبِهِ أخَذَ بَعْضُهم، وذُكِرَ أنَّهُ لَمّا ماتَ عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ وأبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الأسَدِ قالَ بَعْضُ النّاسِ: مَن قُتِلَ مِنَ المُهاجِرِينَ أفْضَلُ مِمَّنْ ماتَ حَتْفَ أنْفِهِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُسَوِّيَةً بَيْنَهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ فَضالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ الأنْصارِيِّ الصَّحابِيِّ أنَّهُ كانَ بِمَوْضِعٍ فَمَرُّوا بِجِنازَتَيْنِ إحْداهُما قَتِيلٌ والأُخْرى مُتَوَفّى فَمالَ النّاسُ عَلى القَتِيلِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى فَقالَ: واللَّهِ ما أُبالِي مِن أيِّ حُفْرَتَيْهِما بُعِثْتُ اسْمَعُوا كِتابَ اللَّهِ تَعالى فَقالَ: ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أوْ ماتُوا﴾ الآيَةَ.
ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ بِما رُوِيَ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««المَقْتُولُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى والمُتَوَفّى في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى بِغَيْرِ قَتْلٍ هُما في الأجْرِ شَرِيكانِ»» فَإنَّ ظاهِرَ الشَّرِكَةِ يُشْعِرُ بِالتَّسْوِيَةِ، وظاهِرُ القَوْلِ بِالتَّسْوِيَةِ أنَّ المُتَوَفّى مُهاجِرًا في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى شَهِيدًا كالقَتِيلِ وبِهِ صَرَّحَ بَعْضُهم، وفي البَحْرِ أنَّ التَّسْوِيَةَ في الوَعْدِ بِالرِّزْقِ الحَسَنِ لا تَدُلُّ عَلى تَفْضِيلٍ في المُعْطى ولا تَسْوِيَةَ فَإنْ يَكُنْ تَفْضِيلٌ فَمِن دَلِيلٍ آخَرَ، وظاهِرُ الشَّرِيعَةِ أنَّ المَقْتُولَ أفْضَلُ انْتَهى، وما تَقَدَّمَ في سَبَبِ النُّزُولِ غَيْرُ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ، فَقَدْ رُوِيَ «أنَّ طَوائِفَ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم قالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ قُتِلُوا قَدْ عَلِمْنا ما أعْطاهُمُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الخَيْرِ ونَحْنُ نُجاهِدُ مَعَكَ كَما جاهَدُوا فَما لَنا إنْ مُتْنا مَعَكَ فَنَزَلَتْ»، واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِهَذا أيْضًا عَلى التَّسْوِيَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في طَوائِفَ خَرَجُوا مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ لِلْهِجْرَةِ فَتَبِعَهُمُ المُشْرِكُونَ وقاتَلُوهم، وعَلى هَذا القَوْلِ لَيْسَ المُرادُ مِنَ المُهاجَرَةِ في سَبِيلِهِ تَعالى المُهاجَرَةَ في الجِهادِ، وأيًّا ما كانَ فَهَذا ابْتِداءُ كَلامٍ غَيْرِ داخِلٍ في حَيِّزِ التَّفْصِيلِ، ويُوهِمُ ظاهِرُ كَلامِ بَعْضِهِمُ الدُّخُولَ وأنَّهُ تَعالى أفْرَدَ المُهاجِرِينَ بِالذِّكْرِ مَعَ دُخُولِهِمْ دُخُولًا أوَّلِيًّا في الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِمْ وهو كَما تَرى، ﴿وإنَّ اللَّهَ لَهو خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ فَإنَّهُ جَلَّ وعَلا يَرْزُقُ بِغَيْرِ حِسابٍ مَعَ أنَّ ما يَرْزُقُهُ قَدْ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أحَدٌ غَيْرُهُ سُبْحانَهُ وأنَّ غَيْرَهُ تَعالى إنَّما يَرْزُقُ مِمّا رَزَقَهُ هو جَلَّ شَأْنُهُ.
واسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ قَدْ يُقالُ لِغَيْرِهِ تَعالى رازِقٌ والمُرادُ بِهِ مُعْطى، والأوْلى عِنْدِي أنْ لا يُطْلَقَ رازِقٌ عَلى غَيْرِهِ تَعالى وأنْ لا يُتَجاوَزَ عَمّا ورَدَ.
وأمّا إسْنادُ الفِعْلِ إلى غَيْرِهِ تَعالى كَرَزَقَ الأمِيرُ الجُنْدِيَّ وأرْزَقَ فُلانًا مِن كَذا فَهو أهْوَنُ مِن إطْلاقِ رازِقٍ ولَعَلَّهُ مِمّا لا بَأْسَ بِهِ، وصَرَّحَ الرّاغِبُ بِأنَّ الرَّزّاقَ لا يُقالُ إلّا لِلَّهِ تَعالى، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ.
{"ayah":"وَٱلَّذِینَ هَاجَرُوا۟ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوۤا۟ أَوۡ مَاتُوا۟ لَیَرۡزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزۡقًا حَسَنࣰاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ خَیۡرُ ٱلرَّ ٰزِقِینَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











