الباحث القرآني

﴿ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا في مِرْيَةٍ﴾ أيْ في شَكٍّ ﴿مِنهُ﴾ أيْ مِنَ القُرْآنِ وقِيلَ: مِنَ الرَّسُولِ، ويَجُوزُ أنْ يَرْجِعَ الضَّمِيرُ إلى المُوحِي عَلى ما سَمِعْتَ و«مِن» عَلى جَمِيعِ ذَلِكَ ابْتِدائِيَّةٌ، وجُوِّزَ أنْ يَرْجِعَ إلى ما ألْقى الشَّيْطانُ واخْتِيرَ عَلَيْهِ أنَّ مِن سَبَبِيَّةٌ فَإنَّ مِرْيَةَ الكُفّارِ فِيما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِسَبَبِ ما ألْقى الشَّيْطانُ في المُوحى مِنَ الشُّبَهِ والتَّخَيُّلاتِ فَتَأمَّلْ ﴿حَتّى تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ﴾ أيِ القِيامَةُ نَفْسُها كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَغْتَةً﴾ أيْ فَجْأةً فَإنَّها المَوْصُوفَةُ بِالإتْيانِ كَذَلِكَ، وقِيلَ: أشْراطُها عَلى حَذْفِ المُضافِ أوْ عَلى التَّجَوُّزِ. وقِيلَ: المَوْتُ عَلى أنَّ التَّعْرِيفَ في ( السّاعَةُ ) لِلْعَهْدِ ﴿أوْ يَأْتِيَهم عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ أيْ مُنْفَرِدٌ عَنْ سائِرِ الأيّامِ لا مَثِيلَ لَهُ في شِدَّتِهِ أوْ لا يَوْمَ بَعْدَهُ كَأنَّ كُلَّ يَوْمٍ يَلِدُ ما بَعْدَهُ مِنَ الأيّامِ فَما لا يَوْمَ بَعْدَهُ يَكُونُ عَقِيمًا والمُرادُ بِهِ السّاعَةُ بِمَعْنى يَوْمِ القِيامَةِ أيْضًا كَأنَّهُ قِيلَ أوْ يَأْتِيَهِمْ عَذابُها فَوُضِعَ ذَلِكَ مَوْضِعَ ضَمِيرِها لِمَزِيدِ التَّهْوِيلِ والتَّخْوِيفِ. و«أوْ» في مَحَلِّها لِتَغايُرِ السّاعَةِ وعَذابِها وهي لِمَنعِ الخُلُوِّ وكانَ المُرادُ المُبالَغَةُ في اسْتِمْرارِهِمْ عَلى المِرْيَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِيَوْمٍ عَقِيمٍ يَوْمَ مَوْتِهِمْ فَإنَّهُ لا يَوْمَ بَعْدَهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ، وقِيلَ المُرادُ بِهِ يَوْمَ حَرْبٍ يُقْتَلُونَ فِيهِ، ووُصِفَ بِالعَقِيمِ لِأنَّ أوْلادَ النِّساءِ يُقْتَلُونَ فِيهِ فَيَصِرْنَ كَأنَّهُنَّ عُقُمٌ لَمْ يَلِدْنَ أوْ لِأنَّ المُقاتِلِينَ يُقالُ لَهم أبْناءُ الحَرْبِ فَإذا قُتِلُوا وُصِفَ يَوْمُ الحَرْبِ بِالعَقِيمِ، وفِيهِ عَلى الأوَّلِ مَجازٌ في الإسْنادِ ومَجازٌ في المُفْرَدِ مِن جَعْلِ الثُّكْلِ عُقْمًا، وكَذا عَلى الثّانِي لِأنَّ الوَلُودَ والعَقِيمَ هي الحَرْبُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ بِالكِنايَةِ فَإذا وُصِفَ يَوْمُ الحَرْبِ بِذَلِكَ كانَ مَجازًا في الإسْنادِ، ومِن ثَمَّ قِيلَ: إنَّهُ مَجازٌ مُوَجَّهٌ مِن قَوْلِهِمْ ثَوْبٌ مُوَجَّهٌ لَهُ وجْهانِ، وقِيلَ: هو الَّذِي لا خَيْرَ فِيهِ يُقالُ: رِيحٌ عَقِيمٌ إذا لَمْ تُنْشِئْ مَطَرًا ولَمْ تُلَقِّحْ شَجَرًا، وفِيهِ عَلى هَذا اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ لِأنَّ ما في اليَوْمِ مِنَ الصِّفَةِ المانِعَةِ مِنَ الخَيْرِ جُعِلَ بِمَنزِلَةِ العُقْمِ، وخَصَّ غَيْرُ واحِدٍ هَذا اليَوْمَ بِيَوْمِ بَدْرٍ فَإنَّهُ يَوْمُ حَرْبِ قُتِلَ فِيهِ عُتاةُ الكَفَرَةِ ويَوْمٌ لا خَيْرَ فِيهِ لَهم، ويَصِحُّ أيْضًا أنْ يَكُونَ وصْفُهُ بِعَقِيمٍ لِتَفَرُّدِهِ بِقِتالِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فِيهِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الظّاهِرَ مِمّا يَأْتِي بَعْدُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَعَيَّنَ تَفْسِيرُ هَذا اليَوْمِ بِيَوْمِ القِيامَةِ، هَذا وجُوِّزَ أنْ يُرادَ مِنَ الشَّيْطانِ شَيْطانُ الإنْسِ كالنَّضْرِ بْنِ الحَرْثِ كانَ يُلْقِي الشُّبَهَ إلى قَوْمِهِ وإلى الوافِدِينَ يُثَبِّطُهم بِها عَنِ الإسْلامِ، وقِيلَ: ضَمِيرٌ ﴿أُمْنِيَّتِهِ﴾ لِلشَّيْطانِ والمُرادُ بِها الصُّورَةُ الحاصِلَةُ في النَّفْسِ مِن تَمَنِّي الشَّيْءِ و«فِي» لِلسَّبَبِيَّةِ مِثْلِها في قَوْلِهِ ﷺ: ««إنَّ امْرَأةً دَخَلَتِ النّارَ في هِرَّةٍ»» أيْ ألْقى الشَّيْطانُ بِسَبَبِ أُمْنِيَّتِهِ الشُّبَهَ وأبْداها لِيُبْطِلَ بِها الآياتِ» . وقِيلَ: «تَمَنّى» قَرَأ و«أُمْنِيَّتُهُ» قِراءَتُهُ والضَّمِيرُ لِلنَّبِيِّ أوِ الرَّسُولِ ( وفِيّ ) عَلى ظاهِرِها، والمُرادُ بِما يُلْقِي الشَّيْطانُ ما يَقَعُ لِلْقارِئِ مِن إبْدالِ كَلِمَةٍ بِكَلِمَةٍ أوْ حَرْفٍ بِحَرْفٍ أوْ تَغْيِيرِ إعْرابٍ سَهْوًا، وقِيلَ: المُرادُ ما يُلْقِيهِ في الآياتِ المُتَشابِهَةِ مِنَ الِاحْتِمالاتِ الَّتِي لَيْسَتْ مُرادًا لِلَّهِ تَعالى، وقِيلَ: تَمَنّى هَيَّأ وقَدَّرَ في نَفْسِهِ ما يَهْواهُ ( وأُمْنِيَّتِهِ ) قِراءَتُهُ، والمَعْنى إذا تَمَنّى إيمانَ قَوْمِهِ وهِدايَتَهم ألْقى الشَّيْطانُ إلى أوْلِيائِهِ شُبَهًا فَيَنْسَخُ اللَّهُ تَعالى تِلْكَ الشُّبَهَ ويُحْكِمُ الآياتِ الدّالَّةَ عَلى دَفْعِها، وقِيلَ: ( تَمَنّى ) قَدَّرَ في نَفْسِهِ ما يَهْواهُ ( وأُمْنِيَّتِهِ ) تَشْبِيهٌ وما يُلْقِيهِ الشَّيْطانُ ما يُوجِبُ اشْتِغالَهُ في الدُّنْيا، وجَعْلُهُ فِتْنَةً بِاعْتِبارِ ما يَظْهَرُ مِنهُ مِنَ الِاشْتِغالِ بِأُمُورِ الدُّنْيا، ونَسْخُهُ إبْطالُهُ بِعِصْمَتِهِ عَنِ الرُّكُونِ إلَيْهِ والإرْشادُ إلى ما يُزِيِّنُهُ. (p-176)وقِيلَ: ( تَمَنّى ) قَرَأ ( وأُمْنِيَّتِهِ ) قِراءَتُهُ وما يُلْقِي الشَّيْطانُ كَلِماتٍ تُشابِهُ الوَحْيَ يَتَكَلَّمُ بِها الشَّيْطانُ بِحَيْثُ يَظُنُّ السّامِعُ أنَّها مِن قِراءَةِ النَّبِيِّ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ حِينَ قَرَأ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى﴾ ﴿ومَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى﴾ فَألْقى الشَّيْطانُ في سَكْتَتِهِ مُحاكِيًا نَغَمَتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِحَيْثُ يَسْمَعُهُ مَن حَوْلَهُ تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلا وإنَّ شَفاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجى فَظَنَّ المُشْرِكُونَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هو المُتَكَلِّمُ بِذَلِكَ فَفَرِحُوا وسَجَدُوا مَعَهُ لَمّا سَجَدَ آخِرَ السُّورَةِ، وقِيلَ: المُتَكَلِّمُ بِذَلِكَ بَعْضُ المُشْرِكِينَ وظَنَّ سائِرُهم أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هو المُتَكَلِّمُ بِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ هو الَّذِي تَكَلَّمَ بِذَلِكَ عامِدًا لَكِنْ مُسْتَفْهِمًا عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ والِاحْتِجاجِ عَلى المُشْرِكِينَ، وجُعِلَ مِن إلْقاءِ الشَّيْطانِ لِما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِن ظَنِّ المُشْرِكِينَ أنَّهُ مَدْحٌ لِآلِهَتِهِمْ، ولا يَمْنَعُ ذَلِكَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يُصَلِّي لِأنَّ الكَلامَ في الصَّلاةِ كانَ جائِزًا إذْ ذاكَ، وقِيلَ: بَلْ كانَ ساهِيًا، فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِن طَرِيقِ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: حَدَّثَنِي أبُو بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ««أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو بِمَكَّةَ قَرَأ عَلَيْهِمْ والنَّجْمِ فَلَمّا بَلَغَ ﴿أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى﴾ ﴿ومَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى﴾ [النَّجْمَ: 19، 20] قالَ: إنَّ شَفاعَتَهُنَّ تُرْتَجى وسَها رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَفَرِحَ المُشْرِكُونَ بِذَلِكَ فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «ألا إنَّما ذَلِكَ مِنَ الشَّيْطانِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿وما أرْسَلْنا﴾ - حَتّى بَلَغَ- ﴿عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾»، قالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ: وهو خَبَرٌ مُرْسَلٌ صَحِيحُ الإسْنادِ، وقِيلَ: تَكَلَّمَ بِذَلِكَ ناعِسًا. فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: «بَيْنا نَبِيُّ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُصَلِّي عِنْدَ المَقامِ إذْ نَعَسَ فَألْقى الشَّيْطانُ عَلى لِسانِهِ كَلِمَةً فَتَكَلَّمَ بِها فَقالَ: ﴿أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى﴾ ﴿ومَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى﴾ وإنَّ شَفاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجى وإنَّها لَمَعَ الغَرانِيقِ العُلا فَحَفِظَها المُشْرِكُونَ وأخْبَرَهُمُ الشَّيْطانُ أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَدْ قَرَأها فَزَلَّتْ ألْسِنَتُهم فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿وما أرْسَلْنا﴾ الآيَةَ»، وقِيلَ: ( تَمَنّى ) قَدَّرَ في نَفْسِهِ ما يَهْواهُ و﴿أُمْنِيَّتِهِ﴾ قِراءَتِهِ وما يُلْقِي الشَّيْطانُ كَلِماتٍ تُشابِهُ الوَحْيَ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ مُوسى بْنِ عُقْبَةَ عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: «أُنْزِلَتْ سُورَةُ النَّجْمِ وكانَ المُشْرِكُونَ يَقُولُونَ: لَوْ كانَ هَذا الرَّجُلُ يَذْكُرُ آلِهَتَنا بِخَيْرٍ أقْرَرْناهُ وأصْحابَهُ ولَكِنَّهُ لا يَذْكُرُ مَن خالَفَ دِينَهُ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى بِمِثْلِ الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَنا مِنَ الشَّتْمِ والشَّرِّ وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدِ اشْتَدَّ عَلَيْهِ ما نالَهُ أصْحابُهُ مِن أذاهم وتَكْذِيبِهِمْ وأحْزَنَهُ ضَلالَتُهم فَكانَ يَتَمَنّى هُداهم فَلَمّا أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى سُورَةَ النَّجْمِ قالَ: ﴿أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى﴾ ﴿ومَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى﴾ ألْقى الشَّيْطانُ عِنْدَها كَلِماتٍ فَقالَ: وإنَّهُنَّ لَهُنَّ الغَرانِيقُ العُلا وإنَّ شَفاعَتَهُنَّ لَهي الَّتِي تُرْتَجى وكانَ ذَلِكَ مِن سَجْعِ الشَّيْطانِ وفِتْنَتِهِ فَوَقَعَتْ هاتانِ الكَلِمَتانِ في قَلْبِ كُلِّ مُشْرِكٍ بِمَكَّةَ وزَلَّتْ بِهِما ألْسِنَتُهم وتَباشَرُوا بِهِما وقالُوا، إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ رَجَعَ إلى دِينِهِ الأوَّلِ ودِينِ قَوْمِهِ فَلَمّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آخِرَ النَّجْمِ سَجَدَ وسَجَدَ كُلُّ مَن حَضَرَ مِن مُسْلِمٍ أوْ مُشْرِكٍ فَفَشَتْ تِلْكَ الكَلِمَةُ في النّاسِ وأظْهَرَها الشَّيْطانُ حَتّى بَلَغَتْ أرْضَ الحَبَشَةِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿وما أرْسَلْنا﴾ الآياتِ»، وقِيلَ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ ألْقاها الشَّيْطانُ تَكَلَّمَ بِها ظانًّا أنَّها وحْيٌ حَتّى نَبَّهَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَفي الدُّرِّ المَنثُورِ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِمَكَّةَ النَّجْمَ فَلَمّا بَلَغَ ﴿أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى﴾ ﴿ومَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى﴾ ألْقى الشَّيْطانُ عَلى لِسانِهِ تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلا وإنَّ (p-177)شَفاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجى قالُوا: ما ذَكَرَ آلِهَتَنا بِخَيْرٍ قَبْلَ اليَوْمِ فَسَجَدَ وسَجَدُوا ثُمَّ جاءَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ ذَلِكَ فَقالَ: أعْرِضْ عَلَيَّ ما جِئْتُكَ بِهِ فَلَمّا بَلَغَ تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلا وإنَّ شَفاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجى قالَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِما السَّلامُ: لَمْ آتِكَ بِهَذا هَذا مِنَ الشَّيْطانِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿وما أرْسَلْنا﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ البَزّارُ والطَّبَرِيُّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ بِسَنَدٍ رِجالُهُ ثِقاتٌ مِن طَرِيقِ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَ ذَلِكَ لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ حَدِيثُ السُّجُودِ وفِيهِ أيْضًا مُغايِرَةٌ يَسِيرَةٌ غَيْرُ ذَلِكَ، وجاءَ حَدِيثُ السُّجُودِ في خَبَرٍ آخَرَ عَنْهُ أخْرَجَهُ البَزّارُ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ أيْضًا مِن طَرِيقِ أُمَيَّةَ بْنِ خالِدٍ عَنْ شُعْبَةَ لَكِنْ قالَ في إسْنادِهِ: عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فِيما أحْسَبُ فَشَكَّ في وصْلِهِ، وفي رِوايَةِ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ «أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَ عَرَضَ عَلَيْهِ ذَلِكَ: مَعاذَ اللَّهِ أنْ أكُونَ أقْرَأْتُكَ هَذا فاشْتَدَّ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى وطَيَّبَ نَفْسَهُ ﴿وما أرْسَلْنا﴾ الآيَةَ» قِيلَ: والمُشابَهَةُ ما ألْقى الشَّيْطانُ لِلْوَحْيِ المُنَزَّلِ وكَوْنُهُ في أثْنائِهِ أطْلَقَ عَلى إبْطالِهِ اسْمَ النَّسْخِ الشّائِعَ إيقاعُهُ عَلى ما هو وحْيٌ حَقِيقَةً لَكِنْ لا يَخْفى أنَّ النَّسْخَ الشَّرْعِيَّ لا يَتَعَلَّقُ بِنَحْوِ ما ذُكِرَ مِنَ الأخْبارِ فَلا بُدَّ مِن تَأْوِيلٍ ما لِذَلِكَ، وقَدْ أنْكَرَ كَثِيرٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ هَذِهِ القِصَّةَ فَقالَ البَيْهَقِيُّ: هَذِهِ القِصَّةُ غَيْرُ ثابِتَةٍ مِن جِهَةِ النَّقْلِ. وقالَ القاضِي عِياضٌ في الشِّفاءِ: يَكْفِيكَ في تَوْهِينِ هَذا الحَدِيثِ أنَّهُ لَمْ يُخْرِجْهُ أحَدٌ مِن أهْلِ الصِّحَّةِ ولا رَواهُ ثِقَةٌ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ سَلِيمٍ مُتَّصِلٍ وإنَّما أُولِعَ بِهِ وبِمِثْلِهِ المُفَسِّرُونَ والمُؤَرِّخُونَ المُولَعُونَ بِكُلِّ غَرِيبٍ المُتَلَقِّفُونَ مِنَ الصُّحُفِ كُلَّ صَحِيحٍ وسَقِيمٍ. وفِي البَحْرِ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ سُئِلَ عَنْها الإمامُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ جامِعُ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ فَقالَ: هَذا مِن وضْعِ الزَّنادِقَةِ وصَنَّفَ في ذَلِكَ كِتابًا. وذَكَرَ الشَّيْخُ أبُو مَنصُورٍ الماتُرِيدِيُّ في كِتابِ حِصَصِ الأتْقِياءِ الصَّوابُ أنَّ قَوْلَهُ: تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلا مِن جُمْلَةِ إيحاءِ الشَّيْطانِ إلى أوْلِيائِهِ مِنَ الزَّنادِقَةِ حَتّى يُلْقُوا بَيْنَ الضُّعَفاءِ وأرِقّاءِ الدِّينِ لِيَرْتابُوا في صِحَّةِ الدِّينِ وحَضْرَةُ الرِّسالَةِ بَرِيئَةٌ مِن مِثْلِ هَذِهِ الرِّوايَةِ. وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ يَلْزَمُ عَلى القَوْلِ بِأنَّ النّاطِقَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ بِسَبَبِ إلْقاءِ الشَّيْطانِ المُلَبِّسِ بِالمَلَكِ أُمُورٌ. مِنها تَسَلُّطُ الشَّيْطانِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو ﷺ بِالإجْماعِ مَعْصُومٌ مِنَ الشَّيْطانِ لا سِيَّما في مِثْلِ هَذا مِن أُمُورِ الوَحْيِ والتَّبْلِيغِ والِاعْتِقادِ، وقَدْ قالَ سُبْحانَهُ ( إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ ) [الحِجْرَ: 42، الإسْراءَ: 65] وقالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النَّحْلَ: 99] إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ومِنها زِيادَتُهُ ﷺ في القُرْآنِ ما لَيْسَ مِنهُ وذَلِكَ مِمّا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِمَكانِ العِصْمَةِ، ومِنها اعْتِقادُ النَّبِيِّ ﷺ ما لَيْسَ بِقُرْآنٍ أنَّهُ قُرْآنٌ مَعَ كَوْنِهِ بَعِيدَ الِالتِئامِ مُتَناقِضًا مُمْتَزِجَ المَدْحِ بِالذَّمِّ وهو خَطَأٌ شَنِيعٌ لا يَنْبَغِي أنْ يُتَساهَلَ في نِسْبَتِهِ إلَيْهِ ﷺ، ومِنها أنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِنْدَ نُطْقِهِ بِذَلِكَ مُعْتَقِدًا ما اعْتَقَدَهُ المُشْرِكُونَ مِن مَدْحِ آلِهَتِهِمْ بِتِلْكَ الكَلِماتِ وهو كُفْرٌ مُحالٌ في حَقِّهِ ﷺ وإمّا أنْ يَكُونَ مُعْتَقِدًا مَعْنًى آخَرَ مُخالِفًا لِما اعْتَقَدُوهُ ومُبايِنًا لِظاهِرِ العِبارَةِ ولَمْ يُبَيِّنْهُ لَهم مَعَ فَرَحِهِمْ وادِّعائِهِمْ أنَّهُ مَدَحَ آلِهَتَهم فَيَكُونُ مُقِرًّا لَهم عَلى الباطِلِ وحاشاهُ ﷺ أنْ يُقِرَّ عَلى ذَلِكَ. ومِنها كَوْنُهُ ﷺ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ ما يُلْقِيهِ الشَّيْطانُ بِما يُلْقِيهِ عَلَيْهِ المَلَكُ وهو يَقْتَضِي أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى غَيْرِ بَصِيرَةٍ فِيما يُوحى إلَيْهِ، ويَقْتَضِي أيْضًا جَوازَ تَصَوُّرِ الشَّيْطانِ بِصُورَةِ المَلَكِ مُلَبِّسًا عَلى النَّبِيِّ ولا يَصِحُّ ذَلِكَ كَما قالَ في الشِّفاءِ لا في أوَّلِ الرِّسالَةِ ولا بَعْدَها والِاعْتِمادُ في ذَلِكَ دَلِيلُ المُعْجِزَةِ. (p-178)وقالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: تَصَوُّرُ الشَّيْطانِ في صُورَةِ المَلَكِ مُلَبِّسًا عَلى النَّبِيِّ كَتَصَوُّرِهِ في صُورَةِ النَّبِيِّ مُلَبِّسًا عَلى الخَلْقِ وتَسْلِيطُ اللَّهِ تَعالى عَلى ذَلِكَ كَتَسْلِيطِهِ في هَذا فَكَيْفَ يَسُوغُ في لُبِّ سَلِيمٍ اسْتِجازَةُ ذَلِكَ. ومِنها التَّقَوُّلُ عَلى اللَّهِ تَعالى إمّا عَمْدًا أوْ خَطَأً أوْ سَهْوًا. وكُلُّ ذَلِكَ مُحالٌ في حَقِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقَدِ اجْتَمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى ما قالَ القاضِي عِياضٌ عَلى عِصْمَتِهِ ﷺ فِيما كانَ طَرِيقَهُ البَلاغُ مِنَ الأقْوالِ عَنِ الإخْبارِ بِخِلافِ الواقِعِ لا قَصْدًا ولا سَهْوًا، ومِنها الإخْلالُ بِالوُثُوقِ بِالقُرْآنِ فَلا يُؤْمَنُ فِيهِ التَّبْدِيلُ والتَّغْيِيرُ، ولا يَنْدَفِعُ كَما قالَ البَيْضاوِيُّ بِقَوْلِهِ تَعالى: فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ، لِأنَّهُ أيْضًا يُحْتَمَلُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ. وذَهَبَ إلى صِحَّتِها الحافِظُ بْنُ حَجَرٍ في شَرْحِ البُخارِيِّ وساقَ طُرُقًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ ثُمَّ قالَ: وكُلُّها سِوى طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ إمّا ضَعِيفٌ وإمّا مُنْقَطِعٌ لَكِنَّ كَثْرَةَ الطُّرُقِ تَدُلُّ عَلى أنَّ لَها أصْلًا مَعَ أنَّ لَها طَرِيقًا مُتَّصِلًا بِسَنَدٍ صَحِيحٍ أخْرَجَهُالبَزّارُ وطَرِيقَيْنِ آخَرَيْنِ مُرْسَلَيْنِ رِجالُهُما عَلى شَرْطِ الصَّحِيحَيْنِ، أحَدُهُما ما أخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِن طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ شِهابٍ، والثّانِي ما أخْرَجَهُ أيْضًا مِن طَرِيقِ المُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمانَ وحَمّادِ بْنِ سَلَمَةَ فَرْقُهُما عَنْ داوُدَ بْنِ أبِي هِنْدٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ، ثُمَّ أخَذَ في الرَّدِّ عَلى أبِي بَكْرِ بْنِ العَرَبِيِّ والقاضِي عِياضٍ في إنْكارِهِما الصِّحَّةَ. وذَهَبَ إلى صِحَّةِ القِصَّةِ أيْضًا خاتِمَةُ المُتَأخِّرِينَ الشَّيْخُ إبْراهِيمُ الكُورانِيُّ ثُمَّ المَدَنِيُّ، وذَكَرَ بَعْدَ كَلامٍ طَوِيلٍ أنَّهُ تَحَصَّلَ مِن ذَلِكَ أنَّ الحَدِيثَ أخْرَجَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِن أهْلِ الصِّحَّةِ وأنَّهُ رَواهُ ثِقاتٌ بِسَنَدٍ سَلِيمٍ مُتَّصِلٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وبِثَلاثِ أسانِيدَ صَحِيحَةٍ عَنْ ثَلاثٍ مِنَ التّابِعِينَ مِن أئِمَّةِ التَّفْسِيرِ الآخِذِينَ عَنِ الصَّحابَةِ وهم سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وأبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وأبُو العالِيَةِ، وقَدْ قالَ السُّيُوطِيُّ في لُبابِ النُّقُولِ في أسْبابِ النُّزُولِ: قالَ الحاكِمُ في عُلُومِ الحَدِيثِ: إذا أخْبَرَ الصَّحابِيُّ الَّذِي شَهِدَ الوَحْيَ والتَّنْزِيلَ عَنْ آيَةٍ مِنَ القُرْآنِ أنَّها نَزَلَتْ في كَذا فَإنَّهُ حَدِيثٌ مُسْنَدٌ ومَشى عَلَيْهِ ابْنُ الصَّلاحِ وغَيْرُهُ ثُمَّ قالَ: ما جَعَلْناهُ مِن قَبِيلِ المُسْنَدِ مِنَ الصَّحابِيِّ إذا وقَعَ مِن تابِعِيٍّ فَهو مَرْفُوعٌ أيْضًا لَكِنَّهُ مُرْسَلٌ فَقَدْ يُقْبَلُ إذا صَحَّ السَّنَدُ إلَيْهِ وكانَ مِن أئِمَّةِ التَّفْسِيرِ الآخِذِينَ عَنِ الصَّحابَةِ كَمُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أوِ اعْتَضَدَ بِمُرْسَلٍ ونَحْوِ ذَلِكَ، فَعَلى هَذا يَكُونُ الخَبَرُ في هَذِهِ القِصَّةِ مُسْنَدًا مِنَ الطَّرِيقِ المُتَّصِلَةِ بِابْنِ عَبّاسٍ مُرْسَلًا مَرْفُوعًا مِنَ الطُّرُقِ الثَّلاثَةِ والزِّيادَةُ فِيهِ الَّتِي رَواها الثِّقاتُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في غَيْرِ رِوايَةِ البُخارِيِّ لَيْسَتْ مُخالِفَةً لِما في البُخارِيِّ عَنْهُ فَلا تَكُونُ شاذَّةً فَإطْلاقُ الطَّعْنِ فِيهِ مِن حَيْثُ النَّقْلِ لَيْسَ في مَحَلِّهِ، وأجابَ عَمّا يَلْزَمُ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ النّاطِقِ بِذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ، أمّا عَنِ الأوَّلِ فَبِأنَّ السُّلْطانَ المَنفِيَّ عَنِ العِبادِ المُخْلَصِينَ هو الإغْواءُ أعْنِي التَّلْبِيسَ المُخِلَّ بِأمْرِ الدِّينِ وهو الَّذِي وقَعَ الإجْماعُ عَلى أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعْصُومٌ مِنهُ وأمّا غَيْرُ المُخِلِّ فَلا دَلِيلَ عَلى نَفْيِهِ ولا إجْماعَ عَلى العِصْمَةِ مِنهُ وما هُنا غَيْرُ مُخِلٍّ لِعَدَمِ مُنافاتِهِ لِلتَّوْحِيدِ كَما يُبَيَّنُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بَلْ فِيهِ تَأْدِيبٌ وتَصْفِيَةٌ وتَرْقِيَةٌ لِلْحَبِيبِ الأعْظَمِ ﷺ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَمَنّى هَدْيَ الكُلِّ ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُرادَ اللَّهِ تَعالى والأكْمَلُ في العُبُودِيَّةِ فَناءُ إرادَتِهِ في إرادَةِ الحَقِّ سُبْحانَهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الإلْقاءُ حالَةَ تَمَنّى هَدْيِ الكُلِّ المُصادِمِ لِلْقَدَرِ والمُنافِي لِما هو الأكْمَلُ لِيَتَرَقّى إلى الأكْمَلِ وقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ بِهَذِهِ المَرَّةِ ولِذا لَمْ يَقَعِ التَّلْبِيسُ مَرَّةً أُخْرى بَلْ كانَ يُرْسَلُ بَعْدُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ رَصَدٌ لِيُعْلَمَ أنْ قَدْ أبْلَغُوا رِسالَةَ رَبِّهِ سُبْحانَهُ، وفي تَرْتِيبِ الإلْقاءِ عَلى التَّمَنِّي ما يُفْهِمُ العِتابَ عَلَيْهِ وأمّا عَنِ الثّانِي فَبِأنَّ المُسْتَحِيلَ المُنافِيَ لِلْعِصْمَةِ أنْ يَزِيدَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيهِ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ أيْ يَزِيدُ فِيهِ ما يَعْلَمُ أنَّهُ لَيْسَ مِنهُ وما هُنا (p-179)لَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّما تَبِعَ فِيهِ الإلْقاءَ المُلَبَّسَ عَلَيْهِ في حالَةٍ خاصَّةٍ فَقَطْ تَأْدِيبًا أنْ يَعُودَ لِمِثْلِ تِلْكَ الحالَةِ، وأمّا عَنِ الثّالِثِ فَبِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ نَطَقَ بِهِ عَلى فَهْمِ أنَّهُ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ حُذِفَ مِنهُ الهَمْزَةُ أوْ حِكايَةً عَنْهم بِحَذْفِ القَوْلِ وحِينَئِذٍ لا يَكُونُ بَعِيدَ الِالتِئامِ ولا مُتَناقِضًا ولا مُمْتَزِجَ المَدْحِ بِالذَّمِّ ولا بُدَّ مِنَ التِزامِ أحَدِ الأمْرَيْنِ عَلى تَقْدِيرِ صِحَّةِ الخَبَرِ لِمَكانِ العِصْمَةِ، والنُّكْتَةُ في التَّعْبِيرِ كَذَلِكَ إيهامُ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والقاسِيَةُ قُلُوبِهِمْ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَدَحَ آلِهَتَهم ويَحْصُلُ ذَلِكَ مُرادُ اللَّهِ تَعالى المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لِيَجْعَلَ﴾ إلَخْ، وأمّا عَنِ الرّابِعِ فَبِأنّا نَخْتارُ الشِّقَّ الثّانِيَ بِناءً عَلى أنَّهُ اسْتِفْهامٌ حُذِفَ مِنهُ الهَمْزَةُ أوْ حِكايَةٌ بِحَذْفِ القَوْلِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ يَكُونُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُعْتَقِدًا لِمَعْنًى مُخالِفٍ لِما اعْتَقَدُوهُ ولا يَلْزَمُ مِنهُ التَّقْرِيرُ عَلى الباطِلِ لِأنَّهُ بَيَّنَ بُطْلانَ مُعْتَقَدِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدُ: ﴿إنْ هي إلا أسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾ [النَّجْمَ: 23] فَإنَّ ما لَمْ يُنْزِلِ اللَّهُ تَعالى بِهِ سُلْطانًا لا تُرْجى شَفاعَتُهُ إذْ لا شَفاعَةَ إلّا مِن بَعْدِ إذْنٍ إلَهِيٍّ لِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدُ: ﴿وكَمْ مِن مَلَكٍ في السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهم شَيْئًا إلا مِن بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشاءُ ويَرْضى﴾ [النَّجْمَ: 26] . وأمّا عَنِ الخامِسِ فَبِأنَّ هَذا الِاشْتِباهَ في حالَةٍ خاصَّةٍ لِلتَّأْدِيبِ لا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى غَيْرِ بَصِيرَةٍ فِيما يُوحى إلَيْهِ في غَيْرِ تِلْكَ الحالَةِ، وأمّا قَوْلُ القاضِي عِياضٍ: لا يَصِحُّ أنْ يَتَصَوَّرَ الشَّيْطانُ بِصُورَةِ المَلَكِ ويُلَبَّسَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَإنْ أرادَ بِهِ أنَّهُ لا يَصِحُّ أنْ يُلَبَّسَ تَلْبِيسًا قادِحًا فَهو مُسَلَّمٌ لَكِنَّهُ لَمْ يَقَعْ وإنْ أرادَ مُطْلَقًا ولَوْ كانَ غَيْرَ مُخِلٍّ فَلا دَلِيلَ عَلَيْهِ، ودَلِيلُ المُعْجِزَةِ إنَّما يَنْفِي الِاشْتِباهَ المُخِلَّ بِأمْرِ النُّبُوَّةِ المُنافِي لِلتَّوْحِيدِ القادِحِ في العِصْمَةِ وما ذُكِرَ غَيْرُ مُخِلٍّ بَلْ فِيهِ تَأْدِيبٌ بِما يَتَضَمَّنُ تَنْقِيَةً وتَرْقِيَةً إلى الأكْمَلِ في العُبُودِيَّةِ. وأمّا ما ذَكَرَ ابْنُ العَرَبِيِّ فَقِياسٌ مَعَ الفارِقِ لِأنَّ تَصَوُّرَ الشَّيْطانِ في صُورَةِ النَّبِيِّ مُطْلَقًا مَنفِيٌّ بِالنَّصِّ الصَّحِيحِ وتَصَوُّرَهُ في صُورَتِهِ مُلَبِّسًا عَلى الخَلْقِ إغْواءً يَعُمُّ وهو سُلْطانٌ مَنفِيٌّ بِالنَّصِّ عَنِ المُخْلَصِينَ، وأمّا تَصَوُّرُهُ في صُورَةِ المَلَكِ في حالَةٍ خاصَّةٍ مُلَبِّسًا عَلى النَّبِيِّ بِما لا يَكُونُ مُنافِيًا لِلتَّوْحِيدِ لِما يُرِيدُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ تَأْدِيبًا ولِإيهامِهِ خِلافَ المُرادِ فِتْنَةً لِقَوْمٍ فَلَيْسَ مِنَ السُّلْطانِ المَنفِيِّ ولا بِالتَّصَوُّرِ المَمْنُوعِ لِعَدَمِ إخْلالِهِ بِمَقامِ النُّبُوَّةِ. وأمّا عَنِ السّادِسِ فَبِأنَّ التَّقَوُّلَ تَكَلُّفُ القَوْلِ ومَن لا يَتَّبِعُ إلّا ما يُلْقى إلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى حَقِيقَةً أوِ اعْتِقادًا ناشِئًا مِن تَلْبِيسٍ غَيْرِ مُخِلٍّ لا تَكَلُّفَ لِلْقَوْلِ عِنْدَهُ فَلا تَقَوُّلَ عَلى اللَّهِ تَعالى أصْلًا ما أشْبَهَ هَذِهِ القِصَّةَ بِما تَضَمَّنَهُ حَدِيثُ ذِي اليَدَيْنِ فالتَّلْبِيسُ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الإلْقاءِ في حالَةِ التَّمَنِّي تَأْدِيبًا كَإيقاعِ السَّهْوِ عَلَيْهِ ﷺ في الصَّلاةِ بِاعْتِقادِ التَّمامِ تَشْرِيعًا والنُّطْقُ بِما ألْقاهُ الشَّيْطانُ في حالَةٍ خاصَّةٍ مِمّا لا يُنافِي التَّوْحِيدَ عَلى أنَّهُ قُرْآنٌ بِناءً عَلى اعْتِقادِ أنَّ المُلْقِيَ مَلَكٌ تَلْبِيسًا لِلتَّأْدِيبِ كالنُّطْقِ بِالسَّلامِ ثُمَّ بِلَمْ أنْسَ مُعْتَقِدًا أنَّهُ مُطابِقٌ لِلْواقِعِ بِناءً عَلى اعْتِقادِ التَّمامِ سَهْوًا، ووُقُوعُ البَيانِ عَلى لِسانِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ثُمَّ النَّسْخُ والإحْكامُ كَوُقُوعِ البَيانِ عَلى لِسانِ الصَّحابِيِّ ثُمَّ التَّدارُكُ وسُجُودُ السَّهْوِ فَكَما أنَّ السَّهْوَ لِلتَّشْرِيعِ غَيْرُ قادِحٍ في مَنصِبِ النُّبُوَّةِ كَذَلِكَ الِاشْتِباهُ في الإلْقاءِ لِلتَّأْدِيبِ غَيْرُ قادِحٍ، وكَما أنَّ النُّطْقَ بِلَمْ أنْسَ مَعَ تَبَيُّنِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ نَسِيَ صِدْقٌ بِناءً عَلى اعْتِقادِ التَّمامِ سَهْوًا كَذَلِكَ النُّطْقُ بِما يُلْقِيهِ الشَّيْطانُ في تِلْكَ الحالَةِ عَلى أنَّهُ قُرْآنٌ بِناءً عَلى اعْتِقادِ أنَّ المُلْقِيَ مَلَكٌ صِدْقٌ ولا شَيْءَ مِنَ الصِّدْقِ بِالتَّقَوُّلِ فَلا شَيْءَ مِنَ النُّطْقِ بِما يُلْقِيهِ الشَّيْطانُ في تِلْكَ الحالَةِ بِهِ، وما ذُكِرَ عَنِ القاضِي عِياضٍ مِن حِكايَةِ الإجْماعِ عَلى عَدَمِ جَوازِ دُخُولِ السَّهْوِ في الأقْوالِ التَّبْلِيغِيَّةِ كَما قالَ الحافِظُ بْنُ حَجَرٍ مُتَعَقَّبٌ. وأمّا عَنِ السّابِعِ فَبِأنَّهُ لا إخْلالَ بِالوُثُوقِ بِالقُرْآنِ عِنْدَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والَّذِينَ آمَنُوا لِأنَّ وُثُوقَ كُلٍّ مِنهُما (p-180)تابِعٌ لِوُثُوقِ مَتْبُوعِهِمُ الصّادِقِ الأمِينِ فَإذا جَزَمَ بِشَيْءٍ أنَّهُ كَذا جَزَمُوا بِهِ وإذا رَجَعَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَ الجَزْمِ رَجَعُوا كَما هو شَأْنُهم في نَسْخِ غَيْرِ هَذا مِنَ الآياتِ الَّتِي هي كَلامُ اللَّهِ تَعالى لَفْظًا ومَعْنًى إذْ قِيلَ نَسْخُ ما نُسِخَ لَفْظُهُ كانُوا جازِمِينَ بِأنَّهم مُتَعَبِّدُونَ بِتِلاوَتِهِ وبَعْدَ النَّسْخِ جَزَمُوا بِأنَّهم ما هم مُتَعَبِّدِينَ بِتِلاوَتِهِ، وما نُسِخَ حُكْمُهُ كانُوا جازِمِينَ بِأنَّهم مُكَلَّفُونَ بِحُكْمِهِ وبَعْدَ النَّسْخِ جَزَمُوا بِأنَّهم ما هم مُكَلَّفِينَ بِهِ، فَقَوْلُ البَيْضاوِيِّ: إنَّ ذَلِكَ لا يَنْدَفِعُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ﴾ إلَخْ لِأنَّهُ أيْضًا يَحْتَمِلُهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وبَيانُهُ أنَّهُ إنْ أرادَ أنَّهُ يَحْتَمِلُهُ عِنْدَ الفِرَقِ الأرْبَعِ المَذْكُورَةِ في الآياتِ وهُمُ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والقاسِيَةُ قُلُوبِهِمْ والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والَّذِينَ آمَنُوا فَهو مَمْنُوعٌ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ( ولِيَعْلَمَ ) إلَخْ عَلى انْتِقاءِ الِاحْتِمالِ عِنْدَ فَرِيقَيْنِ مِنَ الفِرَقِ الأرْبَعِ بَعْدَ النَّسْخِ والإحْكامِ، وإنْ أرادَ أنَّهُ يَحْتَمِلُهُ في الجُمْلَةِ أيْ عِنْدَ بَعْضٍ دُونِ بَعْضٍ فَهو مُسَلَّمٌ وغَيْرُ مُضِرٍّ لِعَدَمِ إخْلالِهِ بِالوُثُوقِ بِالقُرْآنِ عِنْدَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والَّذِينَ آمَنُوا، وأمّا إخْلالُهُ بِالنِّسْبَةِ إلى الفَرِيقَيْنِ الآخَرَيْنِ فَهو مُرادُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. هَذا واعْتُرِضَ عَلى الجَوابِ الأوَّلِ بِأنَّ التَّلْبِيسَ بِحَيْثُ يُشْتَبَهُ الأمْرُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَيَعْتَقِدُ أنَّ الشَّيْطانَ مَلَكٌ مُخِلٌّ بِمَقامِ النُّبُوَّةِ ونَقْصٌ فِيهِ فَإنَّ الوَلِيَّ الَّذِي هو دُونَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِمَراتِبَ لا يَكادُ يَخْفى عَلَيْهِ الطّائِعُ مِنَ العاصِي فَيُدْرِكُ نُورَ الطّاعَةِ وظُلْمَةَ المَعْصِيَةِ فَكَيْفَ بِمَن هو سَيِّدُ الأنْبِياءِ ونُورُ عُيُونِ قُلُوبِ الأوْلِياءِ يَلْتَبِسُ عَلَيْهِ مَن هو مَحْضُ نُورٍ بِمَن مَحْضُ دَيْجُورٍ، واشْتِباهُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْهِ ﷺ في بَعْضِ المَرّاتِ حَتّى لَمْ يَعْرِفْهُ إلى أنْ ذَهَبَ فَقالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ما شُبِّهَ ( عَلَيَّ ) مُنْذُ أتانِي قَبْلَ مُرَّتِي هَذِهِ وما عَرَفْتُهُ حَتّى ولّى إذا صَحَّ لَيْسَ مِن قَبِيلِ اشْتِباهِ الشَّيْطانِ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ اشْتِباهِ مَلَكٍ بِمَلَكٍ وكُلٌّ مِنهُما نُورانِيٌّ، وقَدْ كانَ يَأْتِيهِ ﷺ غَيْرُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ المَلائِكَةِ الكِرامِ، وأنْ يَكُونَ مِنَ اشْتِباهِ مَلَكٍ بِواحِدٍ مِنَ البَشَرِ نُورانِيٍّ أيْضًا لَمْ يَكُنْ رَآهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَبْلَ ذَلِكَ كالخَضِرِ وإلْياسَ مَثَلًا إنْ قُلْنا بِحَياتِهِما. وأيْضًا قالَ المُحَقِّقُونَ: إنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَيْسَ لَهم خاطِرٌ شَيْطانِيٌّ، وكَوْنُ ذَلِكَ لَيْسَ مِنهُ بَلْ كانَ مُجَرَّدَ إلْقاءٍ عَلى اللِّسانِ دُونَ القَلْبِ مَمْنُوعٌ ألا تَرى أنَّهُ قالَ تَعالى: ﴿ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ﴾ دُونَ ألْقى الشَّيْطانُ عَلى لِسانِهِ، وتَسْمِيَةُ القِراءَةِ أُمْنِيَّةً لِما أنَّ القارِئَ يُقَدِّرُ الحُرُوفَ في قَلْبِهِ أوَّلًا ثُمَّ يَذْكُرُها شَيْئًا فَشَيْئًا، وأيْضًا حِفْظُهُ ﷺ لِذَلِكَ إلى أنْ أمْسى كَما جاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ فَنَبَّهَهُ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِما السَّلامُ يَبْعُدُ كَوْنُ الإلْقاءِ عَلى اللِّسانِ فَقَطْ، عَلى أنّا لَوْ سَلَّمْنا ذَلِكَ وقُلْنا: إنَّ الشَّيْطانَ ألْقى عَلى لِسانِهِ ﷺ ولَمْ يُلْقِ في قَلْبِهِ كَما هو شَأْنُ الوَحْيِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ [الشُّعَراءَ: 193، 194] وقُلْنا: إنَّ ذَلِكَ مِمّا يُعْقَلُ لَلَزِمَ أنْ يَعْلَمَ ﷺ مِن خُلُوِّ قَلْبِهِ واشْتِغالِ لِسانِهِ عَلى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الوَحْيِ في شَيْءٍ ولَمْ يَحْتَجْ إلى أنْ يُعْلِمَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، والقَوْلُ بِأنَّهُ لُبِّسَ الحالُ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلتَّأْدِيبِ والتَّرْقِيَةِ إلى المَقامِ الأكْمَلِ في العُبُودِيَّةِ وهو فَناءُ إرادَتِهِ ﷺ في إرادَةِ مَوْلاهُ عَزَّ وجَلَّ حَيْثُ تَمَنّى إيمانَ الكُلِّ وحَرِصَ عَلَيْهِ ولَمْ يَكُنْ مُرادُ اللَّهِ تَعالى مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ لِأنَّ القائِلَ بِهِ زَعَمَ أنَّ التَّأْدِيبَ بِذَلِكَ كانَ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهم فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا في الأرْضِ أوْ سُلَّمًا في السَّماءِ فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [الأنْعامَ: 35] ولا شَكَّ أنَّ التَّأْدِيبَ بِهِ لَمْ يَبْقَ ولَمْ يَذَرْ ولَمْ يُقْرَنْ بِما فِيهِ تَسْلِيَةٌ أصْلًا فَإذا قِيلَ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى: إنَّ ذَلِكَ لَمْ يَنْجَعْ فَكَيْفَ يَنْجَعُ ما دُونَهُ، وأيْضًا أيَّةُ دَلالَةٍ في الآيَةِ عَلى التَّأْدِيبِ وهي لَمْ تَخْرُجْ مَخْرَجَ العِتابِ بَلْ مَخْرَجَ التَّسْلِيَةِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ عَمّا كانَ يَفْعَلُ المُشْرِكُونَ مِنَ السَّعْيِ في إبْطالِ الآياتِ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ (p-181)تَرْتِيبَ الإلْقاءِ عَلى التَّمَنِّي مَعَ ما في السِّباقِ والسِّياقِ مِمّا يَدُلُّ عَلى التَّسْلِيَةِ عَنْ ذَلِكَ يُجْدِي نَفْعًا في هَذا البابِ كَما لا يَخْفى عَلى ذَوِي الألْبابِ. ويَرُدُّ عَلى قَوْلِهِ: إنَّهُ بَعْدَ حُصُولِ التَّأْدِيبِ بِما ذَكَرَ كانَ يُرْسَلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ رَصَدٌ يَحْفَظُونَهُ مِن إلْقاءِ الشَّيْطانِ أنَّهُ لَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلى تَخْصِيصِ الإرْسالِ بِما بَعْدَ ذَلِكَ بَلِ الظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ كانَ في جَمِيعِ الأوْقاتِ فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ بْنِ مُزاحِمٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا مَنِ ارْتَضى مَنِ رَسُولٍ فَإنَّهُ يَسْلُكُ مَنِ بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجِنَّ: 27] قالَ: «كانَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذا بُعِثَ إلَيْهِ المَلَكُ بِالوَحْيِ بُعِثَ مَعَهُ مَلائِكَةٌ يَحْرُسُونَهُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ أنْ يَتَشَبَّهَ الشَّيْطانُ بِالمَلَكِ»، وقَدْ ذَكَرُوا أنَّ- كانَ- في ذَلِكَ لِلِاسْتِمْرارِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: ما جاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالقُرْآنِ إلى النَّبِيِّ ﷺ إلّا ومَعَهُ أرْبَعَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ حَفَظَةٌ، وهَذا صَرِيحٌ في ذَلِكَ ولا شَكَّ أنَّ هَذا الإلْقاءَ عِنْدَ مَن يَقُولُ بِهِ كانَ عِنْدَ نُزُولِ الوَحْيِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَيْنَما هو يُصَلِّي إذْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ قِصَّةُ آلِهَةِ العَرَبِ فَجَعَلَ يَتْلُوها فَسَمِعَهُ المُشْرِكُونَ فَقالُوا: إنّا نَسْمَعُهُ يَذْكُرُ آلِهَتَنا بِخَيْرٍ فَدَنَوْا مِنهُ فَبَيْنَما هو يَتْلُوها وهو يَقُولُ ﴿أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى﴾ ﴿ومَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى﴾ ألْقى الشَّيْطانُ تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلا مِنها الشَّفاعَةُ تُرْتَجى» فَعَلى هَذا ونَحْوِهِ يَكُونُ الرَّصَدُ مَوْجُودًا مَعَ عَدَمِ تَرَتُّبِ أثَرِهِ عَلَيْهِ والقَوْلُ بِأنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن مَعَهُ تَنَحَّوْا عَنْهُ حَتّى ألْقى الشَّيْطانُ ما ألْقى بِناءً عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في آيَةِ الرَّصَدِ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ قَبْلَ أنْ يُلْقِيَ الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ يَدْنُونَ مِنهُ فَلَمّا ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ أمْرَهم أنْ يَتَنَحَّوْا عَنْهُ قَلِيلًا فَإنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: فِيهِ فَلَمّا ألْقى فَلَمّا أرادَ أنَّ يُلْقِيَ في حَيِّزِ المَنعِ وكَذا صِحَّةُ هَذا الخَبَرِ، ثُمَّ أيَّةُ فائِدَةٍ في إنْزالِ الرَّصَدِ إذا لَمْ يَحْصُلْ بِهِ الحِفْظُ بَلْ كَيْفَ يُسَمّى رَصَدًا. ومِمّا ذُكِرَ في هَذا الِاعْتِراضِ يُعْلَمُ ما في الجَوابِ الثّانِي مِنَ الِاعْتِراضِ وهو ظاهِرٌ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ إعْجازَ القُرْآنِ مَعْلُومٌ لَهُ ﷺ ضَرُورَةً كَما ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو الحَسَنِ الأشْعَرِيُّ بَلْ قالَ القاضِي: إنَّ كُلَّ بَلِيغٍ أحاطَ بِمَذاهِبِ العَرَبِ وغَرائِبِ الصَّنْعَةِ يَعْلَمُ ضَرُورَةَ إعْجازِهِ، وذُكِرَ أنَّ الإعْجازَ يَتَعَلَّقُ بِسُورَةٍ أوْ قَدْرِها مِنَ الكَلامِ بِحَيْثُ يَتَبَيَّنُ فِيهِ تَفاضُلٌ قَوِيُّ البَلاغَةِ فَإذا كانَتْ آيَةٌ بِقَدْرِ حُرُوفِ سُورَةٍ وإنْ كانَتْ كَسُورَةِ الكَوْثَرِ فَهو مُعْجِزٌ، وعَلى هَذا يَمْتَنِعُ أنْ يَأْتِيَ الجِنُّ والإنْسُ ولَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا بِمِقْدارِ أقْصَرِ سُورَةٍ مِنهُ تُشْبِهُهُ في البَلاغَةِ ومَتى أتى أحَدٌ بِما يَزْعُمُ فِيهِ ذَلِكَ لَمْ تُنْفَقْ سُوقُهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وكَذا عِنْدَ كُلِّ بَلِيغٍ مُحِيطٍ بِما تَقَدَّمَ ولَمْ يَخْفَ عَلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولا عَلى ذَلِكَ البَلِيغِ عَدَمُ إعْجازِهِ فَلا يُشْتَبَهُ عِنْدَهُ بِالقُرْآنِ أصْلًا، ولا شَكَّ أنَّ ما ألْقى الشَّيْطانُ عَلى ما في بَعْضِ الرِّواياتِ حُرُوفُهُ بِقَدْرِ حُرُوفِ سُورَةِ الكَوْثَرِ بَلْ أزْيَدُ إنِ اعْتُبِرَ الحَرْفُ المُشَدَّدُ بِحَرْفَيْنِ وهو وأنَّهُنَّ لَهُنَّ الغَرانِيقُ العُلا وإنَّ شَفاعَتَهُنَّ لَهي الَّتِي تُرْتَجى الوارِدُ فِيما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ مُوسى بْنِ عُقْبَةَ عَنِ ابْنِ شِهابٍ. وجاءَ في رِوايَةِ ابْنِ جَرِيرٍ وابْنِ المُنْذِرِ وابْنِ أبِي حاتِمٍ بِسَنَدٍ قالَ السُّيُوطِيُّ: هو صَحِيحٌ عَنْ أبِي العالِيَةِ أنَّهُ ألْقى تِلْكَ الغَرانِيقَ العُلا وشَفاعَتُهُنَّ تُرْتَجى تُرْتَضى ومِثْلُهُنَّ لا يُنْسى وحُرُوفُهُ أزْيَدُ مِن حُرُوفِها إذا لَمْ يُعْتَبَرِ الحَرْفُ المُشَدَّدُ في شَيْءٍ مِنهُما حَرْفَيْنِ أمّا إذا اعْتُبِرَ فَحُرُوفُها أزْيَدُ بِواحِدٍ فَإنْ كانَ ما ذُكِرَ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِهِ الإعْجازُ (p-182)فَإنْ كانَ مُعْجِزًا لَزِمَ أنْ يَكُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى لا مِن إلْقاءِ عَدُوِّهِ ضَرُورَةَ عَجْزِهِ كَسائِرِ الجِنِّ والإنْسِ عَنِ الإتْيانِ بِذَلِكَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِهِ الإعْجازُ فَهو كَلامٌ غَيْرُ يَسِيرٍ يَتَنَبَّهُ البَلِيغُ الحاذِقُ إذا سَمِعَهُ أثْناءَ كَلامٍ فَوْقَهُ بِمَراتِبَ لِكَوْنِهِ لَيْسَ مِنهُ فَيَبْعُدُ كُلَّ البُعْدِ أنْ يَخْفى عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قُصُورُ بَلاغَتِهِ عَنْ بَلاغَةِ شَيْءٍ مِن آياتِ القُرْآنِ سَواءٌ قُلْنا بِتَفاوُتِها في البَلاغَةِ كَما اخْتارَهُ أبُو نَصْرٍ القُشَيْرِيُّ وجَماعَةٌ أمْ قُلْنا بِعَدَمِ التَّفاوُتِ كَما اخْتارَهُ القاضِي فَيُعْتَقَدُ أنَّهُ قُرْآنٌ حَتّى يُنَبِّهَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ لا سِيَّما وقَدْ تَكَرَّرَ عَلى سَمْعِهِ الشَّرِيفِ سُكْرُ الآياتِ ومازَجَتْ لَحْمَهُ ودَمَهُ، والواحِدُ مِنّا وإنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ البَلاغَةِ بِمَكانٍ إذا ألِفَ شِعْرَ شاعِرٍ وتَكَرَّرَ عَلى سَمْعِهِ يَعْلَمُ إذا دُسَّ بَيْتٌ أوْ شَطْرٌ في قَصِيدَةٍ لَهُ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ وقَدْ يُطالِبُ بِالدَّلِيلِ فَلا يَزِيدُ عَلى قَوْلِهِ: لِأنَّ النَّفَسَ مُخْتَلِفٌ، وهَذا البُعْدُ مُتَحَقِّقٌ عِنْدِي عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المُلْقى ما في الرِّوايَةِ الشّائِعَةِ وهو تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلا وإنَّ شَفاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجى أيْضًا لا سِيَّما عَلى قَوْلِ جَماعَةٍ: إنَّ الإعْجازَ يَتَعَلَّقُ بِقَلِيلِ القُرْآنِ وكَثِيرِهِ مِنَ الجُمَلِ المُفِيدَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ والقَوْلُ بِأنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خَفِيَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِلتَّأْدِيبِ فِيهِ ما فِيهِ، ولا يَبْعُدُ اسْتِحْقاقُ قائِلِهِ لِلتَّأْنِيبِ. وما ذَكَرَهُ في الجَوابِ عَنِ الثّالِثِ مِن أنَّهُ لا بُدَّ مِن حَمْلِ الكَلامِ عَلى الِاسْتِفْهامِ أوْ حَذْفِ القَوْلِ وهو دُونَ الأوَّلِ إذا صَحَّ الخَبَرُ صَحِيحٌ لَكِنَّ إثْباتَ صِحَّةِ الخَبَرِ أشَدُّ مِن خَرْطِ القَتادِ فَإنَّ الطّاعِنِينَ فِيهِ مِن حَيْثُ النَّقْلُ عُلَماءُ أجِلّاء عارِفُونَ بِالغَثِّ والسَّمِينِ مِنَ الأخْبارِ وقَدْ بَذَلُوا الوُسْعَ في تَحْقِيقِ الحَقِّ فِيهِ فَلَمْ يَرْوُوهُ إلّا مَرْدُودًا وما ألْقى الشَّيْطانُ إلى أوْلِيائِهِ مَعْدُودًا وهم أكْثَرُ مِمَّنْ قالَ بِقَبُولِهِ ومِنهم مَن هو أعْلَمُ مِنهُ، ويَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ أنَّهم وقَفُوا عَلى رُواتِهِ في سائِرِ الطُّرُقِ فَرَأوْهم مَجْرُوحِينَ وفاتَ ذَلِكَ القائِلَ بِالقَبُولِ، ولَعَمْرِي إنَّ القَوْلَ بِأنَّ هَذا الخَبَرَ مِمّا ألْقاهُ الشَّيْطانُ عَلى بَعْضِ ألْسِنَةِ الرُّواةِ ثُمَّ وفَّقَ اللَّهُ تَعالى جَمْعًا مِن خاصَّتِهِ لِإبْطالِهِ أهْوَنُ مِنَ القَوْلِ بِأنَّ حَدِيثَ الغَرانِيقِ مِمّا ألْقاهُ الشَّيْطانُ عَلى لِسانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ثُمَّ نَسَخَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لا سِيَّما وهو مِمّا لَمْ يَتَوَقَّفْ عَلى صِحَّتِهِ أمْرٌ دِينِيٌّ ولا مَعْنى آيَةٍ ولا ولا سِوى أنَّها يَتَوَقَّفُ عَلَيْها حُصُولُ شُبَهٍ في قُلُوبِ كَثِيرٍ مِن ضُعَفاءِ المُؤْمِنِينَ لا تَكادُ تُدْفَعُ إلّا بِجُهْدٍ جَهِيدٍ، ويُؤَيِّدُ عَدَمَ الثُّبُوتِ مُخالَفَتُهُ لِظَواهِرِ الآياتِ فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ في وصْفِ القُرْآنِ: ﴿لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِن حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فُصِّلَتْ: 42] والمُرادُ بِالباطِلِ ما كانَ باطِلًا في نَفْسِهِ وذَلِكَ المُلْقى كَذَلِكَ وإنْ سَوَّغَ نُطْقُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِهِ تَأْوِيلَهُ بِأحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ، والمُرادُ بِلا يَأْتِيهِ اسْتِمْرارُ النَّفْيِ لا نَفْيُ الِاسْتِمْرارِ. وقالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحِجْرَ: 9] فَجِيءَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مُؤَكَّدَةً بِتَأْكِيدَيْنِ ونُسِبَ فِيها الحِفْظُ المَحْذُوفُ مُتَعَلِّقُهُ إفادَةً لِلْعُمُومِ إلى ضَمِيرِ العَظَمَةِ وفي ذَلِكَ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الِاعْتِناءِ بِأمْرِ القُرْآنِ ما فِيهِ. وقَدِ اسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَنِ اسْتَدَلَّ عَلى حِفْظِ القُرْآنِ مِنَ الزِّيادَةِ والنَّقْصِ وما عَلَيْنا ما قِيلَ في ذَلِكَ، وكَوْنُ الإلْقاءِ المَذْكُورِ لا يُنافِي الحِفْظَ لِأنَّهُ نُسِخَ ولَمْ يَبْقَ إلّا زَمانًا يَسِيرًا لا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ، والظّاهِرُ أنَّهُ وإنْ لَمْ يُنافِ الحِفْظَ في الجُمْلَةِ لَكِنَّهُ يُنافِي الحِفْظَ المُشارَ إلَيْهِ في الآيَةِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ ذَلِكَ الِاعْتِناءُ، ثُمَّ إنْ قِيلَ: بِما رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ مِن أنَّ سُورَةَ الحَجِّ كُلَّها مَدَنِيَّةٌ لَزِمَ بَقاءُ ما ألْقى الشَّيْطانُ قُرْآنًا في اعْتِقادِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُؤْمِنِينَ زَمانًا طَوِيلًا والقَوْلُ بِذَلِكَ مِنَ الشَّناعَةِ بِمَكانٍ، وقالَ جَلَّ وعَلا: ﴿إنْ هو إلا وحْيٌ يُوحى﴾ [النَّجْمَ: 4] والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ لِما يُنْطَقُ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ ومِن هُنا (p-183)أخْرَجَ الدّارِمِيُّ عَنْ يَحْيى بْنِ أبِي كَثِيرٍ أنَّهُ قالَ: كانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَنْزِلُ بِالسُّنَّةِ كَما يَنْزِلُ بِالقُرْآنِ. والمُتَبادَرُ مِن لَحْنِ الخِطابِ أنَّ جَمِيعَ ما يَنْطِقُ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن ذَلِكَ لَيْسَ عَنْ إلْقاءٍ شَيْطانِيٍّ كَما أنَّهُ لَيْسَ عَنْ هَوًى، وبَقِيَتْ آياتٌ أُخَرُ في هَذا البابِ ظَواهِرُها تَدُلُّ عَلى المُدَّعِي أيْضًا، وتَأْوِيلُ جَمِيعِ الظَّواهِرِ الكَثِيرَةِ لِقَوْلِ شِرْذِمَةٍ قَلِيلَةٍ بِصِحَّةِ الخَبَرِ المُنافِي لَها مَعَ قَوْلِ جَمٍّ غَفِيرٍ بَعْدَ الفَحْصِ التّامِّ بِعَدَمِ صِحَّتِهِ مِمّا لا يَمِيلُ إلَيْهِ القَلْبُ السَّلِيمُ ولا يَرْتَضِيهِ ذُو الطَّبْعِ المُسْتَقِيمِ، ويَبْعُدُ القَوْلُ بِثُبُوتِهِ أيْضًا عَدَمُ إخْراجِ أحَدٍ مِنَ المَشايِخِ الكِبارِ لَهُ في شَيْءٍ مِنَ الكُتُبِ السِّتِّ مَعَ أنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلى قِصَّةٍ غَرِيبَةٍ وفي الطِّباعِ مَيْلٌ إلى سَماعِ الغَرِيبِ ورِوايَتِهِ ومَعَ إخْراجِهِمْ حَدِيثُ سُجُودِ المُشْرِكِينَ مَعَهُ ﷺ حِينَ سَجَدَ آخِرَ النَّجْمِ، فَقَدْ رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأ والنَّجْمِ فَسَجَدَ فِيها وسَجَدَ كُلُّ مَن كانَ مَعَهُ غَيْرَ أنَّ شَيْخًا مِن قُرَيْشٍ أخَذَ كَفًّا مِن حَصى أوْ تُرابٍ ورَفَعَهُ إلى جَبْهَتِهِ وقالَ: يَكْفِينِي هَذا» . ورَوى البُخارِيُّ أيْضًا. والتِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَجَدَ بِالنَّجْمِ وسَجَدَ مَعَهُ المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ والجِنُّ والإنْسُ» إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ولَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ سُجُودَ المُشْرِكِينَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ في السُّورَةِ ما ظاهِرُهُ مَدْحُ آلِهَتِهِمْ وإلّا لَما سَجَدُوا لِأنّا نَقُولُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونُوا سَجَدُوا لِدَهْشَةٍ أصابَتْهم وخَوْفٍ اعْتَراهم عِنْدَ سَماعِ السُّورَةِ لِما فِيها مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ ﴿وثَمُودَ فَما أبْقى﴾ ﴿وقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ إنَّهم كانُوا هم أظْلَمَ وأطْغى﴾ ﴿والمُؤْتَفِكَةَ أهْوى﴾ ﴿فَغَشّاها ما غَشّى﴾ [النَّجْمَ: 50- 45] إلى آخِرِ الآياتِ فاسْتَشْعَرُوا نُزُولَ مِثْلِ ذَلِكَ بِهِمْ، ولَعَلَّهم لَمْ يَسْمَعُوا قَبْلَ ذَلِكَ مِثْلَها مِنهُ ﷺ وهو قائِمٌ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ سُبْحانَهُ في مَقامٍ خَطِيرٍ وجَمْعٍ كَثِيرٍ وقَدْ ظَنُّوا مِن تَرْتِيبِ الأمْرِ بِالسُّجُودِ عَلى ما تَقَدَّمَ أنَّ سُجُودَهم ولَوْ لَمْ يَكُنْ عَنْ إيمانٍ كافٍ في دَفْعِ ما تَوَهَّمُوهُ، ولا تَسْتَبْعِدُ خَوْفَهم مِن سَماعِ مِثْلِ ذَلِكَ مِنهُ ﷺ فَقَدْ نَزَلَتْ سُورَةُ حم السَّجْدَةِ بَعْدَ ذَلِكَ كَما جاءَ مُصَرَّحًا بِهِ في حَدِيثٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ في أوَّلِ الإتْقانِ فَلَمّا سَمِعَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ قَوْلَهُ تَعالى فِيها: ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةً عادٍ وثَمُودَ﴾ [فُصِّلَتْ: 13] أمْسَكَ عَلى فَمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وناشَدَهُ الرَّحِمَ واعْتَذَرَ لِقَوْمِهِ حِينَ ظَنُّوا بِهِ أنَّهُ صَبَأ وقالَ: كَيْفَ وقَدْ عَلِمْتُمْ أنَّ مُحَمَّدًا إذا قالَ شَيْئًا لَمْ يَكْذِبْ فَخِفْتُ أنْ يَنْزِلَ بِكُمُ العَذابُ. وقَدْ أخْرَجَ ذَلِكَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ. وابْنُ عَساكِرَ في حَدِيثٍ طَوِيلٍ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ عَلى بُعْدٍ: إنَّ سُجُودَهم كانَ لِاسْتِشْعارِ مَدْحِ آلِهَتِهِمْ ولا يَلْزَمُ مِنهُ ثُبُوتُ ذَلِكَ الخَبَرِ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الِاسْتِشْعارُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى﴾ ﴿ومَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى﴾ [النَّجْمَ: 19، 20] بِناءً عَلى أنَّ المَفْعُولَ مَحْذُوفٌ وقَدَّرُوهُ حَسْبَما يَشْتَهُونَ أوْ عَلى أنَّ المَفْعُولَ ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ [النَّجْمَ: 21] وتَوَهَّمُوا أنَّ مَصَبَّ الإنْكارِ فِيهِ كَوْنُ المَذْكُوراتِ إناثًا والحُبُّ لِلشَّيْءِ يُعْمِي ويُصِمُّ، ولَيْسَ هَذا بِأبْعَدَ مِن حَمْلِهِمْ تِلْكَ الغَرانِيقِ العُلا وإنَّ شَفاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجى عَلى المَدْحِ حَتّى سَجَدُوا لِذَلِكَ آخِرَ السُّورَةِ مَعَ وُقُوعِهِ بَيْنَ ذَمَّيْنِ المانِعُ مِن حَمْلِهِ عَلى المَدْحِ في البَيْنِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن سَلِمَتْ عَيْنُ قَلْبِهِ عَنِ الغَيْنِ. واعْتُرِضَ عَلى الجَوابِ الرّابِعِ بِأنَّ سُجُودَهم كانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ آخِرًا بَعْدَ سَماعِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ هي إلا أسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾ [النَّجْمَ: 23] فَكانَ يَنْبَغِي التَّنْبِيهُ بَعْدَ السُّجُودِ، ولَعَلَّهم أرْجَعُوا ضَمِيرَ ( هي ) لِلْأسْماءِ وهي قَوْلُهُمُ اللّاتِ والعُزّى ومَناةَ كَما هو أحَدُ احْتِمالَيْنِ فِيهِ ذَكَرَهُما الزَّمَخْشَرِيُّ، فَيَكُونُ (p-184)المَعْنى ما هَذِهِ الأسْماءُ إلّا أسْماءً سَمَّيْتُمْ بِها بِهَواكم وشَهْوَتِكم لَيْسَ لَكم عَلى صِحَّةِ التَّسْمِيَةِ بِها بُرْهانٌ تَتَعَلَّقُونَ بِهِ، وحِينَئِذٍ لا يَكُونُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى رَدِّ ما فَهِمُوهُ مِمّا ألْقى الشَّيْطانُ مِن مَدْحِ آلِهَتِهِمْ بِأنَّها الغَرانِيقُ العُلا، ويُحْتَمَلُ أنَّهم أوَّلُوهُ عَلى وجْهٍ آخَرَ وبابُ التَّأْوِيلِ واسِعٌ. واعْتُرِضَ عَلى قَوْلِهِ في الجَوابِ الخامِسِ: إنَّ هَذا الِاشْتِباهَ في حالَةٍ خاصَّةٍ لِلتَّأْدِيبِ لا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ ﷺ عَلى غَيْرِ بَصِيرَةٍ فِيما يُوحى إلَيْهِ في غَيْرِ تِلْكَ الحالَةِ بِأنَّ المُعْتَرِضَ لَمْ يَرُدَّ أنَّهُ إذا اشْتَبَهَ الأمْرُ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَرَّةً يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ عَلى غَيْرِ بَصِيرَةٍ فِيما يُوحى إلَيْهِ في غَيْرِها بَلْ أرادَ أنَّ اللّائِقَ بِمَقامِ النَّبِيِّ ﷺ أنْ يَكُونَ عَلى بَصِيرَةٍ في جَمِيعِ ما يُوحى إلَيْهِ وأنَّهُ مَتى اشْتَبَهَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في حالَةٍ مِنَ الأحْوالِ لَمْ تَبْقَ الكُلِّيَّةُ كُلِّيَّةً وهو خِلافُ المُرادِ. وفِي التَّنْقِيحِ أنَّ الوَحْيَ إمّا ظاهِرٌ أوْ باطِنٌ أمّا الظّاهِرُ فَثَلاثَةُ أقْسامٍ، الأوَّلُ ما ثَبَتَ بِلِسانِ المَلَكِ فَوَقَعَ في سَمْعِهِ ﷺ بَعْدَ عِلْمِهِ بِالمُبَلِّغِ بِأيَّةٍ قاطِعَةٍ والمُرادُ كَما قالَ ابْنُ مَلَكٍ: العِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِأنَّ المُبَلِّغَ مَلَكٌ نازِلٌ بِالوَحْيِ مِنَ اللَّهِ تَعالى والقُرْآنُ مِن هَذا القَبِيلِ، والثّانِي ما وضُحَ لَهُ ﷺ بِإشارَةِ المَلَكِ مِن غَيْرِ بَيانٍ بِالكَلامِ كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ««إنَّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ في رُوعِي أنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَها»» الحَدِيثَ وهَذا يُسَمّى خاطِرَ المَلَكِ، والثّالِثُ ما تَبَدّى لِقَلْبِهِ الشَّرِيفِ بِلا شُبْهَةٍ بِإلْهامٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِأنْ أراهُ بِنُورٍ مِن عِنْدِهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ﴾ [النِّساءَ: 105] وكُلُّ ذَلِكَ حُجَّةٌ مُطْلَقًا بِخِلافِ الإلْهامِ لِلْوَلِيِّ فَإنَّهُ لا يَكُونُ حُجَّةً عَلى غَيْرِهِ، وأمّا الباطِنُ فَما يُنالُ بِالرَّأْيِ والِاجْتِهادِ وفِيهِ خِلافٌ إلى آخِرِ ما قالَ، وهو ظاهِرٌ في أنَّهُ ﷺ عَلى بَصِيرَةٍ في جَمِيعِ ما يُوحى إلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ لِأنَّهُ جَعَلَهُ مِنَ القِسْمِ الأوَّلِ مِن أقْسامِ الوَحْيِ الظّاهِرِ، ويُعْلَمُ مِنهُ عَدَمُ ثُبُوتِ تَكَلُّمِهِ ﷺ بِما ألْقى الشَّيْطانُ لِأنَّهُ عِنْدَ زاعِمِهِ يَكُونُ قَدِ اعْتَقَدَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قُرْآنًا ووَحْيًا مِنَ اللَّهِ تَعالى فَيَجِبُ عَلى ما سَمِعْتَ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ عِلْمًا ضَرُورِيًّا فَحَيْثُ إنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ في نَفْسِ الأمْرِ يَلْزَمُ انْقِلابُ العِلْمِ جَهْلًا، واسْتِثْناءُ هَذِهِ المادَّةِ مِنَ العُمُومِ مِمّا لا دَلِيلَ عَلَيْهِ عِنْدَ الزّاعِمِ سِوى الخَبَرِ الَّذِي زَعَمَ صِحَّتَهُ وبَنى عَلَيْهِ تَفْسِيرَ الآيَةِ بِما فَسَّرَها بِهِ وذَلِكَ أوَّلَ المَسْألَةِ. ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ أرادَ أنَّهُ إذا وقَعَ الِاشْتِباهُ مَرَّةً اقْتَضى أنْ لا يَكُونَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى بَصِيرَةٍ في شَيْءٍ مِمّا يُوحى إلَيْهِ بَعْدُ لِأنَّ احْتِمالَ التَّأْدِيبِ عَلى تَعاطِي ما لَيْسَ أكْمَلَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ ﷺ قائِمٌ والعِصْمَةَ مِن ذَلِكَ مَمْنُوعَةٌ فَقَدْ وقَعَ مِنهُ ﷺ بَعْدَ هَذِهِ القِصَّةِ الَّتِي زَعَمَها الخَصْمُ ما عُوقِبَ عَلَيْهِ كَقِصَّةِ الإسْراءِ المُشارِ إلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ما ﴿كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ [الأنْفالَ: 67] الآيَةَ، وكَقِصَّةِ الإذْنِ المُشارِ إلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التَّوْبَةَ: 43] وكَقِصَّةِ زَيْنَبَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها المُشارِ إلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتَّقِ اللَّهُ وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ وتَخْشى النّاسَ واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ﴾ [الأحْزابَ: 37] ودَعْوى أنَّ التَّأْدِيبَ بِذَلِكَ عَلى غَيْرِ التَّمَنِّي مِمّا لا تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ فَلا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ مِمّا لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، وقُصارى ما تُفِيدُهُ الآيَةُ أنَّ الإلْقاءَ المَشْرُوطَ بِالتَّمَنِّي أوْ في وقْتِهِ بِناءً عَلى الخِلافِ في أنَّ «إذا» لِلشَّرْطِ أوْ لِمُجَرَّدِ الظَّرْفِيَّةِ وعِنْدَ انْتِفاءِ ذَلِكَ الشَّرْطِ أوْ عَدَمِ تَحَقُّقِ ذَلِكَ الوَقْتِ يَبْقى الإلْقاءُ عَلى العَدَمِ الأصْلِيِّ إنْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ ما يَقُومُ مَقامَ ذَلِكَ الشَّرْطِ أوْ ذَلِكَ الوَقْتِ. (p-185)ولا شَكَّ أنَّ صُدُورَ خِلافِ الأكْمَلِ لا سِيَّما إذا كانَ كالتَّمَنِّي أوْ فَوْقَهُ أوْ وقْتَ صُدُورِهِ مِمّا يَقُومُ مَقامَ ذَلِكَ فِيما يَقْتَضِيهِ فَيَلْزَمُ حِينَئِذٍ أنْ يَكُونَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في كُلِّ وحْيٍ مُتَوَقِّفًا غَيْرَ جازِمٍ بِأنَّهُ وحْيٌ لا تَلْبِيسَ إلى أنْ يَتَّضِحَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَدَمُ صُدُورِ خِلافِ الأكْمَلِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ مِنهُ وفي ذَلِكَ مِنَ البَشاعَةِ ما فِيهِ. واعْتُرِضَ عَلى قَوْلِهِ في الجَوابِ أيْضًا: إنَّ ما قالَهُ ابْنُ العَرَبِيِّ قِياسٌ مَعَ الفارِقِ إلَخْ بِأنَّهُ غَيْرُ حاسِمٍ لِلْقِيلِ والقالِ إذْ لَنا أنْ نَقُولَ: خُلاصَةُ ما أشارَ إلَيْهِ ابْنُ العَرَبِيِّ أنَّهُ قَدْ صَحَّ بَلْ تَواتَرَ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««مَن رَآنِي في المَنامِ فَقَدْ رَآنِي حَقًّا فَإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَمَثَّلُ بِي»» والظّاهِرُ أنَّهُ لا يَتَمَثَّلُ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أصْلًا لا لِلْمُخْلَصِينَ ولا لِغَيْرِهِمْ لِعُمُومِ - مَن - ولُزُومِ مُطابَقَةِ التَّعْلِيلِ المُعَلَّلِ وإذا لَمْ يَتَمَثَّلْ مَنامًا فَلَأنْ لا يَتَمَثَّلَ يَقَظَةً مِن بابِ أوْلى، وعَلَّلَهُ الشُّرّاحُ بِلُزُومِ اشْتِباهِ الحَقِّ بِالباطِلِ. وقالَتِ الصُّوفِيَّةُ في ذَلِكَ: إنَّ المُصْطَفى صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وإنْ ظَهَرَ بِجَمِيعِ أسْماءِ الحَقِّ تَعالى وصِفاتِهِ تَخَلُّقًا وتَحَقُّقًا فَمُقْتَضى رِسالَتِهِ لِلْخَلْقِ أنْ يَكُونَ الأظْهَرُ فِيهِ حُكْمًا وسَلْطَنَةً مِن صِفاتِ الحَقِّ سُبْحانَهُ وأسْمائِهِ جَلَّ شَأْنُهُ الهِدايَةُ والِاسْمُ الهادِي والشَّيْطانُ مُظْهَرُ الِاسْمِ المُضِلِّ والظّاهِرُ بِصِفَةِ الضَّلالَةِ فَهُما ضِدّانِ فَلا يَظْهَرُ أحَدُهُما بِصِفَةِ الآخَرِ، والنَّبِيِّ ﷺ خُلِقَ لِلْهِدايَةِ فَلَوْ ساغَ ظُهُورُ إبْلِيسَ بِصُورَتِهِ لَزالَ الِاعْتِمادُ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَلِذَلِكَ عُصِمَتْ صُورَتُهُ ﷺ عَنْ أنْ يَظْهَرَ بِها شَيْطانٌ اهَـ، ولا شَكَّ أنَّ نِسْبَةَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلَيْهِ ﷺ وكَذا إلى سائِرِ إخْوانِهِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ نِسْبَةُ النَّبِيِّ ﷺ إلى الأُمَّةِ فَإذا اسْتَحالَ تَمَثُّلُ الشَّيْطانِ بِالنَّبِيِّ يَقَظَةً أوْ مَنامًا لِأحَدٍ مِن أُمَّتِهِ مُخْلَصًا أوْ غَيْرَ مُخْلَصٍ خَوْفَ الِاشْتِباهِ وزَوالَ الِاعْتِمادِ وكَمالَ التَّضادِّ فَلْيُقَلْ بِاسْتِحالَةِ تَمَثُّلِهِ بِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِذَلِكَ ومَنِ ادَّعى الفَرْقَ فَقَدْ كابَرَ. وتُعُقِّبَ ما ذَكَرَهُ في الجَوابِ السّادِسِ بِأنَّ كَوْنَ المُتَتَبِّعِ لِما يَعْتَقِدُهُ وحْيًا لِلتَّلْبِيسِ غَيْرَ مَنقُولٍ صَحِيحٌ إلّا أنَّ القَوْلَ بِاعْتِقادِهِ ما لَيْسَ قُرْآنًا لِلتَّلْبِيسِ النّاشِئِ عَنْ إرادَةِ التَّأْدِيبِ بِسَبَبِ تَمَنِّي إيمانِ الجَمِيعِ الغَيْرَ المُرادِ لَهُ تَعالى لَيْسَ بِهِ، وكَوْنُ التَّلْبِيسِ لِلتَّأْدِيبِ كالسَّهْوِ في الصَّلاةِ لِلتَّشْرِيعِ لا يَخْفى ما فِيهِ. وأوْرَدَ عَلى قَوْلِهِ في الجَوابِ السّابِعِ: إنَّهُ لا إخْلالَ بِالوُثُوقِ بِالقُرْآنِ عِنْدَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والَّذِينَ آمَنُوا لِأنَّ وُثُوقَ كُلٍّ مِنهُما تابِعٌ لِوُثُوقِ مَتْبُوعِهِمُ الصّادِقِ الأمِينِ ﷺ أنَّهُ إذا فُتِحَ بابُ التَّلْبِيسِ لا يُوثَقُ بِالوُثُوقِ في شَيْءٍ أصْلًا لِجَوازِ أنْ يَكُونَ كُلُّ وُثُوقٍ ناشِئًا عَنْ تَلْبِيسٍ كالوُثُوقِ بِأنَّ تِلْكَ الغَرانِيقَ العُلا وإنَّ شَفاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجى قُرْآنٌ فَلَمّا تَطَرَّقَ الِاحْتِمالُ الوُثُوقَ جازَ أنْ يَتَطَرَّقَ الرُّجُوعُ ولا يَظْهَرَ فَرْقٌ بَيْنَهُما فَلا يُعَوَّلُ حِينَئِذٍ عَلى جَزْمٍ ولا عَلى رُجُوعٍ. وقَوْلُهُ فِيما ذَكَرَهُ البَيْضاوِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: لَيْسَ بِشَيْءٍ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ مَنعَ الِاحْتِمالِ عِنْدَ الفِرَقِ الأرْبَعِ بَعْدَ القَوْلِ بِجَوازِ التَّلْبِيسِ مُكابَرَةٌ والآيَةُ الَّتِي ادَّعى دَلالَتَها عَلى انْتِفاءِ الِاحْتِمالِ عِنْدَ فَرِيقَيْنِ بَعْدَ النَّسْخِ والإحْكامِ فِيها أيْضًا ذَلِكَ الِاحْتِمالُ، والحَقُّ أنَّهُ لا يَكادُ يُفْتَحُ بابُ قَبُولِ الشَّرائِعِ ما لَمْ يُسَدَّ هَذا البابُ. ولا يُجْدِي نَفْعًا كَوْنُ الحِكْمَةِ المُشارِ إلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ آبِيَةً عَنْ بَقاءِ التَّلْبِيسِ فَلا أقَلَّ مِن أنْ يَتَوَقَّفَ قَبُولُ مُعْظَمِ ما يَجِيءُ بِهِ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى أنْ يَتَبَيَّنَ كَوْنُهُ لَيْسَ داخِلًا في بابِ التَّلْبِيسِ (p-186)مَعَ أنّا نَرى الصَّحابَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم يُسارِعُونَ إلى امْتِثالِ الأوامِرِ عِنْدَ إخْبارِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إيّاهم بِوَحْيِ اللَّهِ تَعالى إلَيْهِ بِها مِن غَيْرِ انْتِظارِ ما يَجِيءُ بَعْدَ ذَلِكَ فِيها مِمّا يُحَقِّقُ أنَّها لَيْسَتْ عَنْ تَلْبِيسٍ فافْهَمْ واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ. وتَوَسَّطَ جَمْعٌ في أمْرِ هَذِهِ القِصَّةِ فَلَمْ يُثْبِتُوها كَما أثْبَتَها الكُورانِيُّ عَفا اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِن أنَّهُ ﷺ نَطَقَ بِما نَطَقَ عَمْدًا مُعْتَقِدًا لِلتَّلْبِيسِ أنَّهُ وحْيٌ حامِلًا لَهُ عَلى خِلافِ ظاهِرِهِ ولَمْ يَنْفُوها بِالكُلِّيَّةِ كَما فَعَلَ أجِلَّةُ إثْباتٍ وإلَيْهِ أمِيلُ بَلْ أثْبَتُوها عَلى وجْهٍ غَيْرِ الوَجْهِ الَّذِي أثْبَتَهُ الكُورانِيُّ واخْتَلَفُوا فِيهِ عَلى أوْجُهٍ تُعْلَمُ مِمّا أسْلَفْناهُ مِن نَقْلِ الأقْوالِ في الآيَةِ وكُلُّها عِنْدِي مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْها. وفي شَرْحِ الجَوْهَرَةِ الأوْسَطِ أنَّ حَدِيثَ تِلْكَ الغَرانِيقُ إلَخْ ظاهِرُهُ مُخالِفٌ لِلْقَواطِعِ فَيَجِبُ تَأْوِيلُهُ إنْ صَحَّ بِما هو مَذْكُورٌ في مَوْضِعِهِ مِمّا أُقِرَّ بِهِ عَلى نَظَرٍ فِيهِ أنَّ الشَّيْطانَ تَرَصَّدَ قِراءَتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وكانَ يُرَتِّلُ القِراءَةَ إذْ ذاكَ عِنْدَ البَيْتِ فَحِينَ انْتَهى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى﴾ ﴿ومَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى﴾ [النَّجْمَ: 19، 20] وكانَ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقْفَةٌ ما لِلتَّرْتِيلِ أدْرَجَ ذَلِكَ في تِلاوَتِهِ مُحاكِيًا صَوْتَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَظَنَّ أنَّهُ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولَيْسَ بِهِ انْتَهى، والنَّظَرُ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ لا يَخْفى عَلى مَن أحاطَ بِما قَدَّمْناهُ خَبَرًا وأخَذَتِ العِنايَةُ بِيَدَيْهِ، وأقْبَحُ الأقْوالِ الَّتِي رَأيْناها في هَذا البابِ وأظْهَرُها فَسادًا أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أدْخَلَ تِلْكَ الكَلِمَةَ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ حِرْصًا عَلى إيمانِ قَوْمِهِ ثُمَّ رَجَعَ عَنْها، ويَجِبُ عَلى قائِلِ ذَلِكَ التَّوْبَةُ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ إنْ يَقُولُونَ إلّا كَذِبًا، وقَرِيبٌ مِنهُ ما قِيلَ إنَّها كانَتْ قُرْآنًا مُنَزَّلًا في وصْفِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَلَمّا تَوَهَّمَ المُشْرِكُونَ أنَّهُ يُرِيدُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَدْحَ آلِهَتِهِمْ بِها نُسِخَتْ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ تَفْسِيرَ الآيَةِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا﴾ إلَخْ لا يَتَوَقَّفُ عَلى ثُبُوتِ أصْلٍ لِهَذِهِ القِصَّةِ، وأقْرَبُ ما قِيلَ في تَفْسِيرِها عَلى القَوْلِ بِعَدَمِ الثُّبُوتِ ما قَدَّمْناهُ، وقِيلَ: هو بَعِيدٌ صَدَقُوا لَكِنْ عَنْ إيهامِ الإخْلالِ بِمَقامِ النُّبُوَّةِ ونَحْوَ ذَلِكَ، واسْتَفْتِ قَلْبَكَ إنْ كُنْتَ ذا قَلْبٍ سَلِيمٍ، هَذا وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ قالَ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما يَقْرَأُ «وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ ولا مُحَدِّثٍ» فَنُسِخَ «ولا مُحَدِّثٍ» والمُحُدِّثُونَ صاحِبُ يس ولُقْمانَ، ومُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ وصاحِبُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب