الباحث القرآني
﴿حُنَفاءَ لِلَّهِ﴾ مائِلِينَ عَنْ كُلِّ دِينٍ زائِغٍ إلى الدِّينِ الحَقِّ مُخْلِصِينَ لَهُ تَعالى ﴿غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ أيْ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ الأوْثانُ دُخُولًا أوَّلِيًّا وهُما حالانِ مُؤَكِّدَتانِ مِن واوِ فاجْتَنِبُوا. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن واوِ ( واجْتَنِبُوا ) وأُخِّرَ التَّبَرِّي عَنِ التَّوَلِّي لِيَتَّصِلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ﴾ وهي جُمْلَةٌ مُبْتَدَأةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِما قَبْلَها مِنَ الِاجْتِنابِ مِنَ الإشْراكِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِإظْهارِ كَمالِ قُبْحِ الإشْراكِ، وقَدْ شُبِّهَ الإيمانُ بِالسَّماءِ لِعُلُوِّهِ والإشْراكُ بِالسُّقُوطِ مِنها فالمُشْرِكُ ساقِطٌ مِن أوْجِ الإيمانِ إلى حَضِيضِ الكَفَرَةِ وهَذا السُّقُوطُ إنْ كانَ في حَقِّ المُرْتَدِّ فَظاهِرُهُ وهو في حَقِّ غَيْرِهِ بِاعْتِبارِ الفِطْرَةِ وجَعْلُ التَّمَكُّنِ والقُوَّةِ بِمَنزِلَةِ الفِعْلِ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهم مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ﴾ [البَقَرَةَ: 257] ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾ فَإنَّ الأهْواءَ المُرْدِيَةَ تُوَزِّعُ أفْكارَهُ وفي ذَلِكَ تَشْبِيهُ الأفْكارِ المُوَزَّعَةِ بِخَطْفِ جَوارِحِ الطَّيْرِ وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ﴾ [الزُّمُرَ: 29] وأصْلُ الخَطْفِ الِاخْتِلاسُ بِسُرْعَةٍ.
وقَرَأ نافِعٌ «﴿فَتَخْطَفُهُ﴾» بِفَتْحِ الخاءِ والطّاءِ مُشَدَّدَةً وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ والأعْمَشُ «﴿فَتَخْطَفُهُ﴾» بِكَسْرِ التّاءِ والخاءِ والطّاءِ مُشَدَّدَةً، وعَنِ الحَسَنِ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ فَتَحَ الطّاءَ مُشَدَّدَةً. وقَرَأ الأعْمَشُ أيْضًا «تَخْطَفُهُ» بِغَيْرِ فاءٍ وإسْكانِ الخاءِ وفَتْحِ الطّاءِ مُخَفَّفَةً، والجُمْلَةُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ في مَوْضِعِ الحالِ، وأمّا عَلى القِراءاتِ الأُوَلِ فالفاءُ لِلْعَطْفِ وما بَعْدَها عُطِفَ عَلى ﴿خَرَّ﴾ وفي إيثارِ المُضارِعِ إشْعارٌ بِاسْتِحْضارِ تِلْكَ الحالَةِ العَجِيبَةِ في مُشاهَدَةِ المُخاطَبِ تَعْجِيبًا لَهُ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ الكَلامُ بِتَقْدِيرِ فَهو يَخْطَفُهُ والعَطْفُ مِن عَطْفِ الجُمْلَةِ عَلى الجُمْلَةِ ﴿أوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ﴾ أيْ تُسْقِطُهُ وتَقْذِفُهُ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وأبُو رَجاءٍ «الرِّياحُ» ﴿فِي مَكانٍ سَحِيقٍ﴾ بَعِيدٍ فَإنَّ الشَّيْطانَ قَدْ طَوَّحَ بِهِ في الضَّلالَةِ، وفي ذَلِكَ تَشْبِيهُ الشَّيْطانِ المُضِلِّ بِالرِّيحِ المُهْوِيَةِ وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنّا أرْسَلْنا الشَّياطِينَ عَلى الكافِرِينَ تَؤُزُّهم أزًّا﴾ [مَرْيَمَ: 83] فالتَّشْبِيهُ في الآيَةِ مُفَرِّقٌ. والظّاهِرُ أنَّ ( تَهْوِي ) عُطِفَ عَلى «تَخْطَفُ» وأوْ لِلتَّقْسِيمِ عَلى مَعْنى أنَّ مَهْلِكَهُ إمّا هَوًى يَتَفَرَّقُ بِهِ في شِعَبِ الخَسارِ أوْ شَيْطانٌ يُطَوِّحُ بِهِ في مَهْمَهِ البَوارِ، وفَرْقٌ بَيْنَ خاطِرِ النَّفْسِ والشَّيْطانِ فَلا يَرِدُ ما قالَهُ ابْنُ المُنِيرِ مِن أنَّ الأفْكارَ مِن نَتائِجِ وساوِسِ الشَّيْطانِ، والآيَةُ سِيقَتْ لِجَعْلِهِما شَيْئَيْنِ، وفي تَفْسِيرِ القاضِي أنَّها لِلتَّخْيِيرِ عَلى مَعْنى أنْتَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أنَّ تُشَبِّهَ المُشْرِكَ بِمَن خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ وبَيْنَ مَن خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَهْوِي بِهِ الرِّيحُ مِن مَكانٍ سَحِيقٍ أوْ لِلتَّنْوِيعِ عَلى مَعْنى أنَّ المُشَبَّهَ بِهِ نَوْعانِ والمُشَبَّهَ بِالنَّوْعِ الأوَّلِ الَّذِي تَوَزَّعَ لَحْمُهُ في (p-150)بُطُونِ جَوارِحِ الطَّيْرِ المُشْرِكُ الَّذِي لا خَلاصَ لَهُ مِنَ الشِّرْكِ ولا نَجاةَ أصْلًا، والمُشَبَّهَ بِالنَّوْعِ الثّانِي الَّذِي رَمَتْهُ الرِّيحُ في المُهاوِي المُشْرِكُ الَّذِي يُرْجى خَلاصُهُ عَلى بُعْدٍ، وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: إنَّ الكافِرَ قِسْمانِ لا غَيْرُ، مُذَبْذَبٌ مُتَمادٍ عَلى الشَّكِّ وعَدَمِ التَّصْمِيمِ عَلى ضَلالَةٍ واحِدَةٍ وهَذا مُشَبَّهٌ بِمَنِ اخْتَطَفَهُ الطَّيْرُ وتَوَزَّعَتْهُ فَلا يَسْتَوْلِي طائِرٌ عَلى قِطْعَةٍ مِنهُ إلّا انْتَهَبَها مِنهُ آخَرُ وتِلْكَ حالُ المُذَبْذَبِ لا يَلُوحُ لَهُ خَيالٌ إلّا اتَّبَعَهُ وتَرَكَ ما كانَ عَلَيْهِ، ومُشْرِكٌ مُصَمِّمٌ عَلى مُعْتَقَدٍ باطِلٍ لَوْ نُشِرَ بِالمَناشِيرِ لَمْ يَكِعَّ ولَمْ يَرْجِعْ لا سَبِيلَ إلى تَشْكِيكِهِ ولا مَطْمَعَ في نَقْلِهِ عَمّا هو عَلَيْهِ فَهو فَرِحٌ مُبْتَهِجٌ بِضَلالَتِهِ وهَذا مُشَبَّهٌ في قَرارِهِ عَلى الكُفْرِ بِاسْتِقْرارِ مَن هَوَتْ بِهِ الرِّيحُ إلى وادٍ سافِلٍ هو أبْعَدُ الأحْيازِ عَنِ السَّماءِ فاسْتَقَرَّ فِيهِ انْتَهى، ولا يَخْفى أنَّ ما ذَكَرْناهُ أوْفَقُ بِالظّاهِرِ.
وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ أنْ يَكُونَ مِنَ التَّشْبِيهاتِ المُرَكَّبَةِ فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ تَعالى فَقَدْ أهْلَكَ نَفْسَهُ إهْلاكًا لَيْسَ بَعْدَهُ بِأنْ صُوِّرَ حالُهُ بِصُورَةِ حالِ مَن خَرَّ مِنَ السَّماءِ فاخْتَطَفَتْهُ الطَّيْرُ فَتَفَرَّقَ قِطَعًا في حَواصِلِها أوْ عَصَفَتْ بِهِ الرِّيحُ حَتّى هَوَتْ بِهِ في بَعْضِ المَطارِحِ البَعِيدَةِ، وجَعَلَ في الكَشْفِ أوْ عَلى هَذا لِلتَّخَيُّرِ ولَيْسَ بِمُتَعَيَّنٍ فِيما يَظْهَرُ، وعَلى الوَجْهَيْنِ تَفْرِيقُ التَّشْبِيهِ وتَرْكِيبُهُ في الآيَةِ تَشْبِيهانِ.
وذَكَرَ الطَّيِّبِيُّ أنَّ فِيها عَلى التَّرْكِيبِ تَشْبِيهَيْنِ، ( وتَهْوِي ) عُطِفٌ عَلى ( خَرَّ ) وعَلى التَّفْرِيقِ تَشْبِيهًا واحِدًا ( وتَهْوِي ) عُطِفَ عَلى «تَخْطَفُ» وزَعَمَ أنَّ في عِبارَةِ الكَشّافِ ما يُؤْذِنُ بِذَلِكَ وهو غَيْرُ مُسَلَّمٍ
{"ayah":"حُنَفَاۤءَ لِلَّهِ غَیۡرَ مُشۡرِكِینَ بِهِۦۚ وَمَن یُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَاۤءِ فَتَخۡطَفُهُ ٱلطَّیۡرُ أَوۡ تَهۡوِی بِهِ ٱلرِّیحُ فِی مَكَانࣲ سَحِیقࣲ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











