الباحث القرآني

﴿مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ الضَّمِيرُ في ( يَنْصُرَهُ ) لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ والضَّحّاكِ وقَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ والسُّدِّيِّ واخْتارَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ كَأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ المُجادِلَ بِالباطِلِ وخِذْلانَهُ في الدُّنْيا لِأنَّهُ لا يُدْلِي بِحُجَّةٍ ما ضَرُورِيَّةٍ أوْ نَظَرِيَّةٍ أوْ سَمْعِيَّةٍ ولِما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهُ مِنَ النَّكالِ، وفي الآخِرَةِ بِما هو أطَمُّ وأطَمُّ ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ مُشايِعِيهِ وعَمَّمَ خَسارَهم في الدّارَيْنِ ذَكَرَ في مُقابِلِهِمُ المُؤْمِنِينَ وأتْبَعَهُ ذِكْرَ المُجادِلِ عَنْهم وعَنْ دِينِ اللَّهِ تَعالى بِالَّتِي هي أحْسَنُ وهو رَسُولُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وبالَغَ في كَوْنِهِ مَنصُورًا بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، واخْتَصَرَ الكَلامَ دَلالَةً عَلى أنَّهُ ﷺ العَلَمُ الَّذِي لا يُشْتَبَهُ وأنَّ الكَلامَ (p-127)فِيهِ ولَهُ ومَعَهُ وإنْ ذُكِرَ غَيْرُهُ بِتَبَعِيَّةِ ذِكْرِهِ، فالمَعْنى أنَّهُ تَعالى ناصِرٌ لِرَسُولِهِ ﷺ في الدُّنْيا بِإعْلاءِ كَلِمَتِهِ وإظْهارِ دِينِهِ وفي الآخِرَةِ بِإعْلاءِ دَرَجَتِهِ وإدْخالِ مَن صَدَّقَهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ والِانْتِقامِ مِمَّنْ كَذَّبَهُ وإذاقَتِهِ عَذابَ الحَرِيقِ لا يَصْرِفُهُ سُبْحانَهُ عَنْ ذَلِكَ صارِفٌ ولا يَعْطِفُهُ عَنْهُ عاطِفٌ فَمَن كانَ يَغِيظُهُ ذَلِكَ مِن أعادِيهِ وحُسّادِهِ ويَظُنُّ أنْ لَنْ يَفْعَلَهُ تَعالى بِسَبَبِ مُدافَعَتِهِ بِبَعْضِ الأُمُورِ ومُباشَرَةِ ما يُرِيدُهُ مِنَ المَكائِدِ فَلْيُبالِغْ في اسْتِفْراغِ المَجْهُودِ ولْيَتَجاوَزْ في الجِدِّ كُلَّ حَدٍّ مَعْهُودٍ فَقُصارى أمْرِهِ خَيْبَةُ مَساعِيهِ وعُقْمُ مُقَدِّماتِهِ ومَبادِيهِ وبَقاءُ ما يَغِيظُ عَلى حالِهِ ودَوامُ شَجْوِهِ وبَلْبالِهِ، وقَدْ وُضِعَ مَقامَ هَذا الجَزاءِ. قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ﴾ إلَخْ أيْ فَلْيَمْدُدْ حَبْلًا ﴿إلى السَّماءِ﴾ أيْ إلى سَقْفِ بَيْتِهِ كَما أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الضَّحّاكِ ﴿ثُمَّ لِيَقْطَعْ﴾ أيْ لِيَخْتَنِقْ كَما فَسَّرَهُ بِذَلِكَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مِن قَطَعَ إذا اخْتَنَقَ كانَ أصْلُهُ قَطَعَ نَفَسَهُ بِفَتْحَتَيْنِ أوْ أجَلَهُ ثُمَّ تُرِكَ المَفْعُولُ نَسْيًا مَنسِيًّا فَصارَ بِمَعْنى اخْتَنَقَ لازِمُ خَنَقَهُ، وذَكَرُوا أنَّ قَطَعَ النَّفَسَ كِنايَةً عَنِ الِاخْتِناقِ، وقِيلَ المَعْنى لِيَقْطَعَ الحَبْلَ بَعْدَ الِاخْتِناقِ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ فَرْضُ القَطْعِ وتَقْدِيرُهُ كَما أنَّ المُرادَ بِالنَّظَرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ﴾ تَقْدِيرُ النَّظَرِ وتَصْوِيرُهُ وإلّا فَبَعْدَ الِاخْتِناقِ لا يَتَأتّى مِنهُ ذَلِكَ أيْ فَلْيُقَدِّرْ في نَفْسِهِ النَّظَرَ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ غَيْظَهُ أوِ الَّذِي يَغِيظُهُ مِنَ النَّصْرِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ فَلْيَنْظُرِ الآنَ أنَّهُ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ هَلْ يَذْهَبُ ما يَغِيظُهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَأْمُورُ بِالنَّظَرِ غَيْرَ المَأْمُورِ الأوَّلِ مِمَّنْ يَصِحُّ مِنهُ النَّظَرُ، وأنْ يَكُونَ الكَلامُ خارِجًا مَخْرَجَ التَّهَكُّمِ كَما قِيلَ إنَّ تَسْمِيَةَ فِعْلِهِ ذَلِكَ كَيْدًا خارِجَةٌ هَذا المَخْرَجَ، وقالَ جَمْعٌ: إنَّ إطْلاقَ الكَيْدِ عَلى ذَلِكَ لِشِبْهِهِ بِهِ فَإنَّ الكائِدَ إذا كادَ أتى بِغايَةِ ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ وذَلِكَ الفِعْلُ غايَةُ ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ ذَلِكَ العَدُوُّ الحَسُودُ، ونُقِلَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّ المَعْنى فَلْيَمْدُدْ حَبْلًا إلى السَّماءِ المُظِلَّةِ ولْيَصْعَدْ عَلَيْهِ ثُمَّ لْيَقْطَعِ الوَحْيَ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: لِيَقْطَعِ المَسافَةَ حَتّى يَبْلُغَ عَنانَ السَّماءِ فَيَجْهَدْ في دَفْعِ نَصْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ النّازِلِ مِن جِهَتِها. وتَعَقَّبَهُ المَوْلى أبُو السُّعُودِ بِأنَّهُ يَأْباهُ مَساقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ بَيانُ أنَّ الأُمُورَ المَفْرُوضَةَ عَلى تَقْدِيرِ وُقُوعِها وتَحَقُّقِها بِمَعْزِلٍ مِن إذْهابِ ما يَغِيظُ، ومِنَ البَيْنِ أنْ لا مَعْنى لِفَرْضِ وُقُوعِ الأُمُورِ المُمْتَنِعَةِ وتَرْتِيبِ الأمْرِ بِالنَّظَرِ عَلَيْهِ لا سِيَّما قَطْعَ الوَحْيِ فَإنَّ فَرْضَ وُقُوعِهِ مُخِلٌّ بِالمَرامِ قَطْعًا، ونُوقِشَ في ذَلِكَ بِما لا يَخْفى عَلى النّاظِرِ، نَعَمِ المَعْنى السّابِقُ هو الأوْلى، وأيًّا ما كانَ فَمَن يَظُنُّ ذَلِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الحاسِدُونَ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: أعْرابٌ مِن أسْلَمَ. وغَطَفانَ تَباطَؤُوا عَنِ الإسْلامِ وقالُوا: نَخافُ أنْ لا يُنْصَرَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَيَنْقَطِعَ ما بَيْنَنا وبَيْنَ حُلَفائِنا مِن يَهُودٍ فَلا يُقْرُونا ولا يُؤْوُونا، وقِيلَ: قَوْمٌ مِنَ المُسْلِمِينَ كانُوا لِشِدَّةِ غَيْظِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ يَسْتَبْطِئُونَ ما وعَدَ اللَّهُ تَعالى لِرَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ النَّصْرِ والمَعْنى عَلَيْهِ وكَذا عَلى سابِقِهِ إنْ قِيلَ إنَّ أُولَئِكَ الأعْرابَ كانُوا يَسْتَبْطِئُونَ النَّصْرَ أيْضًا مَنِ اسْتَبْطَأ نَصْرَ اللَّهِ تَعالى وطَلَبَهُ عاجِلًا فَلْيَقْتُلْ نَفْسَهُ لِأنَّ لَهُ وقْتًا اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ وُقُوعَهُ فِيهِ فَلا يَقَعُ في غَيْرِهِ، وأنْتَ تَعْلَمُ بُعْدَ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ وأنَّ ثانِيَهُما أبْعَدُهُ. واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ كَوْنَ ضَمِيرِ يَنْصُرُهُ عائِدًا عَلى مَن لِأنَّهُ المَذْكُورُ وحَقُّ الضَّمِيرِ أنْ يَعُودَ عَلى مَذْكُورٍ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ وإلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُهم وفُسِّرَ النَّصْرُ بِالرِّزْقِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وقَفَ عَلَيْنا سائِلٌ مِن بَنِي بَكْرٍ فَقالَ: مَن يَنْصُرُنِي نُصْرَةَ اللَّهِ تَعالى وقالُوا: أرْضٌ مَنصُورَةٌ أيْ مَمْطُورَةٌ، وقالَ الفَقْعَسِيُّ:(p-128) ؎وإنَّكَ لا تُعْطِي امْرَأً فَوْقَ حَقِّهِ ولا تَمْلِكُ الشَّيْءَ الَّذِي أنْتَ ناصِرُهُ أيْ مُعْطِيهِ وكَأنَّهُ مُسْتَعارٌ مِنَ النَّصْرِ بِمَعْنى العَوْنِ فالمَعْنى أنَّ الأرْزاقَ بِيَدِ اللَّهِ تَعالى لا تُنالُ إلّا بِمَشِيئَتِهِ فَلا بُدَّ لِلْعَبْدِ مِنَ الرِّضا بِقِسْمَتِهِ فَمَن ظَنَّ أنَّ اللَّهَ تَعالى غَيْرُ رازِقِهِ ولَمْ يَصْبِرْ ولَمْ يَسْتَسْلِمْ فَلْيَبْلُغْ غايَةَ الجَزَعِ وهو الِاخْتِناقُ فَإنَّ ذَلِكَ لا يَقْلِبُ القِسْمَةَ ولا يَرُدُّهُ مَرْزُوقًا والغَرَضُ الحَثُّ عَلى الرِّضا بِما قَسَمَ اللَّهُ تَعالى لا كَمَن يَعْبُدُهُ عَلى حَرْفٍ وكَأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ المُؤْمِنِينَ عَقِيبَهم عَلى ما مَرَّ حَذَّرَهم عَنْ مِثْلِ حالِهِمْ لُطْفًا في شَأْنِهِمْ. ولا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ وإنْ كانَ رَبْطُ الآيَةِ بِما قَبْلَها عَلَيْهِ قَرِيبًا، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِمَن والنَّصْرِ عَلى المُتَبادَرِ مِنهُ والمَعْنى مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ تَعالى فَيَغْتاظُ لِانْتِفاءِ نَصْرِهِ فَلْيَحْتَلْ بِأعْظَمِ حِيلَةٍ في نَصْرِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ ولْيَسْتَفْرِغْ جُهْدَهُ في إيصالِ النَّصْرِ إلَيْهِ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ ذَلِكَ ما يَغِيظُهُ مِنَ انْتِفاءِ النَّصْرِ. ولا يَخْفى ما في وجْهِ الرَّبْطِ عَلى هَذا مِنَ الخَفاءِ. ومَن كَما أشَرْنا إلَيْهِ شَرْطِيَّةٌ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً والفاءُ في خَبَرِها لِتَضَمُّنِها مَعْنى الشَّرْطِ وهَلْ يُذْهِبَنَّ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِيَنْظُرُ، وذُكِرَ أنَّهُ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ، وقَرَأ البَصْرِيُّونَ وابْنُ عامِرٍ ووَرْشٌ ثُمَّ لِيَقْطَعْ بِكَسْرِ لامِ الأمْرِ والباقُونَ بِسُكُونِها عَلى تَشْبِيهِ ثُمَّ بِالواوِ والفاءِ لِأنَّ الجَمِيعَ عَواطِفُ
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب