الباحث القرآني
﴿وحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ﴾ أيْ عَلى أهْلِ قَرْيَةٍ. فالكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أوِ القَرْيَةُ مَجازٌ عَنْ أهْلِها. والحَرامُ مُسْتَعارٌ لِلْمُمْتَنِعِ وجُودُهُ بِجامِعِ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما غَيْرُ مَرْجُوِّ الحُصُولِ، وقالَ الرّاغِبُ: الحَرامُ المَمْنُوعُ مِنهُ إمّا بِتَسْخِيرٍ إلَهِيٍّ وإمّا بِمَنعٍ قَهْرِيٍّ وإمّا بِمَنعٍ مِن جِهَةِ العَقْلِ أوْ مِن جِهَةِ الشَّرْعِ أوْ مِن جِهَةِ مَن يَرْتَسِمُ أمْرُهُ، وذُكِرَ أنَّهُ قَدْ حُمِلَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى التَّحْرِيمِ بِالتَّسْخِيرِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ﴾ [القَصَصَ: 12] وقَرَأ أبُو حَنِيفَةَ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ وطَلْحَةُ والأعْمَشُ وأبُو عَمْرٍ و في رِوايَةٍ (وحِرْمٌ ) بِكَسْرِ الحاءِ وسُكُونِ الرّاءِ اهَـ.
(p-91)وقَرَأ قَتادَةُ ومَطَرُ الوَرّاقُ ومَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرٍ و بِفَتْحِ الحاءِ وسُكُونِ الرّاءِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ (وحُرِمٌ ) الحاءِ وكَسْرِ الرّاءِ والتَّنْوِينِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ أيْضًا وابْنُ المُسَيِّبِ وقَتادَةُ أيْضًا بِكَسْرِ الرّاءِ وفَتْحِ الحاءِ والمِيمِ عَلى المُضِيِّ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ بِخِلافٍ عَنْهُما وأبُو العالِيَةِ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِضَمِّ الرّاءِ وفَتْحِ الحاءِ والمِيمِ عَلى المُضِيِّ أيْضًا، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ بِفَتْحِ الحاءِ والرّاءِ والمِيمِ عَلى المُضِيِّ أيْضًا.
وقَرَأ اليَمانِيُّ ( وحُرِّمَ ) بِضَمِّ الحاءِ وكَسْرِ الرّاءِ مُشَدَّدَةً وفَتْحِ المِيمِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ.
﴿أهْلَكْناها﴾ أيْ قَدَّرْنا هَلاكَها أوْ حَكَمْنا بِهِ في الأزَلِ لِغايَةِ طُغْيانِهِمْ وعُتُوِّهِمْ فِيما لا يَزالُ.
وقَرَأ السِّلْمِيُّ وقَتادَةُ (أهْلَكْتُها ) بِتاءِ المُتَكَلِّمِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنَّهم لا يَرْجِعُونَ﴾ في تَأْوِيلِ اسْمٍ مَرْفُوعٍ عَلى الِابْتِداءِ خَبَرُهُ (حَرامٌ ) قالَ ابْنُ الحاجِبِ في أمالِيهِ: ويَجِبُ حِينَئِذٍ تَقْدِيمُهُ لِما تَقَرَّرَ في النَّحْوِ مِن أنَّ الخَبَرَ عَنْ أنْ يَجِبَ تَقْدِيمُهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (حَرامٌ ) مُبْتَدَأً و(أنَّهم ) فاعِلٌ لَهُ سَدَّ مَسَدَّ خَبَرِهِ وإنْ لَمْ يَعْتَمِدْ عَلى نَفْيٍ أوِ اسْتِفْهامٍ بِناءً عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ فَإنَّهُ لا يُشْتَرَطُ في ذَلِكَ الِاعْتِمادُ خِلافًا لِلْجُمْهُورِ كَما هو المَشْهُورُ.
وذَهَبَ ابْنُ مالِكٍ أنَّ رَفْعَ الوَصْفِ الواقِعِ مُبْتَدَأً لِمُكْتَفًى بِهِ عَنِ الخَبَرِ مِن غَيْرِ اعْتِمادٍ جائِزٌ بِلا خِلافٍ وإنَّما الخِلافُ في الِاسْتِحْسانِ وعَدَمِهِ فَسِيبَوَيْهِ يَقُولُ: هو لَيْسَ بِحَسَنٍ والأخْفَشُ يَقُولُ: هو حَسَنٌ وكَذا الكُوفِيُّونَ كَما في شَرْحِ التَّسْهِيلِ والجُمْلَةُ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلٌّ إلَيْنا راجِعُونَ﴾ وما في أنَّ مِن مَعْنى التَّحْقِيقِ مُعْتَبَرٌ في النَّفْيِ المُسْتَفادِ في ( حَرامٌ ) لا في المَنفِيِّ أيْ مُمْتَنِعٌ البَتَّةَ عَدَمُ رُجُوعِهِمْ إلَيْنا لِلْجَزاءِ لا أنَّ عَدَمَ رُجُوعِهِمُ المُحَقَّقِ مُمْتَنِعٌ، وتَخْصِيصُ امْتِناعِ عَدَمِ رُجُوعِهِمْ بِالذِّكْرِ مَعَ شُمُولِ الِامْتِناعِ لِعَدَمِ رُجُوعِ الكُلِّ حَسْبَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلٌّ إلَيْنا راجِعُونَ﴾ لِأنَّهُمُ المُنْكِرُونَ لِلْبَعْثِ والرُّجُوعِ دُونَ غَيْرِهِمْ، وهَذا المَعْنى مَحْكِيٌّ عَنْ أبِي مُسْلِمِ بْنِ بَحْرٍ، ونَقَلَهُ أبُو حَيّانَ عَنْهُ لَكِنَّهُ قالَ: إنَّ الغَرَضَ مِنَ الجُمْلَةِ عَلى ذَلِكَ إبْطالُ قَوْلِ مَن يُنْكِرُ البَعْثَ، وتَحْقِيقُ ما تَقَدَّمَ مِن أنَّهُ لا كُفْرانَ لِسَعْيِ أحَدٍ وأنَّهُ يُجْزى عَلى ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ، ولا يَخْفى ما فِيهِ.
وقالَ أبُو عُتْبَةَ: المَعْنى ومُمْتَنِعٌ عَلى قَرْيَةٍ قَدَّرْنا هَلاكَها أوْ حَكَمْنا بِهِ رُجُوعُهم إلَيْنا أيْ تَوْبَتُهم عَلى أنَّ (لا ) سَيْفٌ خَطِيبٌ مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ﴾ [الأعْرافَ: 12] في قَوْلٍ، وقِيلَ ﴿حَرامٌ﴾ بِمَعْنى واجِبٌ كَما في قَوْلِ الخَنْساءِ:
؎وإنَّ حَرامًا لا أرى الدَّهْرَ باكِيًا عَلى شَجْوَةٍ إلّا بَكَيْتُ عَلى صَخْرٍ
ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم ألا تُشْرِكُوا﴾ [الأنْعامَ: 151] إلَخْ فَإنَّ تَرْكَ الشِّرْكِ واجِبٌ، وعَلى هَذا قالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ ﴿لا يَرْجِعُونَ﴾ لا يَتُوبُونَ عَنِ الشِّرْكِ.
وقالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: لا يَرْجِعُونَ إلى الدُّنْيا، والظّاهِرُ عَلى هَذا أنَّ المُرادَ بِأهْلَكْناها أوْجَدْنا إهْلاكَها بِالفِعْلِ، والمُرادُ بِالهَلاكِ الهَلاكُ الحِسِّيُّ، ويَجُوزُ عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ بِعَدَمِ الرُّجُوعِ عَدَمُ التَّوْبَةِ أنْ يُرادَ بِهِ الهَلاكُ المَعْنَوِيُّ بِالكُفْرِ والمَعاصِي. وقُرِئَ (إنَّهم ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ اسْتِئْنافٌ تَعْلِيلِيٌّ لِما قَبْلَها فَحَرامٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ حَرامٌ عَلَيْها ذَلِكَ وهو ما ذُكِرَ في الآيَةِ السّابِقَةِ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ المَشْفُوعِ بِالإيمانِ والسَّعْيِ المَشْكُورِ ثُمَّ عَلَّلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنَّهم لا يَرْجِعُونَ﴾ عَماهم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ فَكَيْفَ لا يُمْتَنَعُ ذَلِكَ، ويَجُوزُ حَمْلُ الكَلامِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِالفَتْحِ عَلى هَذا المَعْنى بِحَذْفِ حَرْفِ التَّعْلِيلِ أيْ لِأنَّهم لا يَرْجِعُونَ. والزَّجّاجُ قَدَّرَ المُبْتَدَأ في ذَلِكَ أنْ يُتَقَبَّلَ عَمَلُهم فَقالَ: المَعْنى وحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ حَكَمْنا بِهَلاكِها أنْ يُتَقَبَّلَ عَمَلُهم لِأنَّهم لا يَتُوبُونَ (p-92)ودَلَّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى قَبْلُ: ﴿فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ﴾ حَيْثُ إنَّ المُرادَ مِنهُ يُتَقَبَّلُ عَمَلُهُ
{"ayah":"وَحَرَ ٰمٌ عَلَىٰ قَرۡیَةٍ أَهۡلَكۡنَـٰهَاۤ أَنَّهُمۡ لَا یَرۡجِعُونَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











