الباحث القرآني

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها﴾ نُصِبَ نَصْبَ نَظائِرِهِ السّابِقَةِ، وقِيلَ رُفِعَ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ مِمّا يُتْلى عَلَيْكم أوْ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَنَفَخْنا فِيها مِن رُوحِنا﴾ والفاءُ زائِدَةٌ عِنْدَ مَن يُجِيزُهُ، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ مَرْيَمُ عَلَيْها السَّلامُ، والإحْصانُ بِمَعْناهُ اللُّغَوِيِّ وهو المَنعُ مُطْلَقًا. والفَرْجُ في الأصْلِ الشِّقُّ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ كالفُرْجَةِ وما بَيْنَ الرِّجْلَيْنِ ويُكْنى بِهِ عَنِ السَّوْأةِ وكَثُرَ حَتّى صارَ كالصَّرِيحِ في ذَلِكَ وهو المُرادُ بِهِ هُنا عِنْدَ جَماعَةٍ أيْ مَنَعَتْ فَرْجَها مِنَ النِّكاحِ بِقِسْمَيْهِ كَما قالَتْ ﴿ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ولَمْ أكُ بَغِيًّا﴾ [مَرْيَمَ: 20] وكانَ التَّبَتُّلُ إذْ ذاكَ مَشْرُوعًا لِلنِّساءِ والرِّجالِ، وقِيلَ الفَرْجُ هُنا جَيْبُ قَمِيصِها مَنَعَتْهُ مِن جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قَرُبَ مِنها لِيَنْفُخَ حَيْثُ لَمْ تَعْرِفْهُ. وعُبِّرَ عَنْها بِما ذُكِرَ لِتَفْخِيمِ شَأْنِها وتَنْزِيهِها عَمّا زَعَمُوهُ في حَقِّها، والمُرادُ مِنَ الرُّوحِ مَعْناهُ المَعْرُوفُ، والإضافَةُ إلى ضَمِيرِهِ تَعالى لِلتَّشْرِيفِ، ونَفْخُ الرُّوحِ عِبارَةٌ عَنِ الإحْياءِ ولَيْسَ هُناكَ نَفْخٌ حَقِيقَةٌ. ثُمَّ هَذا الإحْياءُ لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهو لِكَوْنِهِ في بَطْنِها صَحَّ أنْ يُقالَ: نَفَخْنا فِيها فَإنَّ ما يَكُونُ فِيما في الشَّيْءِ يَكُونُ فِيهِ فَلا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أحْيَيْناها ولَيْسَ بِمُرادٍ، وهَذا كَما يَقُولُ الزَّمّارُ. نَفَخْتُ في بَيْتِ فُلانٍ وهو قَدْ نَفَخَ في المِزْمارِ في بَيْتِهِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: الكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ فَنَفَخْنا في ابْنِها. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الرُّوحِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا﴾ [مَرْيَمَ: 17] ومِنَ ابْتِدائِيَّةٌ وهُناكَ نَفْخٌ حَقِيقَةٌ وإسْنادُهُ إلَيْهِ تَعالى مَجازٌ أيْ فَنَفَخْنا فِيها مِن جِهَةِ رُوحِنا، وكانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ نَفَخَ مِن جَيْبِ دِرْعِها فَوَصَلَ النَّفْخُ إلى جَوْفِها فَصَحَّ أنَّ النَّفْخَ فِيها مِن غَيْرِ غُبارٍ يَحْتاجُ إلى النَّفْخِ، ثُمَّ النَّفْخُ لازِمٌ وقَدْ يَتَعَدّى فَيُقالُ نَفَخَنا الرُّوحُ. وقَدْ جاءَ في ذَلِكَ بَعْضُ الشَّواذِّ ونَصَّ عَلَيْهِ بَعْضُ الأجِلَّةِ فَإنْكارُهُ مِن عَدَمِ الِاطِّلاعِ ﴿وجَعَلْناها وابْنَها﴾ أيْ جَعَلْنا قِصَّتَهُما أوْ حالَهُما ﴿آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ فَإنَّ مَن تَأمَّلَ حالَتَهُما تَحَقَّقَ كَمالَ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، فالمُرادُ بِالآيَةِ ما حَصَلَ بِهِما مِنَ الآيَةِ مَعَ تَكاثُرِ آياتِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما، وقِيلَ أُرِيدَ بِالآيَةِ الجِنْسُ الشّامِلُ ما لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما مِنَ الآياتِ المُسْتَقِلَّةِ، وقِيلَ: المَعْنى وجَعَلْناها آيَةً وابْنَها آيَةً فَحُذِفَتِ الأُولى لِدَلالَةِ الثّانِيَةِ عَلَيْها واسْتُدِلَّ (p-89)بِذِكْرِ مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ مَعَ الأنْبِياءِ في هَذِهِ السُّورَةِ عَلى أنَّها كانَتْ نَبِيَّةً إذْ قُرِنَتْ مَعَهم في الذِّكْرِ. وفِيهِ أنَّهُ لا يُلْزِمُ ذِكْرُها مَعَهم كَوْنَها مِنهم ولَعَلَّها إنَّما ذُكِرَتْ لِأجْلِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وناسَبَ ذِكْرُهُما هُنا قِصَّةَ زَكَرِيّا وزَوْجِهِ وابْنِهِما يَحْيى لِلْقَرابَةِ الَّتِي بَيْنَهم عَلَيْهِمُ السَّلامُ
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب