الباحث القرآني

﴿وأيُّوبَ﴾ الكَلامُ فِيهِ كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وداوُدَ وسُلَيْمانَ﴾ ﴿إذْ نادى رَبَّهُ أنِّي﴾ أيْ بِأنِّي ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى إضْمارِ القَوْلِ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ أيْ قائِلًا إنِّي، ومَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ إجْراءُ نادى مُجْرى قالَ، والضَّرُّ بِالفَتْحِ شائِعٌ في كُلِّ ضَرَرٍ وبِالضَّمِّ خاصٌّ بِما في النَّفْسِ مِن مَرَضٍ وهُزالٍ ونَحْوِهِما ﴿وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ أيْ وأنْتَ أعْظَمُ رَحْمَةً مِن كُلِّ مَن يَتَّصِفُ بِالرَّحْمَةِ في الجُمْلَةِ وإلّا فَلا راحِمَ في الحَقِيقَةِ سِواهُ جَلَّ شَأْنُهُ وعَلا، ولا يَخْفى ما في وصْفِهِ تَعالى بِغايَةِ الرَّحْمَةِ بَعْدَ ما ذَكَّرَ نَفْسَهُ بِما يُوجِبُها مُكْتَفِيًا بِذَلِكَ عَنْ عَرْضِ الطَّلَبِ مِنَ اسْتِمْطارِ سَحائِبِ الرَّحْمَةِ عَلى ألْطَفِ وجْهٍ. ويُحْكى في التَّلَطُّفِ في الطَّلَبِ أنَّ امْرَأةً شَكَتْ إلى بَعْضِ ولَدِ سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ قِلَّةَ الفَأْرِ في بَيْتِها فَقالَ: امْلَؤُوا بَيْتَها خُبْزًا وسَمْنًا ولَحْمًا، وهو عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ابْنُ أمُوصَ بْنِ رُزاحَ بْنِ عِيصَ بْنِ إسْحاقَ، وحَكى ابْنُ عَساكِرَ (p-80)أنَّ أُمَّهُ بِنْتُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وأنَّ أباهُ مِمَّنْ آمَنَ بِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَعَلى هَذا كانَ قَبْلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: كانَ بَعْدَ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ ابْنُ أبِي خَيْثَمَةَ، كانَ بَعْدَ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنِ الكَلْبِيِّ قالَ أوَّلُ نَبِيٍّ بُعِثَ إدْرِيسُ ثُمَّ نُوحٌ ثُمَّ إبْراهِيمُ ثُمَّ إسْماعِيلُ وإسْحاقُ ثُمَّ يَعْقُوبُ ثُمَّ يُوسُفُ ثُمَّ لُوطٌ ثُمَّ هُودُ ثُمَّ صالَحٌ ثُمَّ شُعَيْبٌ ثُمَّ مُوسى وهارُونُ ثُمَّ إلْياسُ ثُمَّ اليَسَعُ ثُمَّ يُونُسُ ثُمَّ أيُّوبُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: الصَّحِيحُ أنَّهُ كانَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ يَصِحَّ في نَسَبِهِ شَيْءٌ إلّا أنَّ اسْمَ أبِيهِ أمُوصُ. وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما أخْرَجَ الحاكِمُ مِن طَرِيقِ سَمْرَةَ عَنْ كَعْبٍ طَوِيلًا جَعْدَ الشَّعْرِ واسِعَ العَيْنَيْنِ حَسْنَ الخُلُقِ قَصِيرَ العُنُقِ عَرِيضَ الصَّدْرِ غَلِيظَ السّاقَيْنِ والسّاعِدَيْنِ وكانَ قَدِ اصْطَفاهُ اللَّهُ تَعالى وبَسَطَ عَلَيْهِ الدُّنْيا وكَثَّرَ أهْلَهُ ومالَهُ فَكانَ لَهُ سَبْعَةُ بَنِينَ وسَبْعُ بَناتٍ ولَهُ أصْنافُ البَهائِمِ وخَمْسُمِائَةِ فَدّانٍ يُتْبِعُها خَمْسُمِائَةِ عَبْدٍ لِكُلِّ عَبْدٍ امْرَأةٌ ووَلَدٌ فابْتَلاهُ اللَّهُ تَعالى بِذَهابِ ولَدِهِ بِهَدْمِ بَيْتٍ عَلَيْهِمْ وبِذَهابِ أمْوالِهِ وبِالمَرَضِ في بَدَنِهِ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً أوْ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً أوْ سَبْعًا وسَبْعَةَ أشْهُرٍ وسَبْعَةَ أيّامٍ وسَبْعَ ساعاتٍ أوْ ثَلاثَ سِنِينَ، وعُمْرُهُ إذْ ذاكَ سَبْعُونَ سَنَةً، وقِيلَ ثَمانُونَ سَنَةً، وقِيلَ أكْثَرُ، ومُدَّةُ عُمْرِهِ عَلى ما رَوى الطَّبَرانِيُّ ثَلاثٌ وتِسْعُونَ سَنَةً وقِيلَ أكْثَرُ. رُوِيَ أنَّ امْرَأتَهُ وكَوْنُها ماضِرُ بِنْتُ مَيْشا بْنِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ رَحْمَةُ بِنْتُ إفْرائِيمَ بْنِ يُوسُفَ إنَّما يَتَسَنّى عَلى بَعْضِ الرِّواياتِ السّابِقَةِ في زَمانِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَتْ لَهُ يَوْمًا: لَوْ دَعَوْتَ اللَّهَ تَعالى فَقالَ: كَمْ كانَتْ مُدَّةُ الرَّخاءِ فَذَكَرَتْ مُدَّةً كَثِيرَةً وفي بَعْضِ الرِّواياتِ ثَمانِينَ سَنَةً فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: أسْتَحِي مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ أدْعُوَهُ وما بَلَغَتْ مُدَّةُ بَلائِي مُدَّةَ رَخائِي. ورُوِيَ أنَّ إبْلِيسَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ أتاها عَلى هَيْئَةٍ عَظِيمَةٍ فَقالَ لَها: أنا إلَهُ الأرْضِ فَعَلْتُ بِزَوْجِكَ ما فَعَلْتُ لِأنَّهُ تَرَكَنِي وعَبَدَ إلَهَ السَّماءِ فَلَوْ سَجَدَ لِي سَجْدَةً رَدَدْتُ عَلَيْهِ وعَلَيْكِ جَمِيعَ ما أخَذْتُ مِنكُما. وفِي رِوايَةٍ لَوْ سَجَدْتِ لِي سَجْدَةً لَرَدَدْتُ المالَ والوَلَدَ وعافَيْتُ زَوْجَكِ فَرَجَعَتْ إلى أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ وكانَ مُلْقًى في الكُناسَةِ بِبَيْتِ المَقْدِسِ لا يَقْرُبُ مِنهُ أحَدٌ فَأخْبَرَتْهُ بِالقِصَّةِ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: لَعَلَّكِ افْتَتَنْتِ بِقَوْلِ اللَّعِينِ لَئِنْ عافانِي اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَأضْرِبَنَّكِ مِائَةَ سَوْطٍ وحَرامٌ عَلَيَّ أنْ أذُوقَ بَعْدَ هَذا مِن طَعامِكِ وشَرابِكِ شَيْئًا فَطَرَدَها فَبَقِيَ طَرِيحًا في الكُناسَةِ لا يَحُومُ حَوْلَهُ أحَدٌ مِنَ النّاسِ فَعِنْدَ ذَلِكَ خَرَّ ساجِدًا فَقالَ: (رَبِّ أنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ) وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ ذَلِكَ حِينَ مَرَّ بِهِ رَجُلانِ فَقالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: ولَوْ كانَ لِلَّهِ تَعالى في هَذا حاجَةٌ ما بَلَغَ بِهِ هَذا كُلُّهُ فَسَمِعَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَشَقَّ عَلَيْهِ فَقالَ (رَبِّ ) إلَخْ، ورَوى أنَسٌ مَرْفُوعًا «أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ نَهَضَ مَرَّةً لِيُصَلِّيَ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلى النُّهُوضِ فَقالَ (رَبِّ ) إلَخْ» وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ ولَعَلَّ هَذا الأخِيرَ أمْثَلُ الأقْوالِ، وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَلاؤُهُ في بَدَنِهِ في غايَةِ الشِّدَّةِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قالَ: كانَ يَخْرُجُ في بَدَنِهِ مِثْلُ ثَدْيِ النِّساءِ ثُمَّ يَتَفَقَّأُ، وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: ما كانَ بَقِيَ مِن أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلّا عَيْناهُ وقَلْبُهُ ولِسانُهُ فَكانَتِ الدَّوابُّ تَخْتَلِفُ في جَسَدِهِ، وأخْرَجَ أبُو نَعِيمٍ. وابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ أنَّ الدُّودَةَ لَتَقَعُ مِن جَسَدِ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَيُعِيدُها إلى مَكانِها ويَقُولُ: كُلِي مِن رِزْقِ اللَّهِ تَعالى، وما أصابَ مِنهُ إبْلِيسُ في مَرَضِهِ كَما أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ إلّا الأنِينَ، وسَبَبُ ابْتِلائِهِ عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ جُوَيْبِرَ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ اسْتَعانَ بِهِ مِسْكِينٌ عَلى دَرْءِ ظُلْمٍ عَنْهُ فَلَمْ يُعِنْهُ. (p-81)وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي إدْرِيسَ الخَوَلانِيِّ في ذَلِكَ أنَّ الشّامَ أجْدَبَ فَكَتَبَ فِرْعَوْنُ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ هَلُمَّ إلَيْنا فَإنَّ لَكَ عِنْدَنا سَعَةً فَأقْبَلَ بِما عِنْدَهُ فَأقْطَعَهُ أرْضًا فاتَّفَقَ أنْ دَخَلَ شُعَيْبٌ عَلى فِرْعَوْنَ وأيُّوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَهُ فَقالَ: أما تَخافُ أنْ يَغْضَبَ اللَّهُ تَعالى غَضْبَةً فَيَغْضَبُ لِغَضَبِهِ أهْلُ السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالُ والبِحارُ فَسَكَتَ أيُّوبُ فَلَمّا خَرَجا مِن عِنْدِهِ أوْحى اللَّهُ تَعالى إلى أيُّوبَ أوَسَكَتَّ عَنْ فِرْعَوْنَ لِذَهابِكَ إلى أرْضِهِ اسْتَعِدَّ لِلْبَلاءِ قالَ: فَدِينِي قالَهُ سُبْحانَهُ: أسْلِمُهُ لَكَ قالَ: لا أُبالِي، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّةِ هَذِهِ الأخْبارِ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا سَجَدَ فَقالَ ذَلِكَ قِيلَ لَهُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ فَقَدِ اسْتُجِيبَ لَكَ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ فَرَكَضَ فَنَبَعَتْ مِن تَحْتِهِ عَيْنُ ماءٍ فاغْتَسَلَ مِنها فَلَمْ يَبْقَ في ظاهِرِ بَدَنِهِ دابَّةٌ إلّا سَقَطَتْ ولا جِراحَةٌ إلّا بَرِئَتْ ثُمَّ رَكَضَ مَرَّةً أُخْرى فَنَبَعَتْ عَيْنٌ أُخْرى فَشَرِبَ مِنها فَلَمْ يَبْقَ في جَوْفِهِ داءٌ إلّا خَرَجَ وعادَ صَحِيحًا ورَجَعَ إلَيْهِ شَبابُهُ وجَمالُهُ وذَلِكَ
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب