الباحث القرآني

﴿إذْ قالَ لأبِيهِ وقَوْمِهِ﴾ ظَرْفٌ لَآتَيْنا عَلى أنَّهُ وقْتٌ مُتَّسِعٌ وقَعَ فِيهِ الإيتاءُ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِن أقْوالِهِ وأفْعالِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِرُشْدٍ (p-59)أوْ لِعالِمِينَ، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن مَوْضِعِ ﴿مِن قَبْلُ﴾ وأنْ يَنْتَصِبَ بِإضْمارِ أعْنِي أوْ أذْكُرُ، وبَدَأ بِذِكْرِ الأبِ لِأنَّهُ كانَ الأهَمَّ عِنْدَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في النَّصِيحَةِ والإنْقاذِ مِنَ الضَّلالِ. والظّاهِرُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهُ ولِقَوْمِهِ مُجْتَمِعِينَ: ﴿ما هَذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ أرادَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما هَذِهِ الأصْنامُ إلّا أنَّهُ عَبَّرَ عَنْها بِالتَّماثِيلِ تَحْقِيرًا لِشَأْنِها فَإنَّ التِّمْثالَ الصُّورَةُ المَصْنُوعَةُ مُشَبَّهَةٌ بِمَخْلُوقٍ مِن مَخْلُوقاتِ اللَّهِ تَعالى مِن مَثَّلْتُ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ إذا شَبَّهْتَهُ بِهِ. وكانَتْ عَلى ما قِيلَ صُوَرَ الرِّجالِ يَعْتَقِدُونَ فِيهِمْ وقَدِ انْقَرَضُوا، وقِيلَ كانَتْ صُوَرَ الكَواكِبِ صَنَعُوها حَسْبَما تَخَيَّلُوا، وفي الإشارَةِ إلَيْها بِما يُشارُ بِهِ لِلْقَرِيبِ إشارَةٌ إلى التَّحْقِيرِ أيْضًا، والسُّؤالُ عَنْها بِما الَّتِي يُطْلَبُ بِها بَيانُ الحَقِيقَةِ أوْ شَرْحُ الِاسْمِ مِن بابِ تَجاهُلِ العارِفِ كَأنَّهُ لا يَعْرِفُ أنَّها ماذا وإلّا فَهو عَلَيْهِ السَّلامُ مُحِيطٌ بِأنَّ حَقِيقَتَها حَجَرٌ أوْ نَحْوُهُ، والعُكُوفُ الإقْبالُ عَلى الشَّيْءِ ومُلازَمَتُهُ عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ لَهُ، وقِيلَ اللُّزُومُ والِاسْتِمْرارُ عَلى الشَّيْءِ لِغَرَضٍ مِنَ الأغْراضِ وهو عَلى التَّفْسِيرَيْنِ دُونَ العِبادَةِ فَفي اخْتِيارِهِ عَلَيْها إيماءٌ إلى تَفْظِيعِ شَأْنِ العِبادَةِ غايَةَ التَّفْظِيعِ، واللّامُ في ( لَها ) لِلْبَيانِ فَهي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾ [يُوسُفَ: 43] أوْ لِلتَّعْلِيلِ فَهي مُتَعَلِّقَةٌ بِعاكِفُونَ ولَيْسَتْ لِلتَّعْدِيَةِ لِأنَّ عَكَفَ إنَّما يَتَعَدّى بِعَلى كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهُمْ﴾ [الأعْرافَ: 138] وقَدْ نَزَلَ الوَصْفُ هُنا مَنزِلَةَ اللّازِمِ أيِ الَّتِي أنْتُمْ لَها فاعِلُونَ العُكُوفَ. واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ كَوْنَها لِلتَّعْلِيلِ وصِلَةُ ( عاكِفُونَ ) مَحْذُوفَةٌ أيْ عاكِفُونَ عَلى عِبادَتِها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ بِمَعْنى عَلى كَما قِيلَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها﴾ [الإسْراءَ: 7] وتَتَعَلَّقُ حِينَئِذٍ بِعاكِفُونَ عَلى أنَّها لِلتَّعْدِيَةِ. وجُوِّزَ أنْ يُؤَوَّلَ العُكُوفُ بِالعِبادَةِ فاللّامُ حِينَئِذٍ كَما قِيلَ دِعامَةٌ لا مُعَدِّيَةٌ لِتَعَدِّيهِ بِنَفْسِهِ ورُجِّحَ هَذا الوَجْهُ بِما بَعْدُ، وقِيلَ لا يَبْعُدُ أنْ تَكُونَ اللّامُ لِلِاخْتِصاصِ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ خَبَرًا ( وعاكِفُونَ ) خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ نَفْيٌ بَعْدَهُ مُكابَرَةٌ، ومِنَ النّاسِ مَن لَمْ يَرْتَضِ تَأْوِيلَ العُكُوفِ بِالعِبادَةِ لِما أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي الدُّنْيا في ذَمِّ المَلاهِي وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عَلَيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ مَرَّ عَلى قَوْمٍ يَلْعَبُونَ بِالشِّطْرَنْجِ فَقالَ: ما هَذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ لَأنْ يَمَسَّ أحَدُكم جَمْرًا حَتّى يُطْفى خَيْرٌ لَهُ مِن أنْ يَمَسَّها، وفِيهِ نَظَرٌ لا يَخْفى، نَعَمْ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ الأوْلى إبْقاءَ العُكُوفِ عَلى ظاهِرِهِ، ومَعَ ذَلِكَ المَقْصُودُ بِالذّاتِ الِاسْتِفْسارُ عَنْ سَبَبِ العِبادَةِ والتَّوْبِيخُ عَلَيْها بِألْطَفِ أُسْلُوبٍ ولَمّا لَمْ يَجِدُوا ما يُعَوَّلُ عَلَيْهِ في أمْرِها التَجَئُوا إلى التَّشَبُّثِ بِحَشِيشِ التَّقْلِيدِ المَحْضِ حَيْثُ
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب