الباحث القرآني
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ﴾ بَيانٌ لِما سَيَقَعُ عِنْدَ إتْيانِ ما أُنْذِرُوهُ.
وجَعَلَ الطَّيِّبِيُّ الجُمْلَةَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ بِتَقْدِيرِ ونَحْنُ نَضَعُ، وهي في الخُلُوِّ عَنِ العائِدِ نَحْوُ جِئْتُكَ والشَّمْسُ طالِعَةٌ، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: أُقِيمَ العُمُومُ في ﴿نَفْسٌ﴾ الآتِي بَعْدَ مَقامِ العائِدِ وهو كَما تَرى أيْ ونُحْضِرُ المَوازِينَ العادِلَةَ الَّتِي تُوزَنُ بِها صَحائِفُ الأعْمالِ كَما يَقْضِي بِذَلِكَ حَدِيثُ السِّجِلّاتِ والبِطاقَةِ الَّتِي ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ أوْ نَفْسُ الأعْمالِ كَما قِيلَ، وتَظْهَرُ بِصُوَرٍ جَوْهَرِيَّةٍ مُشْرِقَةٍ إنْ كانَتْ حَسَناتٍ ومُظْلِمَةٍ إنْ كانَتْ سَيِّئاتٍ، وجَمْعُ المَوازِينِ ظاهِرٌ في تَعَدُّدِ المِيزانِ حَقِيقَةً وقَدْ قِيلَ بِهِ فَقِيلَ لِكُلِّ أُمَّةٍ مِيزانٌ، وقِيلَ لِكُلِّ مُكَلَّفٍ مِيزانٌ، وقِيلَ لِلْمُؤْمِنِ مَوازِينُ بِعَدَدِ خَيْراتِهِ وأنْواعِ حَسَناتِهِ، والأصَحُّ الأشْهَرُ أنَّهُ مِيزانٌ واحِدٌ لِجَمِيعِ الأُمَمِ ولِجَمِيعِ الأعْمالِ كِفَّتاهُ كَأطْباقِ السَّماواتِ والأرْضِ لِصِحَّةِ الأخْبارِ بِذَلِكَ، والتَّعَدُّدُ اعْتِبارِيٌّ وقَدْ يُعَبِّرُ عَنِ الواحِدِ بِما يَدُلُّ عَلى الجَمْعِ لِلتَّعْظِيمِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ ﴿لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا﴾ [المُؤْمِنُونَ: 99] وقَوْلُهُ فارْحَمُونِي يا إلَهَ مُحَمَّدٍ، وإحْضارُ ذَلِكَ تُجاهَ العَرْشِ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ ويَأْخُذُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِعَمُودِهِ ناظِرًا إلى لِسانِهِ ومِيكائِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أمِينٌ عَلَيْهِ كَما في نَوادِرِ الأُصُولِ، وهَلْ هو مَخْلُوقٌ اليَوْمَ أوْ سَيُخْلَقُ غَدًا ؟ .
قالَ اللَّقانِيُّ: لَمْ أقِفْ عَلى نَصٍّ في ذَلِكَ كَما لَمْ أقِفْ عَلى نَصٍّ في أنَّهُ مِن أيِّ الجَواهِرِ هو اهَـ، وما رُوِيَ مِن أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَ رَبَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُرِيَهُ المِيزانَ فَلَمّا رَآهُ غُشِيَ عَلَيْهِ ثُمَّ أفاقَ فَقالَ: يا إلَهِي مَنِ الَّذِي يَقْدِرُ أنْ يَمْلَأ كِفَّتَهُ حَسَناتٍ ؟ فَقالَ تَعالى: يا داوُدُ إنِّي إذا رَضِيتُ عَنْ عَبْدِي مَلَأْتُها بِتَمْرَةٍ، نَصٌّ في أنَّهُ مَخْلُوقٌ اليَوْمَ لَكِنْ لا أدْرِي حالَ الحَدِيثِ فَلْيُنْقَرْ.
وأنْكَرَ المُعْتَزِلَةُ المِيزانَ بِالمَعْنى الحَقِيقِيِّ وقالُوا: يَجِبُ أنْ يُحْمَلَ ما ورَدَ في القُرْآنِ مِن ذَلِكَ عَلى رِعايَةِ العَدْلِ والإنْصافِ، ووَضْعُ المَوازِينِ عِنْدَهم تَمْثِيلٌ لِإرْصادِ الحِسابِ السَّوِيِّ والجَزاءِ عَلى حَسَبِ الأعْمالِ، ورُوِيَ هَذا عَنِالضَّحّاكِ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ والأعْمَشِ ولا داعِيَ إلى العُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ، وإفْرادُ القِسْطِ مَعَ كَوْنِهِ (p-55)صِفَةَ الجَمْعِ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ ووُصِفَ بِهِ مُبالَغَةً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ ذَواتُ القِسْطِ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لِأجْلِهِ نَحْوُ قَوْلِهِ: لا أقْعُدُ الجُبْنَ عَنِ الهَيْجاءِ وحِينَئِذٍ يُسْتَغْنى عَنْ تَوْجِيهِ إفْرادِهِ. وقُرِئَ (القِصْطَ ) بِالصّادِ، واللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ بِمَعْنى في كَما نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ مالِكٍ وأنْشَدَ لِمَجِيئِها كَذَلِكَ قَوْلَ مِسْكِينَ الدّارِمِيِّ:
؎أُولَئِكَ قَوْمِي قَدْ مَضَوْا لِسَبِيلِهِمُ كَما مَضى مِن قَبْلُ عادٌ وتُبَّعُ
وهُوَ مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ ووافَقَهُمُ ابْنُ قُتَيْبَةَ أيْ نَضَعُ المَوازِينَ في يَوْمِ القِيامَةِ الَّتِي كانُوا يَسْتَعْجِلُونَها وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: هي لِلتَّعْلِيلِ أيْ لِأجْلِ حِسابِ يَوْمِ القِيامَةِ أوْ لِأجْلِ أهْلِهِ وجَعَلَها بَعْضُهم لِلِاخْتِصاصِ كَما هو أحَدُ احْتِمالَيْنِ في قَوْلِكَ جِئْتُ لِخَمْسِ لَيالٍ خَلَوْنَ مِنَ الشَّهْرِ، والمَشْهُورُ فِيهِ وهو الِاحْتِمالُ الثّانِي أنَّ اللّامَ بِمَعْنى في: ﴿فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ﴾ مِنَ النُّفُوسِ ﴿شَيْئًا﴾ مِنَ الظُّلْمِ فَلا يُنْقَصُ ثَوابُها المَوْعُودُ ولا يُزادُ عَذابُها المَعْهُودُ. فالشَّيْءُ مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ والظُّلْمُ هو بِمَعْناهُ المَشْهُورِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( شَيْئًا ) مَفْعُولًا بِهِ عَلى الحَذْفِ والإيصالِ والظُّلْمُ بِحالِهِ أيْ فَلا تُظْلَمُ في شَيْءٍ بِأنْ تُمْنَعَ ثَوابًا أوْ تُزادَ عَذابًا، وبَعْضُهم فَسَّرَ الظُّلْمَ بِالنَّقْصِ وجُوِّزَ في ( شَيْئًا ) المَصْدَرِيَّةُ والمَفْعُولِيَّةُ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ الحَذْفِ والإيصالِ أيْ فَلا تَنْقُصُ شَيْئًا مِنَ النَّقْصِ أوْ شَيْئًا مِنَ الثَّوابِ، ويُفْهَمُ عَدَمُ الزِّيادَةِ في العِقابِ مِن إشارَةِ النَّصِّ واللُّزُومِ المُتَعارَفِ، واخْتِيرَ ما لا يُحْتاجُ فِيهِ إلى الإشارَةِ واللُّزُومِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ انْتِفاءِ الظُّلْمِ عَلى وضْعِ المَوازِينِ.
ورُبَّما يُفْهَمُ مِن ذَلِكَ أنَّ كُلَّ أحَدٍ تُوزَنُ أعْمالُهُ، وقالَ القُرْطُبِيُّ: المِيزانُ حَقٌّ ولا يَكُونُ في حَقِّ كُلِّ أحَدٍ بِدَلِيلِ الحَدِيثِ الصَّحِيحِ فَيُقالُ: يا مُحَمَّدُ أدْخِلِ الجَنَّةَ مِن أُمَّتِكَ مَن لا حِسابَ عَلَيْهِ مِنَ البابِ الأيْمَنِ الحَدِيثَ وأحْرى الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهم فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ [الرَّحْمَنَ: 41] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾ [الكَهْفَ: 105] . وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفُرْقانَ: 23] . وإنَّما يَبْقى الوَزْنُ لِمَن شاءَ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِنَ الفَرِيقَيْنِ.
وذَكَرَ القاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ البَلُّوطِيُ أنَّ أهْلَ الصَّبْرِ لا تُوزَنُ أعْمالُهم وإنَّما يُصَبُّ لَهُمُ الأجْرُ صَبًّا، وظَواهِرُ أكْثَرِ الآياتِ والأحادِيثِ تَقْتَضِي وزْنَ أعْمالِ الكُفّارِ، وأُوِّلَ لَها ما اقْتَضى ظاهِرُهُ خِلافَ ذَلِكَ وهو قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها، وعِنْدِي لا قاطِعَ في عُمُومِ الوَزْنِ وأمِيلُ إلى عَدَمِ العُمُومِ، ثُمَّ إنَّهُ كَما اخْتُلِفَ في عُمُومِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى أفْرادِ الإنْسِ اخْتُلِفَ في عُمُومِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى نَوْعَيِ الإنْسِ والجِنِّ، والحَقُّ أنَّ مُؤْمِنِي الجِنِّ كَمُؤْمِنِي الإنْسِ وكافِرَهم كَكافِرِهِمْ كَما بَحَثَهُ القُرْطُبِيُّ واسْتَنْبَطَهُ مِن عِدَّةِ آياتٍ، وبَسَطَ اللَّقانِيُّ القَوْلَ في ذَلِكَ في شَرْحِهِ الكَبِيرِ لِلْجَوْهَرَةِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بَيانُ الخِلافِ في كَيْفِيَّةِ الوَزْنِ ﴿وإنْ كانَ﴾ أيِ العَمَلُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِوَضْعِ المَوازِينِ، وقِيلَ الضَّمِيرُ راجِعٌ لِشَيْئًا بِناءً عَلى أنَّ المَعْنى فَلا تُظْلَمُ جَزاءَ عَمَلٍ مِنَ الأعْمالِ ﴿مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ﴾ أيْ مِقْدارَ حَبَّةٍ كائِنَةٍ مِن خَرْدَلٍ فالجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِحَبَّةٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمِثْقالَ والأوَّلُ أقْرَبُ، والمُرادُ وإنْ كانَ في غايَةِ القِلَّةِ والحَقارَةِ فَإنَّ حَبَّةَ الخَرْدَلِ مَثَلٌ في الصِّغَرِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وأبُو جَعْفَرَ وشَيْبَةُ ونافِعٌ (مِثْقالُ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ كانَ (p-56)تامَّةٌ ﴿أتَيْنا بِها﴾ أيْ جِئْنا بِها وبِهِ قَرَأ أُبَيُّ، والمُرادُ أحْضَرْناها، فالباءُ لِلتَّعْدِيَةِ والضَّمِيرُ لِلْمِثْقالِ وأُنِّثَ لِاكْتِسابِ التَّأْنِيثِ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ والجُمْلَةُ جَوابُ إنِ الشَّرْطِيَّةِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ إنْ وصْلِيَّةً والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً وهو خِلافُ الظّاهِرِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ أبِي إسْحَقَ والعَلاءُ بْنُ سَيابَةَ وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وابْنُ شُرَيْحٍ الأصْبَهانِيُّ (آتَيْنا ) بِمَدَّةٍ عَلى أنَّهُ مُفاعَلَةٌ مِنَ الإتْيانِ بِمَعْنى المُجازاةِ والمُكافَأةِ لِأنَّهم أتَوْهُ تَعالى بِالأعْمالِ وأتاهم بِالجَزاءِ، وقِيلَ هو مِنَ الإيتاءِ وأصْلُهُ أأْتَيْنا فَأُبْدِلَتِ الهَمْزَةُ الثّانِيَةُ ألِفًا، والمُرادُ جازَيْنا أيْضًا مَجازًا ولِذا عُدِّيَ بِالباءِ ولَوْ كانَ المُرادُ أعْطَيْنا كَما قالَ بَعْضُهم لَتَعَدّى بِنَفْسِهِ كَما قالَ ابْنُ جِنِّي وغَيْرُهُ. وقَرَأ حُمَيْدٌ (أثَبْنا ) مِنَ الثَّوابِ ﴿وكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ قِيلَ أيْ عادِّينَ ومُحْصِينَ أعْمالَهم عَلى أنَّهُ مِنَ الحِسابِ مُرادًا بِهِ مَعْناهُ اللُّغَوِيُّ وهو العَدُّ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ السُّدِّيِّ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنِ المُجازاةِ. وذَكَرَ اللَّقانِيُّ أنَّ الحِسابَ في عُرْفِ الشَّرْعِ تَوْقِيفُ اللَّهِ تَعالى عِبادَهُ إلّا مَنِ اسْتُثْنِيَ مِنهم قَبْلَ الِانْصِرافِ مِنَ المَحْشَرِ عَلى أعْمالِهِمْ خَيْرًا كانَتْ أوْ شَرًّا تَفْصِيلًا لا بِالوَزْنِ، وأنَّهُ كَما ذَكَرَ الواحِدِيُّ وغَيْرُهُ وجَزَمَ بِهِ صاحِبُ كَنْزِ الأسْرارِ قَبْلَ الوَزْنِ، ولا يَخْفى أنَّ في الآيَةِ إشارَةً ما إلى أنَّ الحِسابَ المَذْكُورَ فِيها بَعْدَ وضْعِ المَوازِينِ فَتَأمَّلْ، ونَصْبُ الوَصْفِ إمّا عَلى أنَّهُ تَمْيِيزٌ أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ واسْتُظْهِرَ الأوَّلُ في البَحْرِ.
* * *
هَذا (ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ) ﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهم وهم في غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ إلَخْ فِيهِ إشارَةٌ إلى سُوءِ حالِ المَحْجُوبِينَ بِحُبِّ الدُّنْيا عَنِ الِاسْتِعْدادِ لِلْأُخْرى فَغَفَلُوا عَنْ إصْلاحِ أمْرِهِمْ وأعْرَضُوا عَنْ طاعَةِ رَبِّهِمْ وغَدَتْ قُلُوبُهم عَنِ الذِّكْرِ لاهِيَةً وعَنِ التَّفَكُّرِ في جَلالِهِ وجَمالِهِ سُبْحانَهُ ساهِيَةً، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأسَرُّوا النَّجْوى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى سُوءِ حالِ بَعْضِ المُنْكِرِينَ عَلى أوْلِياءِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّ نُفُوسَهُمُ الخَبِيثَةَ الشَّيْطانِيَّةَ تَأْبى اتِّباعَهم لِما يَرَوْنَ مِنَ المُشارَكَةِ في العَوارِضِ البَشَرِيَّةِ ﴿وكَمْ قَصَمْنا مِن قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ في الظُّلْمِ خَرابَ العُمْرانِ فَمَتى ظَلَمَ الإنْسانُ خَرِبَ قَلْبُهُ وجَرَّ ذَلِكَ إلى خَرابِ بَدَنِهِ وهَلاكِهِ بِالعَذابِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإذا هو زاهِقٌ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ مُداوَمَةَ الذِّكْرِ سَبَبٌ لِانْجِلاءِ الظُّلْمَةِ عَنِ القَلْبِ وتَطَهُّرِهِ مِن دَنَسِ الأغْيارِ بِحَيْثُ لا يَبْقى فِيهِ سِواهُ سُبْحانَهُ دِيارٌ ﴿ومَن عِنْدَهُ﴾ قِيلَ هُمُ الكامِلُونَ الَّذِينَ في الحَضْرَةِ فَإنَّهم لا يَتَحَرَّكُونَ ولا يَسْكُنُونَ إلّا مَعَ الحُضُورِ ولا تَشُقُّ عَلَيْهِمْ عِبادَةٌ ولا تُلْهِيهِمْ عَنْهُ تَعالى تِجارَةٌ بَواطِنُهم مَعَ الحَقِّ وظَواهِرُهم مَعَ الخَلْقِ أنْفاسُهم تَسْبِيحٌ وتَقْدِيسٌ وهو سُبْحانَهُ لَهم خَيْرُ أنِيسٍ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ الكامِلَ لا يَخْتارُ شَيْئًا بَلْ شَأْنُهُ التَّفْوِيضُ والجَرَيانُ تَحْتَ مَجارِي الأقْدارِ مَعَ طِيبِ النَّفْسِ، ومِن هُنا قِيلَ إنَّ القُطْبَ الرَّبّانِيَّ الشَّيْخَ عَبْدَ القادِرِ الكِيلانِيَّ قُدِّسَ سِرُّهُ وغَمَرَنا بِرُّهُ لَمْ يُتَوَفَّ حَتّى تَرَقّى عَنْ مَقامِ الإدْلالِ إلى التَّفْوِيضِ المَحْضِ، وقَدْ نَصَّ عَلى ذَلِكَ الشَّيْخُ عَبْدُ الوَهّابِ الشَّعَرانِيُّ في كِتابِهِ الجَواهِرُ واليَواقِيتُ ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ ما فِيهِ مِنَ الإشارَةِ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ قالَ الجُنَيْدُ قُدِّسَ سِرُّهُ: مَن كانَتْ حَياتُهُ بِرُوحِهِ يَكُونُ مَماتُهُ بِذَهابِها ومَن كانَتْ حَياتُهُ بِرَبِّهِ تَعالى فَإنَّهُ يُنْقَلُ مِن حَياةِ الطَّبْعِ إلى حَياةِ الأصْلِ وهي الحَياةُ عَلى الحَقِيقَةِ ﴿ونَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً﴾ قِيلَ أيْ بِالقَهْرِ واللُّطْفِ والفِراقِ والوِصالِ والإدْبارِ والإقْبالِ والجَهْلِ والعِلْمِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ولا يَخْفى أنَّهُ كَثِيرًا ما يُمْتَحَنُ السّالِكُ بِالقَبْضِ والبَسْطِ فَيَنْبَغِي لَهُ التَّثَبُّتُ (p-57)فِي كُلٍّ عَمّا يَحُطُّهُ عَنْ دَرَجَتِهِ، ولَعَلَّ فِتْنَةَ البَسْطِ أشَدُّ مِن فِتْنَةِ القَبْضِ فَلْيُتَحَفَّظْ هُناكَ أشَدَّ تَحَفُّظٍ ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ قالَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ: المَوازِينُ مُتَعَدِّدَةٌ فَلِلْعاشِقِينَ مِيزانٌ ولِلْوالِهِينَ مِيزانٌ ولِلْعامِلِينَ مِيزانٌ وهَكَذا، ومِن ذَلِكَ مِيزانٌ لِلْعارِفِينَ تُوزَنُ بِهِ أنْفاسُهم ولا يَزِنُ نَفْسًا مِنها السَّماواتُ والأرْضُ.
وذَكَرُوا أنَّ في الدُّنْيا مَوازِينَ أيْضًا أعْظَمُ مَوازِينِها الشَّرِيعَةُ وكِفَّتا الكِتابِ والسُّنَّةِ، ولَعَمْرِي لَقَدْ عَطَّلَ هَذا المِيزانُ مُتَصَوِّفَةَ هَذا الزَّمانِ أعاذَنا اللَّهُ تَعالى والمُسْلِمِينَ مِمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الضَّلالِ إنَّهُ عَزَّ وجَلَّ المُتَفَضِّلُ بِأنْواعِ الأفْضالِ.
{"ayah":"وَنَضَعُ ٱلۡمَوَ ٰزِینَ ٱلۡقِسۡطَ لِیَوۡمِ ٱلۡقِیَـٰمَةِ فَلَا تُظۡلَمُ نَفۡسࣱ شَیۡـࣰٔاۖ وَإِن كَانَ مِثۡقَالَ حَبَّةࣲ مِّنۡ خَرۡدَلٍ أَتَیۡنَا بِهَاۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَـٰسِبِینَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











