الباحث القرآني

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ والنَّهارَ والشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ اللَّذَيْنِ هُما آيَتاهُما ولِذا لَمْ يَعُدِ الفِعْلُ بَيانًا لِبَعْضِ تِلْكَ الآياتِ الَّتِي هم عَنْها مُعْرِضُونَ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ المُوجِبِ لِتَأْكِيدِ الِاعْتِناءِ بِفَحْوى الكَلامِ، ولَمّا كانَ إيجادُ اللَّيْلِ والنَّهارِ لَيْسَ عَلى نَمَطِ إيجادِ الحَيَواناتِ وإيجادِ الرَّواسِي لَمْ يَتَّحِدِ اللَّفْظُ الدّالُّ عَلى ذَلِكَ بَلْ جِيءَ بِالجَعْلِ هُناكَ وبِالخَلْقِ هُنا وكَذا قِيلَ وهو كَما تَرى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلٌّ﴾ مُبْتَدَأٌ وتَنْوِينُهُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، واعْتَبَرَهُ صاحِبُ الكَشّافِ مُفْرَدًا نَكِرَةً أيْ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ. واعْتُرِضَ بِأنَّهُ قَدْ صَرَّحَ ابْنُ هِشامٍ في المُغَنِي بِأنَّ المُقَدَّرَ إذا كانَ مُفْرَدًا نَكِرَةً يَجِبُ الإفْرادُ في الضَّمِيرِ العائِدِ عَلى كُلٍّ كَما لَوْ صَرَّحَ بِهِ وهُنا قَدْ جُمِعَ فَيَجِبُ عَلى هَذا اعْتِبارُهُ جَمْعًا مُعَرَّفًا أيْ كُلُّهم ومَتى اعْتُبِرَ كَذَلِكَ وجَبَ عِنْدَ ابْنِ هِشامٍ جَمْعُ العائِدِ وإنْ كانَ لَوْ ذُكِرَ لَمْ يَجِبْ، ووُجُوبُ الإفْرادِ في المَسْألَةِ الأُولى والجَمْعِ في الثّانِيَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى حالِ المَحْذُوفِ. وأبُو حَيّانَ يُجَوِّزُ الإفْرادَ والجَمْعَ مُطْلَقًا فَيَجُوزُ هُنا اعْتِبارُ المُضافِ إلَيْهِ مُفْرَدًا نَكِرَةً مَعَ جَمْعِ الضَّمِيرِ بَعْدُ كَما فَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ وهو مَن تَعْلَمُ عُلُوَّ شَأْنِهِ في العَرَبِيَّةِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فِي فَلَكٍ﴾ خَبَرُهُ، ووَجْهُ إفْرادِهِ ظاهِرٌ لِأنَّ النَّكِرَةَ المُقَدَّرَةَ لِلْعُمُومِ البَدَلِيِّ لا الشُّمُولِيِّ، ومَن قَدَّرَ جَمْعًا مُعَرَّفًا قالَ: المُرادُ بِهِ الجِنْسُ الكُلِّيُّ المُؤَوَّلُ بِالجَمْعِ نَحْوُ كَساهم حُلَّةً بِناءً عَلى أنَّ المَجْمُوعَ لَيْسَ في فَلَكٍ واحِدٍ. وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَسْبَحُونَ﴾ حالٌ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرَ و﴿فِي فَلَكٍ﴾ حالًا أوْ مُتَعَلِّقًا بِهِ وجُمْلَةُ ( كُلٌّ ) إلَخْ حالٌ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ والرّابِطُ الضَّمِيرُ دُونَ واوٍ بِناءً عَلى جَوازِ ذَلِكَ مِن غَيْرِ قُبْحٍ، ومَنِ اسْتَقْبَحَهُ جَعَلَها مُسْتَأْنَفَةً وكانَ ضَمِيرُهُما جَمْعًا اعْتِبارًا لِلتَّكْثِيرِ بِتَكاثُرِ المُطالِعِ فَيَكُونُ لَهُما نَظَرًا إلى مَفْهُومِهِما الوَضْعِيِّ أفْرادٌ خارِجِيَّةٌ بِهَذا الِاعْتِبارِ لا حَقِيقَةً، ولِهَذا السَّبَبِ يُقالُ شُمُوسٌ وأقْمارٌ وإنْ لَمْ يَكُنْ في الخارِجِ إلّا شَمْسٌ واحِدَةٌ وقَمَرٌ واحِدٌ والَّذِي حَسَّنَ ذَلِكَ هُنا تَوافُقُ الفَواصِلِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ غُلِّبَ القَمَرانِ لِشَرَفِهِما عَلى سائِرِ الكَواكِبِ فَجُمِعَ الضَّمِيرُ لِذَلِكَ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلنُّجُومِ وإنْ لَمْ تُذْكَرْ لِدَلالَةِ ما ذُكِرَ عَلَيْها. (p-40)وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلشَّمْسِ والقَمَرِ واللَّيْلِ والنَّهارِ، وفِيهِ أنَّ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَحْسُنُ وصْفُهُما بِالسِّباحَةِ وإنْ كانَتْ مَجازًا عَنِ السَّيْرِ، واخْتِيارُ ضَمِيرِ العُقَلاءِ إمّا لِأنَّهُما عُقَلاءُ حَقِيقَةً كَما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُسْلِمِينَ كالفَلاسِفَةِ، وإمّا لِأنَّهُما عُقَلاءُ ادِّعاءً وتَنْزِيلًا حَيْثُ نُسِبَ إلَيْهِما السِّباحَةُ وهي مِن صَنائِعِ العُقَلاءِ، والفَلَكُ في الأصْلِ كُلُّ شَيْءٍ دائِرٍ ومِنهُ فَلْكَةُ المِغْزَلِ والمُرادُ بِهِ هُنا عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمُ السَّماءُ. وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: هو مَوْجٌ مَكْفُوفٌ تَحْتَ السَّماءِ يَجْرِي فِيهِ الشَّمْسُ والقَمَرُ. وقالَ الضَّحّاكُ: هو لَيْسَ بِجِسْمٍ وإنَّما هو مَدارُ هَذِهِ النُّجُومِ، والمَشْهُورُ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيِّ وفِيهِ القَوْلُ بِاسْتِدارَةِ السَّماءِ وفي (كُلٌّ في فَلَكٍ ) رَمْزٌ خَفِيٌّ إلَيْهِ فَإنَّهُ لا يَسْتَحِيلُ بِالِانْقِلابِ وعَلَيْهِ أدِلَّةٌ جَمَّةٌ. وكَوْنُها سَقْفًا لا يَأْبى ذَلِكَ، وقَدْ وقَعَ في كَلامِ الفَلاسِفَةِ إطْلاقُ الفَلَكِ عَلى السَّماءِ ووَصَفُوهُ بِأنَّهُ حَيٌّ عالِمٌ مُتَحَرِّكٌ بِالإرادَةِ حَرَكَةً مُسْتَدِيرَةً لا غَيْرَ ولا يَقْبَلُ الكَوْنَ والفَسادَ والنُّمُوَّ والذُّبُولَ والخَرْقَ والِالتِئامَ ونَوْعُهُ مُنْحَصِرٌ في شَخْصِهِ وأنَّهُ لا حارٌّ ولا بارِدٌ ولا رَطْبٌ ولا يابِسٌ ولا خَفِيفٌ ولا ثَقِيلٌ، وأكْثَرُ هَذِهِ الأوْصافِ مُتَفَرِّعٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ في طِباعِهِ مَيْلٌ مُسْتَقِيمٌ، وقَدْ رُدَّ ذَلِكَ في الكُتُبِ الكَلامِيَّةِ وبَنَوْا عَلى امْتِناعِ الخَرْقِ والِالتِئامِ أنَّ الكَوْكَبَ لا يَتَحَرَّكُ إلّا بِحَرَكَةِ الفَلَكِ ولَمّا رَأوْا حَرَكاتٍ مُخْتَلِفَةً قالُوا بِتَعَدُّدِ الأفْلاكِ، والمَشْهُورُ أنَّ الأفْلاكَ الكُلِّيَّةَ تِسْعَةٌ سَبْعَةٌ لِلسَّبْعِ السَّيّارَةِ وواحِدٌ لِلثَّوابِتِ وآخَرُ لِتَحْرِيكِ الجَمِيعِ الحَرَكَةَ اليَوْمِيَّةَ، والحَقُّ أنَّهُ لا قاطِعَ عَلى نَفْيِ ما عَدا ذَلِكَ ألا تَرى أنَّ الشَّيْخَ الرَّئِيسَ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ أنَّ الثَّوابِتَ في كَرَّةٍ واحِدَةٍ أوْ في كَرّاتٍ مُنْطَوٍ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، وقَوْلُهم إنَّ حَرَكاتِ الثَّوابِتِ مُتَشابِهَةٌ ومَتى كانْتُ كَذَلِكَ كانَتْ مَرْكُوزَةً في فَلَكٍ واحِدٍ غَيْرُ يَقِينِيٍّ أمّا صُغْراهُ فَلِأنَّ حَرَكاتِها وإنْ كانَتْ في الحِسِّ مُتَشابِهَةً لَكِنْ لَعَلَّها لا تَكُونُ في الحَقِيقَةِ كَذَلِكَ لِأنّا لَوْ قَدَّرْنا أنَّ الواحِدَةَ مِنها تُتَمِّمُ الدَّوْرَةَ في سِتٍّ وثَلاثِينَ ألْفَ سَنَةٍ والأُخْرى تُتَمِّمُها في هَذا الزَّمانِ لَكِنْ بِنُقْصانِ عاشِرَةٍ أوْ أقَلَّ فالَّذِي يَخُصُّ الدَّرَجَةَ الواحِدَةَ مِن هَذا القَدْرِ مِنَ التَّفاوُتِ يَقِلُّ جِدًّا بِحَيْثُ لا تَفِي أعْمارُنا بِضَبْطِهِ وإذا احْتَمَلَ ذَلِكَ سَقَطَ القَطْعُ بِالتَّشابُهِ، ومِمّا يَزِيدُ ذَلِكَ سُقُوطًا والِاحْتِمالَ قُوَّةً وِجْدانُ المُتَأخِّرِينَ مِن أهْلِ الأرْصادِ كَوْكَبًا أسْرَعَ حَرَكَةً مِنَ الثَّوابِتِ وأبْطَأ مِنَ السَّيّارَةِ سَمَّوْهُ بِهِرْشِلَ ولَمْ يَظْفَرْ بِهِ أحَدٌ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ في الدُّهُورِ الماضِيَةِ، وأمّا كُبْراهُ فَلِاحْتِمالِ اشْتِراكِ الأشْياءِ المُخْتَلِفَةِ في كَثِيرٍ مِنَ اللَّوازِمِ فَيَجُوزُ أنَّ لِكُلٍّ فَلَكًا عَلى حِدَةٍ وتَكُونُ تِلْكَ الأفْلاكُ مُتَوافِقَةً في حَرَكاتِها جِهَةً وقُطْبًا ومِنطَقَةً وبَطْنًا، ثُمَّ إنَّ الِاحْتِمالَ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِفَلَكِ الثَّوابِتِ بَلْ حاصِلٌ في كُلِّ الأفْلاكِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَيْنَ أفْلاكِ السَّيّارَةِ أفْلاكُ أُخَرُ، وما يُقالُ في إبْطالِهِ مِن أنَّ أقْرَبَ قُرْبِ كُلِّ كَوْكَبٍ يُساوِي أبْعَدَ بُعْدِ كُلِّ الكَواكِبِ الَّتِي فُرِضَتْ تَحْتَهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ بَيْنَ أبْعَدِ بُعْدِ القَمَرِ وأقْرَبِ قُرْبِ عُطارِدَ ثَخَنَ فَلَكِ جَوْزَهَرِ القَمَرِ، وقَدْ ذَكَرَ المُحَقِّقُونَ مِن أصْحابِ الهَيْئَةِ أنَّ لِفَلَكِ التَّدْوِيرِ لِكُلٍّ مِنَ العُلْوِيَّةِ ثَلاثَ أُكَرٍ مُحِيطٌ بَعْضُها بِبَعْضٍ وجِرْمُ الكَوْكَبِ مَرْكُوزٌ في الكُرَةِ الدّاخِلَةِ فَيَكُونُ مِقْدارُ ثَخَنِ أرْبَعِ كُراتٍ مِن تِلْكَ التَّداوِيرِ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنَ السّافِلِ والعالِي ثَخَنَ كُرَتَيْنِ حائِلًا بَيْنَ أقْرَبِ قُرْبِ العالِي وأبْعَدِ بُعْدِ السّافِلِ، وأثْبَتُوا لِلسُّفْلِيَّةِ خَمْسَةَ تَداوِيرَ فَيَكُونُ بَيْنَ أقْرَبِ قُرْبِ الزَّهْرَةِ وأبْعَدِ بُعْدِ عُطارِدَ ثَخَنُ ثَمانِي كُراتٍ عَلى أنَّهم إنَّما اعْتَقَدُوا أنَّ أقْرَبَ قُرْبِ العالِي مُساوٍ لِأبْعَدِ بُعْدِ السّافِلِ لِاعْتِقادِهِمْ أوَّلًا أنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ هَذِهِ الأفْلاكِ ما يَتَخَلَّلُها فَلَيْسَ يُمْكِنُهم بِناءُ ذَلِكَ عَلَيْهِ وإلّا لَزِمَ الدَّوْرُ بَلْ لا بُدَّ فِيهِ مِن دَلِيلٍ آخَرَ، وقَوْلُهم لا فَضْلَ في الفَلَكِيّاتِ مَعَ أنَّهُ كَما تَرى يُبْطِلُهُ ما قالُوا في عِظَمِ ثَخَنِ المُحَدَّدِ ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ فَوْقَ التّاسِعِ مِنَ الأفْلاكِ ما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى بَلْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (p-41)هَذا الفَلَكُ التّاسِعُ بِما فِيهِ مِنَ الكُراتِ مَرْكُوزًا في ثَخَنِ كُرَةٍ أُخْرى عَظِيمَةٍ ويَكُونُ في ثَخَنِ تِلْكَ الكُرَةِ ألْفُ ألْفِ كُرَةٍ مِثْلِ الكُراتِ ولَيْسَ ذَلِكَ مُسْتَبْعَدًا فَإنَّ تَدْوِيرَ المَرِّيخِ أعْظَمُ مِن مُمَثِّلِ الشَّمْسِ فَإذا عُقِلَ ذَلِكَ فَأيُّ بَأْسٍ بِأنْ يُفْرَضَ مِثْلُهُ مِمّا هو أعْظَمُ مِنهُ. ويَجُوزُ أيْضًا كَما قِيلَ أنْ تَكُونَ الأفْلاكُ الكُلِّيَّةُ ثَمانِيَةً لا مَكانَ كَوْنَ جَمِيعِ الثَّوابِتِ مَرْكُوزَةً في مُحَدَّبِ مُمَثِّلِ زُحَلَ أيْ في مُتَمِّمِهِ الحاوِي عَلى أنْ يَتَحَرَّكَ بِالحَرَكَةِ البَطِيئَةِ والفَلَكُ الثّامِنُ يَتَحَرَّكُ بِالحَرَكَةِ السَّرِيعَةِ بَلْ قِيلَ مِنَ الجائِزِ أنْ تَكُونَ سَبْعَةً بِأنْ تُفْرَضَ الثَّوابِتُ ودَوائِرُ البُرُوجِ عَلى مُحَدَّبِ مُمَثِّلِ زُحَلَ ونَفْسانُ تَتَّصِلُ إحْداهُما بِمَجْمُوعِ السَّبْعَةِ وتُحَرِّكُها إحْدى الحَرَكَتَيْنِ السَّرِيعَةِ والبَطِيئَةِ والأُخْرى بِالفَلَكِ السّابِعِ وتُحَرِّكُهُ الأُخْرى فَلا قاطِعَ أيْضًا عَلى نَفْيِ أنْ تَكُونَ الأفْلاكُ أقَلَّ مِن تِسْعَةٍ. ثُمَّ الظّاهِرُ مِنَ الآيَةِ أنَّ كُلًّا مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ يَجْرِي في ثَخَنِ فَلَكِهِ ولا مانِعَ مِنهُ عَقْلًا ودَلِيلُ امْتِناعِ الخَرْقِ والِالتِئامِ وهو أنَّهُ لَوْ كانَ الفَلَكُ قابِلًا لِذَلِكَ لَكانَ قابِلًا لِلْحَرَكَةِ المُسْتَقِيمَةِ وهي مُحالٌ عَلَيْهِ غَيْرُ تامٍّ وعَلى فَرْضِ تَمامِهِ إنَّما يَتِمُّ في المُحَدَّدِ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَحْصُلَ الخَرْقُ في الفَلَكِ مِن جِهَةِ بَعْضِ أجْزائِهِ عَلى الِاسْتِدارَةِ فَلا مانِعَ مِن أنْ يُقالَ: الكَواكِبُ مُطْلَقًا مُتَحَرِّكَةٌ في أفْلاكِها حَرَكَةَ الحِيتانِ في الماءِ ولا يَبْطُلُ بِهِ عِلْمُ الهَيْئَةِ لِأنَّ حَرَكاتِها يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ مُتَشابِهَةً حَوْلَ مَراكِزِ أفْلاكِها أيْ لا تُسْرِعُ ولا تُبْطِئُ ولا تَقِفُ ولا تَرْجِعُ ولا تَنْعَطِفُ، وقَوْلُ السَّهْرَوَرْدِيِّ في المُطارَحاتِ: لَوْ كانَتِ الأفْلاكُ قابِلَةً لِلْخَرْقِ وقَدْ بَرْهَنَ عَلى كَوْنِها ذاتَ حَياةٍ فَعِنْدَ حُصُولِ الخَرْقِ فِيها وتَبَدُّدِ الأجْزاءِ فَإنْ لَمْ تُحَسَّ فَلَيْسَ جُزْؤُها المُنْخَرِقُ لَهُ نِسْبَةٌ إلى الآخَرِ بِجامِعٍ إدْراكِيٍّ ولا خَبَرَ لَها عَنْ أجْزائِها وما سَرى لِنَفْسِها قُوَّةٌ في بَدَنِها جامِعَةٌ لِتِلْكَ الأجْزاءِ فَلا عَلاقَةَ لِنَفْسِها مَعَ بَدَنِها، وقَدْ قِيلَ إنَّها ذاتُ حَياةٍ وإنْ كانَتْ تُحَسُّ فَلا بُدَّ مِنَ التَّألُّمِ بِتَبْدِيدِ الأجْزاءِ فَإنَّهُ شُعُورٌ بِالمُنافِي وكُلُّ شُعُورٍ بِالمُنافِي إمّا ألَمٌ أوْ مُوجِبٌ لِألَمٍ وإذا كانَ كَذا وكانَتِ الكَواكِبُ تَخْرُقُها بِجَرْيِها كانَتْ في عَذابٍ دائِمٍ، وسَنُبَرْهِنُ عَلى أنَّ الأُمُورَ الدّائِمَةَ غَيْرَ المُمْكِنَةِ الإشْرافُ لا يُتَصَوَّرُ عَلَيْها لا يَخْفى أنَّهُ مِنَ الخِطابِيّاتِ بَلْ مِمّا هو أدْوَنُ مِنها. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ مِنَ البَراهِينِ القَوِيَّةِ مِمّا لا بُرْهانَ عَلَيْهِ مِنَ البَراهِينِ الضَّعِيفَةِ، وادَّعى الإمامُ أنَّها كَما تَدُلُّ عَلى جَرْيِ الكَوْكَبِ تَدُلُّ عَلى سُكُونِ الفَلَكِ، والحَقُّ أنَّها مُجْمَلَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى السُّكُونِ غَيْرُ ظاهِرَةٍ فِيهِ، وإلى حَرَكَتِهِ وسُكُونِ الفَلَكِ بِأسْرِهِ ذَهَبَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ ويُحْكى عَنِ الشَّيْخِ الأكْبَرِ قُدِّسَ سِرَّهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفَلَكُ مُتَحَرِّكًا والكَوْكَبُ يَتَحَرَّكُ فِيهِ إمّا مُخالِفًا لِجِهَةِ حَرَكَتِهِ أوْ مُوافِقًا لَها إمّا بِحَرَكَةٍ مُساوِيَةٍ في السُّرْعَةِ والبُطْءِ لِحَرَكَةِ الفَلَكِ أوْ مُخالِفَةٍ، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ الكَوْكَبُ مَغْرُوزًا في الفَلَكِ ساكِنًا فِيهِ كَما هو عِنْدَ أكْثَرِ الفَلاسِفَةِ أوْ مُتَحَرِّكًا عَلى نَفْسِهِ كَما هو عِنْدَ مُحَقِّقِيهِمْ والفَلَكُ بِأسْرِهِ مُتَحَرِّكًا وهو الَّذِي أوْجَبَهُ الفَلاسِفَةُ لِما لا يُسَلِّمُ لَهم ولا يَتِمُّ عَلَيْهِ بُرْهانٌ مِنهم. ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ الكَوْكَبُ في جِسْمٍ مُنْفَصِلٍ عَنْ ثَخَنِ الفَلَكِ شَبِيهٌ بِحَلْقَةِ قُطْرِهِ مُساوٍ لِقُطْرِ الكَوْكَبِ وهو الَّذِي يَتَحَرَّكُ بِهِ ويَكُونُ الفَلَكُ ساكِنًا ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ في ثَخَنِ الفَلَكِ خَلاءً يَدُورُ الكَوْكَبُ فِيهِ مَعَ سُكُونِ الفَلَكِ أوْ حَرَكَتِهِ ولَيْسَ في هَذا قَوْلٌ بِالخَرْقِ والِالتِئامِ بَلْ فِيهِ القَوْلُ بِالخَلاءِ وهو عِنْدَنا وعِنْدَ أكْثَرِ الفَلاسِفَةِ جائِزٌ خِلافًا لِأرِسْطاطالِيسَ وأتْباعِهِ، ودَلِيلُ الجَوازِ أقْوى مِن صَخْرَةٍ مَلْساءٍ، والقَوْلُ بِأنَّ الفَلَكَ بَسِيطٌ فَبَساطَتُهُ مانِعَةٌ مِن أنْ يَكُونَ في ثَخَنِهِ ذَلِكَ لَيْسَ بِشَيْءٍ فَما ذَكَرُوهُ مِنَ الدَّلِيلِ عَلى البَساطَةِ عَلى ضَعْفِهِ لا يَتَأتّى إلّا في المُحَدَّدِ دُونَ سائِرِ الأفْلاكِ، وأيْضًا مَتى جازَ أنْ يَكُونَ الفَلَكُ مُجَوَّفًا مَعَ بَساطَتِهِ فَلْيَجُزْ ما ذُكِرَ مَعَها ولا يَكادُ يَتِمُّ لَهُمُ (p-42)التَّقَصِّي عَنْ ذَلِكَ، وجاءَ في بَعْضِ الآثارِ أنَّ الكَواكِبَ جَمِيعَها مُعَلَّقَةٌ بِسَلاسِلَ مِن نُورٍ تَحْتَ سَماءِ الدُّنْيا بِأيْدِي مَلائِكَةٍ يُجْرُونَها حَيْثُ شاءَ اللَّهُ تَعالى، ولا يَكادُ يَصِحُّ وإنْ كانَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا، والَّذِي عَلَيْهِ مُعْظَمُ الفَلاسِفَةِ والهَيْئِيِّينَ أنَّ الحَرَكَةَ الخاصَّةَ بِالكَوْكَبِ الثّابِتَةَ لِفَلَكِهِ أوَّلًا وبِالذّاتِ آخِذَةٌ مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ وهي الحَرَكَةُ عَلى تَوالِي البُرُوجِ وتُسَمّى الحَرَكَةُ الثّانِيَةُ والحَرَكَةُ البَطِيئَةُ وهي ظاهِرَةٌ في السَّيّاراتِ وفي القَمَرِ مِنها في غايَةِ الظُّهُورِ وفي الثَّوابِتِ خَفِيَّةٌ ولِهَذا لَمْ يُثْبِتْها المُتَقَدِّمُونَ مِنهم، وغَيْرُ الخاصَّةِ بِهِ الثّابِتَةُ لِفَلَكِهِ ثانِيًا وبِالعَرْضِ آخِذَةٌ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ وتُسَمّى الحَرَكَةُ الأُولى والحَرَكَةُ السَّرِيعَةُ وهي بِواسِطَةِ حَرَكَةِ المُحَدَّدِ وبِها يَكُونُ اللَّيْلُ والنَّهارُ في سائِرِ المَعْمُورَةِ، وأمّا في عَرْضِ تِسْعِينَ ونَحْوِهِ فَفي الحَرَكَةِ الثّانِيَةِ فَعِنْدَهم لِلْكَوْكَبِ حَرَكَتانِ مُخْتَلِفَتانِ جِهَةً وبُطْأً ومَثَّلُوهُما بِحَرَكَةِ رَحًى إلى جِهَةٍ سَرِيعًا وحَرَكَةِ نَمْلَةٍ عَلَيْها إلى خِلافِ تِلْكَ الجِهَةِ بَطِيئًا. وذَهَبَ بَعْضُ الأوائِلِ إلى أنَّهُ لا حَرَكَةَ في الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ بَلْ حَرَكاتُها كُلُّها مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ لِأنَّها أوْلى بِهَذِهِ الأجْرامِ لِكَوْنِها أقَلَّ مُخالَفَةً ولِأنَّ غايَةَ الحَرَكَةِ لِلْجِرْمِ الأقْصى وغايَةَ السُّكُونِ لِلْأرْضِ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ ما هو أقْرَبُ إلى الأقْصى أسْرَعَ مِمّا هو أبْعَدُ ولِأنَّهُ لَوْ كانَ بَعْضُها مِنَ المَشْرِقِ وبَعْضُها مِنَ المَغْرِبِ يَلْزَمُ أنْ يَتَحَرَّكَ الكَوْكَبُ بِحَرَكَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ جِهَةً وذَلِكَ مُحالٌ لِأنَّ الحَرَكَةَ إلى جِهَةٍ تَقْتَضِي حُصُولَ المُتَحَرِّكِ في الجِهَةِ المُنْتَقَلِ إلَيْها فَلَوْ تَحَرَّكَ الجِسْمُ الواحِدُ دُفْعَةً واحِدَةً إلى جِهَتَيْنِ لَزِمَ حُصُولُهُ دُفْعَةً واحِدَةً في مَكانَيْنِ وهو مُحالٌ ولا فَرْقَ في ذَلِكَ بَيْنَ أنْ تَكُونَ الحَرَكَتانِ طَبِيعِيَّتَيْنِ أوْ قَسْرِيَّتَيْنِ أوْ إحْداهُما طَبِيعِيَّةً والأُخْرى قَسْرِيَّةً. ولا يُدْفَعُ هَذا بِما يُشاهَدُ مِن حَرَكَةِ النَّمْلَةِ عَلى الرَّحى إلى جِهَةٍ حالَ حَرَكَةِ الرَّحى إلى خِلافِها لِأنَّهُ مِثالٌ والمِثالُ لا يَقْدَحُ في البُرْهانِ ولِأنَّ القَطْعَ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الحَرَكاتِ جائِزٌ أمّا عَلى الحَرَكاتِ الفَلَكِيَّةِ فَمُحالٌ، وما اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ غَيْرَ الحَرَكَةِ السَّرِيعَةِ مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ لِجَوازِ أنْ تَكُونَ مِنَ المَشْرِقِ ويَظُنُّ أنَّها مِنَ المَغْرِبِ وبَيانُهُ أنَّ المُتَحَرِّكَيْنِ إلى جِهَةٍ واحِدَةٍ حَرَكَةً دَوْرِيَّةً مَتى كانَ أحَدُهُما أسْرَعَ مِن حَرَكَةِ الآخَرِ فَإنَّهُما إذا تَحَرَّكا إلى تِلْكَ الجِهَةِ رُؤِيَ الإبْطاءُ مِنهُما مُتَخَلِّفًا فَيُظَنُّ أنَّهُ مُتَحَرِّكٌ إلى خِلافِ تِلْكَ الجِهَةِ لِأنَّهُما إذا اقْتَرَنا ثُمَّ تَحَرَّكا في الجِهَةِ بِما لَهُما مِنَ الحَرَكَةِ فَسارَ السَّرِيعُ دَوْرَةً تامَّةً وسارَ البَطِيءُ دَوْرَةَ الأقْوى صارَ البَطِيءُ مُتَخَلِّفًا عَنِ السَّرِيعِ في الجِهَةِ المُخالِفَةِ لِجِهَةِ حَرَكَتِهِما بِتِلْكَ القَوْسِ، وقالُوا: يَجِبُ المَصِيرُ إلى ذَلِكَ لِما أنَّ البُرْهانَ يَقْتَضِيهِ ولا يُبْطِلُهُ شَيْءٌ مِنَ الأعْمالِ النُّجُومِيَّةِ. وقَدْ أوْرَدَ الإمامُ في المُلَخَّصِ ما ذُكِرَ في الِاسْتِدْلالِ عَلى مُحالِيَّةِ الحَرَكَتَيْنِ المُخْتَلِفَتَيِ الجِهَةِ لِلْجِسْمِ الواحِدِ إشْكالًا عَلى القائِلِينَ بِهِما ثُمَّ قالَ: ولِقُوَّةِ هَذا الكَلامِ أثْبَتَ بَعْضُهُمُ الحَرَكَةَ اليَوْمِيَّةَ لِكُرَةِ الأرْضِ لا لِكُرَةِ السَّماءِ وإنْ كانَ ذَلِكَ باطِلًا وأوْرَدَهُ في التَّفْسِيرِ وسَمّاهُ بُرْهانًا قاطِعًا وذَهَبَ فِيهِ إلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ هَذا البَعْضُ مِن أنَّ الحَرَكاتِ كُلَّها مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ لَكِنَّها مُخْتَلِفَةٌ سُرْعَةً وبُطْأً وفِيما ذَكَرُوهُ نَظَرٌ لِأنَّ الشُّبْهَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ اقْناعِيَّتانِ والثّالِثَةَ وإنْ كانَتْ بُرْهانِيَّةً لَكِنَّ فَسادَها أظْهَرُ مِن أنْ يَخْفى، وأمّا أنَّ شَيْئًا مِنَ الأعْمالِ النُّجُومِيَّةِ لا يُبْطِلُهُ فَباطِلٌ لِأنَّ هَذِهِ الحَرَكَةَ الخاصَّةَ لِلْكَوْكَبِ أعْنِي حَرَكَةَ القَمَرِ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ مَثَلًا دَوْرَةً إلّا قَوْسًا لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَلى قُطْبَيِ البُرُوجِ لِأنَّها تُوجَدُ مُوازِيَةً لِمُعَدَّلِ النَّهارِ ولا عَلى قُطْبَيِ المُعَدَّلِ وإلّا لَما زالَتْ عَنْ مُوازاتِهِ ولَما انْتَظَمَتْ مِنَ القُسِيِّ الَّتِي تَتَأخَّرُ فِيها كُلَّ يَوْمٍ دائِرَةٌ عَظِيمَةٌ مُقاطِعَةٌ لِلْمُعَدَّلِ كَدائِرَةِ البُرُوجِ مِنَ القُسِيِّ الَّتِي تَأخَّرَتِ الشَّمْسُ فِيها بَلِ انْتَظَمَتْ صَغِيرَةً مُوازِيَةً لَهُ اللَّهُمَّ إلّا إذا كانَ الكَوْكَبُ عَلى المُعَدَّلِ مِقْدارَ ما يُتَمِّمُ بِحَرَكَتِهِ دَوْرَةً فَإنَّ المُنْتَظِمَةَ حِينَئِذٍ تَكُونُ نَفْسَ المُعَدَّلِ لَكِنَّ هَذا غَيْرُ مَوْجُودٍ (p-43)فِي الكَواكِبِ الَّتِي نَعْرِفُها ولا عَلى قُطْبَيْنِ غَيْرِ قُطْبَيْهِما وإلّا لَكانَ يُرى مَسِيرُهُ فَوْقَ الأرْضِ عَلى دائِرَةٍ مُقاطِعَةٍ لِلدَّوائِرِ المُتَوازِيَةِ ولَمْ تَكُنْ دائِرَةُ نِصْفِ النَّهارِ تَفْصِلُ الزَّمانَ الَّذِي مِن حِينِ يَطْلُعُ إلى حِينِ يَغْرُبُ بِنِصْفَيْنِ لِأنَّ قُطْبَيْ فَلَكِهِ المائِلِ لا يَكُونُ دائِمًا عَلى دائِرَةِ نِصْفِ النَّهارِ فَلا تَنْفَصِلُ قُسِيُّ مُداراتِهِ الظّاهِرَةُ بِنِصْفَيْنِ، ولِأنَّهُ لَوْ كانَ الأمْرُ كَما تَوَهَّمُوا لَكانَتِ الشَّمْسُ تَصِلُ إلى أوْجِها وحَضِيضِها وبُعْدَيْها الأوْسَطَيْنِ بَلْ إلى الشَّمالِ والجَنُوبِ فَيَجِبُ أنْ تَحْصُلَ جَمِيعُ الأظْلالِ اللّائِقَةِ بِكَوْنِ الشَّمْسِ في هَذِهِ المَواضِعِ في اليَوْمِ الواحِدِ والوُجُودِ بِخِلافِهِ. وقَوْلُ مَن قالَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حَرَكَةُ الشَّمْسِ في دائِرَةِ البُرُوجِ إلى المَغْرِبِ ظاهِرُ الفَسادِ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ اليَوْمُ الواحِدُ بِلَيْلَتِهِ يَنْقُصُ عَنْ دَوْرِ مُعَدَّلِ النَّهارِ بِقَدْرِ القَوْسِ الَّتِي قَطَعَتْها الشَّمْسُ بِالتَّقْرِيبِ بِخِلافِ ما هو الواقِعُ لِأنَّهُ يَزِيدُ عَلى دَوْرِ المُعَدَّلِ بِذَلِكَ القَدْرِ ولَكانَ يُرى قَطْعُها البُرُوجِ عَلى خِلافِ التَّوالِي ولَيْسَ كَذَلِكَ لِتَأخُّرِها عَنِ الجُزْءِ الَّذِي يَتَوَسَّطُ مَعَها مِنَ المُعَدَّلِ في كُلِّ يَوْمٍ نَحْوَ المَشْرِقِ، فَإذًا حَرَكاتُ الأفْلاكِ الشّامِلَةِ لِلْأرْضِ ثَنَتانِ حَرَكَةٌ إلى التَّوالِي وأُخْرى إلى خِلافِهِ، وأمّا حَرَكاتُ التَّداوِيرِ فَخارِجَةٌ عَنِ القِسْمَيْنِ لِأنَّ حَرَكاتِ أعالِيها مُخالِفَةٌ لِحَرَكاتِ أسافِلِها لا مَحالَةَ لِكَوْنِها غَيْرَ شامِلَةٍ لِلْأرْضِ، فَإنْ كانَتْ حَرَكَةُ الأعْلى مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ فَحَرَكَةُ الأسْفَلِ بِالعَكْسِ كَما في المُتَحَيِّرَةِ، وإنْ كانَتْ حَرَكَةُ الأعْلى مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ كانَتْ حَرَكَةُ الأسْفَلِ بِالعَكْسِ كَما في القَمَرِ. هَذا وقُصارى ما نَقُولُ في هَذا المَقامِ: إنَّ ما ذَكَرَهُ الفَلاسِفَةُ في أمْرِ الأفْلاكِ الكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ وكَيْفِيَّةِ حَرَكاتِها وأوْضاعِها أمْرٌ مُمْكِنٌ في نَفْسِهِ ولا دَلِيلَ عَلى أنَّهُ هو الواقِعُ لا غَيْرَ، وقَدْ ذَهَبَ إلى خِلافِهِ أهْلُ لَنْدَنَ وغَيْرُهم مِن أصْحابِ الأرْصادِ اليَوْمَ، وكَذا أصْحابُ القَلْبِيَّةِ والمَعارِجِ المَعْنَوِيَّةِ كالشَّيْخِ الأكْبَرِ قُدِّسَ سِرُّهُ وقَدْ أطالَ الكَلامَ في ذَلِكَ في الفُتُوحاتِ المَكِّيَّةِ. وأمّا السَّلَفُ الصّالِحُ فَلَمْ يَصِحَّ عَنْهم تَفْصِيلُ الكَلامِ في ذَلِكَ لِما أنَّهُ قَلِيلُ الجَدْوى ووَقَفُوا حَيْثُ صَحَّ الخَبَرُ وقالُوا: إنَّ اخْتِلافَ الحَرَكاتِ ونَحْوَهُ بِتَقْدِيرِ العَزِيزِ العَلِيمِ وتَشَبَّثُوا فِيما صَحَّ وخَفِيَ سَبَبُهُ بِأذْيالِ التَّسْلِيمِ، والَّذِي أمِيلُ إلَيْهِ أنَّ السَّماواتِ عَلى طِبْقِ ما صَحَّتْ بِهِ الأخْبارُ النَّبَوِيَّةُ في أمْرِ الثَّخَنِ وما بَيْنَ كُلِّ سَماءٍ وسَماءٍ ولا أخْرُجُ عَنْ دائِرَةِ هَذا المَيْلِ، وأقُولُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ثَخَنَ كُلِّ سَماءٍ فَلَكٌ لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنَ السَّيّاراتِ عَلى نَحْوِ الفَلَكِ الَّذِي أثْبَتَهُ الفَلاسِفَةُ لَها وحَرَكَتُهُ الذّاتِيَّةُ عَلى نَحْوِ حَرَكَتِهِ عِنْدَهم وحَرَكَتُهُ العَرْضِيَّةُ بِواسِطَةِ حَرَكَةِ سَمائِهِ إلى المَغْرِبِ الحَرَكَةُ اليَوْمِيَّةُ فَتَكُونُ حَرَكاتُ السَّماواتِ مُتَساوِيَةً، وإنْ أبَيْتَ تَحَرُّكَ السَّماءِ بِجَمِيعِ ما فِيها لِإباءِ بَعْضِ الأخْبارِ عَنْهُ مَعَ عَدَمِ دَلِيلٍ قَطْعِيٍّ يُوجِبُهُ قُلْتُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هُناكَ مُحَرِّكٌ في ثَخَنِ السَّماءِ أيْضًا ويَبْقى ما يَبْقى مِنها ساكِنًا بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى سَطْحِهِ الأعْلى مَلائِكَةٌ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ، ولِلْفَلاسِفَةِ في تَحْقِيقِ أنَّ المُحِيطَ كَيْفَ يُحَرِّكُ المُحاطَ بِهِ كَلامٌ تَعَقَّبَهُ الإمامُ ثُمَّ قالَ: الصَّحِيحُ أنَّ المُحَرِّكَ لِلْكُلِّ هو اللَّهُ تَعالى بِاخْتِيارِهِ وإنْ ثَبَتَ عَلى قانُونِ قَوْلِهِمْ كَوْنُ الحاوِي مُحَرِّكًا لِلْمَحْوِيِّ فَإنَّهُ يَكُونُ مُحَرِّكًا بِقُوَّةِ نَفْسِهِ لا بِالمُماسَّةِ، وأمّا الثَّوابِتُ فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في فَلَكٍ فَوْقَ السَّماواتِ السَّبْعِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في ثَخَنِ السَّماءِ السّابِعَةِ فَوْقَ فَلَكِ زُحَلَ بَلْ إذا قِيلَ بِأنَّ جَمِيعَ الكَواكِبِ الثَّوابِتِ والسَّيّاراتِ في ثَخَنِ السَّماءِ الدُّنْيا تَتَحَرَّكُ عَلى أفْلاكٍ مُماثِلَةٍ لِلْأفْلاكِ الَّتِي أثْبَتَها لَها الفَلاسِفَةُ ويَكُونُ لَها حَرَكَتانِ عَلى نَحْوِ ما يَقُولُونَ لَمْ يَبْعُدْ، وفِيهِ حِفْظٌ لِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ﴾ [المُلْكَ: 5] وما ذَكَرُوهُ في عِلْمِ الأجْرامِ والأبْعادِ عَلى اضْطِرابِهِ لا يَلْزَمُنا تَسْلِيمُهُ فَلا يَرِدُ أنَّهم قالُوا بُعْدُ (p-44)الثَّوابِتِ عَنْ مَرْكَزِ الأرْضِ خَمْسَةٌ وعِشْرُونَ ألْفَ ألْفٍ وأرْبَعُمِائَةٍ واثْنا عَشَرَ ألْفًا وثَمانِمِائَةٍ وتِسْعٌ وتِسْعُونَ فَرْسَخًا، وما ورَدَ في الخَبَرِ مِن أنَّ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ خَمْسَمِائَةِ عامٍ وسُمْكَ السَّماءِ كَذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ بَيْنَ وجْهِ الأرْضِ والثَّوابِتِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ ألْفُ عامٍ وفَراسِخُ مَسِيرَةُ ذَلِكَ مَعَ فَراسِخِ نِصْفِ قُطْرِ الأرْضِ وهي ألْفٌ ومِائَتانِ وثَلاثَةٌ وسَبْعُونَ تَقْرِيبًا عَلى ما قِيلَ دُونَ ما ذُكِرَ بِكَثِيرٍ. ولا حاجَةَ إلى أنْ يُقالَ: العَدَدُ لا مَفْهُومَ لَهُ واخْتِيارُ خَمْسِمِائَةٍ لِما أنَّ الخَمْسَةَ عَدَدٌ دائِرٌ فَيَكُونُ في ذَلِكَ رَمْزٌ خَفِيٌّ إلى الِاسْتِدارَةِ كَما قِيلَ في كُلِّ فَلَكٍ، ويُشِيرُ إلى صِحَّةِ احْتِمالِ أنْ يَكُونَ الفَلَكُ في ثَخَنِ السَّماءِ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: الشَّمْسُ بِمَنزِلَةِ السّاقِيَةِ تَجْرِي في السَّماءِ في فَلَكِها فَإذا غَرَبَتْ جَرَتِ اللَّيْلُ في فَلَكِها تَحْتَ الأرْضِ حَتّى تَطْلُعَ مِن مَشْرِقِها وكَذَلِكَ القَمَرُ، والأخْبارُ المَرْفُوعَةُ والمَوْقُوفَةُ في أمْرِ الكَواكِبِ والسَّماواتِ والأرْضِ كَثِيرَةٌ. وقَدْ ذَكَرَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ مِنها ما ذَكَرَ في رِسالَةٍ ألَّفَها في بَيانِ الهَيْئَةِ السُّنِّيَّةِ، وإذا رَصَدْتَها رَأيْتَ أكْثَرَها مائِلًا عَنْ دائِرَةِ بُرُوجٍ القَبُولِ، وفِيها ما يُشْعِرُ بِأنَّ لِلْكَوْكَبِ حَرَكَةً قَسْرِيَّةً نَحْوُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ ما طَلَعَتِ الشَّمْسُ حَتّى يُوَتَّرَ لَها كَما تُوَتَّرُ القَوْسُ، ثُمَّ الظّاهِرُ أنْ يُرادَ بِالسِّباحَةِ الحَرَكَةُ الذّاتِيَّةُ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها الحَرَكَةُ العَرْضِيَّةُ بَلْ قِيلَ هَذا أوْلى لِأنَّ تِلْكَ غَيْرُ مُشاهَدَةٍ مُشاهَدَةَ هَذِهِ بَلْ عَوامُّ النّاسِ لا يَعْرِفُونَها، وقِيلَ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها ما يَعُمُّ الحَرَكَتَيْنِ، واسْتَنْبَطَ بَعْضُهم مِن نِسْبَةِ السِّباحَةِ إلى الكَوْكَبِ أنْ لَيْسَ هُناكَ حامِلٌ لَهُ يَتَحَرَّكُ بِحَرَكَتِهِ مُطْلَقًا بَلْ هو مُتَحَرِّكٌ بِنَفْسِهِ في الفَلَكِ تَحَرُّكَ السَّمَكَةِ في الماءِ إذْ لا يُقالُ لِلْجالِسِ في صُنْدُوقٍ أوْ جِذْعٍ يَجْرِي في الماءِ إنَّهُ يَسْبَحُ، واخْتارَ أنَّهُ يَجْرِي في مَجْرًى قابِلٍ لِلْخَرْقِ والِالتِئامِ كالماءِ ودُونَ إثْباتِ اسْتِحالَةِ ذَلِكَ العُرُوجِ إلى السَّماءِ السّابِعَةِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ وهو سُبْحانَهُ ولِيُّ التَّوْفِيقِ وعَلى مِحْوَرِ هِدايَتِهِ تَدُورُ كُرَةُ التَّحْقِيقِ، وهَذِهِ نُبْذَةٌ مِمّا رَأيْنا إيرادَهُ مُناسِبًا لِهَذا المَقامِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى نُبْذَةٌ أُخْرى مِمّا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ مِنَ الكَلامِ
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب