الباحث القرآني
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ إضْرابٌ وانْتِقالٌ مِن إظْهارِ بُطْلانِ كَوْنِ ما اتَّخَذُوهُ آلِهَةً حَقِيقِيَّةً بِإظْهارِ خُلُوِّها عَنْ خَصائِصِ الإلَهِيَّةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الإنْشارُ وإقامَةُ البُرْهانِ القَطْعِيِّ عَلى اسْتِحالَةِ تَعَدُّدِ الإلَهِ مُطْلَقًا وتَفَرُّدُهُ سُبْحانَهُ بِالأُلُوهِيَّةِ إلى بُطْلانِ اتِّخاذِهِمْ تِلْكَ الآلِهَةَ مَعَ عَرائِها عَنْ تِلْكَ الخَصائِصِ بِالمَرَّةِ شُرَكاءَ لِلَّهِ تَعالى شَأْنُهُ وتَبْكِيتُهم بِإلْجائِهِمْ إقامَةَ البُرْهانِ عَلى دَعْواهُمُ الباطِلَةِ وتَحْقِيقُ أنَّ جَمِيعَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ ناطِقَةٌ بِحَقِّيَّةِ التَّوْحِيدِ وبُطْلانِ الإشْراكِ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هَذا انْتِقالًا لِإظْهارِ بُطْلانِ الآلِهَةِ مُطْلَقًا بَعْدَ إظْهارِ بُطْلانِ الآلِهَةِ الأرْضِيَّةِ، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ الِاتِّخاذِ المَذْكُورِ واسْتِقْباحِهِ واسْتِعْظامِهِ ومِن مُتَعَلِّقَةٌ بِاتَّخَذُوا، والمَعْنى بَلِ اتَّخَذُوا مُتَجاوِزِينَ إيّاهُ تَعالى مَعَ ظُهُورِ شُؤُونِهِ الجَلِيلَةِ المُوجِبَةِ لِتَفَرُّدِهِ بِالأُلُوهِيَّةِ آلِهَةً مَعَ ظُهُورِ أنَّها عارِيَةٌ عَنْ خَواصِّ الأُلُوهِيَّةِ بِالكُلِّيَّةِ.
﴿قُلْ﴾ لَهم بِطَرِيقِ التَّبْكِيتِ وإلْقامِ الحَجَرِ ﴿هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ عَلى ما تَدَّعُونَهُ مِن جِهَةِ العَقْلِ الصَّرِيحِ أوِ النَّقْلِ الصَّحِيحِ فَإنَّهُ لا يَصِحُّ القَوْلُ بِمِثْلِ ذَلِكَ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ عَلَيْهِ، وما في إضافَةِ البُرْهانِ إلى ضَمِيرِهِمْ مِنَ الإشْعارِ بِأنَّ لَهم بُرْهانًا ضَرْبٌ مِنَ التَّهَكُّمِ بِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا ذِكْرُ مَن مَعِيَ وذِكْرُ مَن قَبْلِي﴾ إنارَةٌ لِبُرْهانِهِ وإشارَةٌ إلى أنَّهُ مِمّا نَطَقَتْ بِهِ الكُتُبُ الإلَهِيَّةُ قاطِبَةً وزِيادَةُ تَهْيِيجٍ لَهم عَلى إقامَةِ البُرْهانِ لِإظْهارِ كَمالِ عَجْزِهِمْ أيْ هَذا الوَحْيُ الوارِدُ في شَأْنِ التَّوْحِيدِ المُتَضَمِّنُ لِلْبُرْهانِ القاطِعِ ذِكْرُ أُمَّتِي وعِظَتُهم وذِكْرُ الأُمَمِ السّالِفَةَ قَدْ أقَمْتُهُ فَأقِيمُوا أنْتُمْ أيْضًا بُرْهانَكم، وأُعِيدَ لَفْظُ ( ذِكْرُ ) ولَمْ يُكْتَفَ بِعَطْفِ المَوْصُولِ عَلى المَوْصُولِ المُسْتَدْعِي لِلِانْسِحابِ لِأنَّ كَوْنَ المُشَخَّصِ ذِكْرَ مَن مَعَهُ وكَوْنَهُ ذِكْرَ مَن قَبْلَهُ بِاعْتِبارِ اتِّحادِهِ بِالحَقِيقَةِ مَعَ الوَحْيِ المُتَضَمِّنِ ذَلِكَ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالذِّكْرِ الكِتابُ أيْ هَذا كِتابٌ أُنْزِلَ عَلى أُمَّتِي وهَذا كِتابٌ أُنْزِلَ عَلى أُمَمِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِنَ الكُتُبِ الثَّلاثَةِ والصُّحُفِ فَراجِعُوها وانْظُرُوا هَلْ في واحِدٍ مِنها غَيْرُ الأمْرِ بِالتَّوْحِيدِ والنَّهْيِ عَنِ الإشْراكِ فَفِيهِ تَبْكِيتٌ لَهم مُتَضَمِّنٌ لِنَقِيضِ مُدَّعاهم وقُرِئَ بِتَنْوِينِ ذِكْرٍ الأوَّلِ والثّانِي وجُعِلَ ما بَعْدَهُ مَنصُوبَ المَحَلِّ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لَهُ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ وإعْمالُهُ هو الأصْلُ نَحْوُ ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ﴿يَتِيمًا﴾ [البَلَدَ: 14] .
وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ وطَلْحَةُ بِالتَّنْوِينِ وكَسْرِ مِيمِ (مِن ) فَهي عَلى هَذا حَرْفُ جَرٍّ ومَعَ مَجْرُورَةٌ بِها وهي اسْمٌ يَدُلُّ عَلى الصُّحْبَةِ والِاجْتِماعِ جُعِلَتْ هُنا ظَرْفًا كَقَبْلُ وبَعْدُ فَجازَ إدْخالُ مِن عَلَيْها كَما جازَ إدْخالُها عَلَيْهِما لَكِنَّ دُخُولَها عَلَيْها نادِرٌ، ونَصَّ أبُو حَيّانَ أنَّها حِينَئِذٍ بِمَعْنى عِنْدَ. وقِيلَ: مِن داخِلَةٌ عَلى مَوْصُوفِها أيْ عِظَةٌ مِن كِتابٍ مَعِيَ وعِظَةٌ مِن كِتابٍ مِن قَبْلِي، وأبُو حاتِمٍ ضَعَّفَ هَذِهِ القِراءَةَ لِما فِيها مِن دُخُولِ مَن عَلى مَعَ ولَمْ يَرَ لَهُ وجْهًا وعَنْ طَلْحَةَ أنَّهُ قَرَأ (هَذا ذِكْرٌ مَعِيَ وذِكْرٌ قَبْلِي ) بِتَنْوِينِ (ذِكْرٍ ) وإسْقاطِ (مَن ) وقَرَأتْ فِرْقَةٌ (هَذا ذِكْرُ مَن ) بِالإضافَةِ (وذِكْرٌ مِن قَبْلِي ) بِالتَّنْوِينِ وكَسْرِ المِيمِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ الحَقَّ﴾ إضْرابٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى غَيْرُ داخِلٍ في الكَلامِ المُلَقَّنِ وانْتِقالٌ مِنَ الأمْرِ بِتَبْكِيتِهِمْ بِمُطالَعَةِ البُرْهانِ إلى بَيانِ أنَّ الِاحْتِجاجَ عَلَيْهِمْ لا يَنْفَعُ لِفَقْدِهِمُ التَّمْيِيزَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ ﴿فَهُمْ﴾ لِأجْلِ ذَلِكَ ﴿مُعْرِضُونَ﴾ مُسْتَمِرُّونَ عَلى الإعْراضِ عَنِ التَّوْحِيدِ واتِّباعِ الرَّسُولِ لا يَرْعَوُونَ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الغَيِّ والضَّلالِ وإنْ كُرِّرَتْ عَلَيْهِمُ البَيِّناتُ والحُجَجِ أوْ فَهم مُعْرِضُونَ (p-32)عَمّا أُلْقِيَ عَلَيْهِمْ مِنَ البَراهِينِ العَقْلِيَّةِ والنَّقْلِيَّةِ.
وقَرَأ الحَسَنُ وحَمِيدٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ( الحَقُّ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو الحَقُّ، والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ السَّبَبِ والمُسَبَّبِ تَأْكِيدًا لِلرَّبْطِ بَيْنَهُما، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ المَنصُوبُ أيْضًا عَلى مَعْنى التَّأْكِيدِ كَما تَقُولُ هَذا عَبْدُ اللَّهِ الحَقَّ لا الباطِلَ، والظّاهِرُ أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِيَعْلَمُونِ والعِلْمُ بِمَعْنى المَعْرِفَةِ.
{"ayah":"أَمِ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِهِۦۤ ءَالِهَةࣰۖ قُلۡ هَاتُوا۟ بُرۡهَـٰنَكُمۡۖ هَـٰذَا ذِكۡرُ مَن مَّعِیَ وَذِكۡرُ مَن قَبۡلِیۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا یَعۡلَمُونَ ٱلۡحَقَّۖ فَهُم مُّعۡرِضُونَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











