الباحث القرآني

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ﴾ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ جَوابَ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ ناشِئٍ مِن إثْباتِ تَوَحُّدِهِ سُبْحانَهُ في الأُلُوهِيَّةِ المُتَضَمِّنِ تَوَحُّدَهُ تَعالى في الخَلْقِ والتَّصَرُّفِ ووَصْفِ الكَفَرَةِ إيّاهُ سُبْحانَهُ بِما لا يَلِيقُ كَأنَّهُ قِيلَ إذا كانَ اللَّهُ تَعالى هو الإلَهُ الخالِقُ المُتَصَرِّفُ فَلِمَ خَلَقَ أُولَئِكَ الكَفَرَةَ ولَمْ يَصْرِفْهم عَمّا يَقُولُونَ فَأُجِيبَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لا يُسْألُ﴾ إلَخْ وحاصِلُهُ أنَّهُ تَعالى لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَعْتَرِضَ عَلَيْهِ في شَيْءٍ مِن أفْعالِهِ إذْ هو حَكِيمٌ مُطْلَقٌ لا يَفْعَلُ ما يَرِدُ عَلَيْهِ الِاعْتِراضُ ﴿وهم يُسْألُونَ﴾ عَمّا يَفْعَلُونَ ويُعْتَرَضُ عَلَيْهِمْ، وهَذا الحُكْمُ في حَقِّهِ تَعالى عامٌّ لِجَمِيعِ أفْعالِهِ سُبْحانَهُ ويَنْدَرِجُ فِيهِ خَلْقُ الكَفَرَةِ وإيجادُهم عَلى ما هم عَلَيْهِ، ووَجْهُ حَلِّ السُّؤالِ النّاشِئِ مِمّا تَقَدَّمَ بِناءً عَلى ما يُشِيرُ إلَيْهِ هَذا الجَوابُ الإجْمالِيُّ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الكَفَرَةَ بَلْ جَمِيعَ المُكَلَّفِينَ عَلى حَسَبِ ما عَلِمَهم مِمّا هم عَلَيْهِ في أنْفُسِهِمْ لِأنَّ الخَلْقَ مَسْبُوقٌ بِالإرادَةِ والإرادَةَ مَسْبُوقَةٌ بِالعِلْمِ والعِلْمَ تابِعٌ لِلْمَعْلُومِ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ عَلى ما هو عَلَيْهِ في ثُبُوتِهِ الغَيْرِ المَجْعُولِ مِمّا يَقْتَضِيهِ اسْتِعْدادُهُ الأزَلِيُّ، وقَدْ يُشِيرُ إلى بَعْضِ ذَلِكَ قَوْلُ الشّافِعِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ مِن أبْياتٍ: ؎خَلَقْتَ العِبادَ عَلى ما عَلِمْتَ فَفي العِلْمِ يَجْرِي الفَتى والمُسِنُّ ثُمَّ بَعْدَ أنْ خَلَقَهم عَلى حَسَبِ ذَلِكَ كَلَّفَهم لِاسْتِخْراجِ سِرِّ ما سَبَقَ بِهِ العِلْمُ التّابِعُ لِلْمَعْلُومِ مِنَ الطَّوْعِ والإباءِ اللَّذَيْنِ في اسْتِعْدادِهِمُ الأزَلِيِّ وأرْسَلَ الرُّسُلَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِتَتَحَرَّكَ الدَّواعِي ويَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ويَحْيا مَن حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ولا يَكُونُ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ تَعالى حُجَّةٌ فَلا يَتَوَجَّهُ عَلى اللَّهِ تَعالى اعْتِراضٌ بِخَلْقِ الكافِرِ وإنَّما (p-29)يَتَوَجَّهُ الِاعْتِراضُ عَلى الكافِرِ بِكُفْرِهِ حَيْثُ إنَّهُ مِن تَوابِعِ اسْتِعْدادِهِ في ثُبُوتِهِ الغَيْرِ المَجْعُولِ، وقَدْ يُشِيرُ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ [النَّحْلَ: 118] وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «(فَمَن وجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ ومَن وجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إلّا نَفْسَهُ )» وهَذا وإنْ كانَ مِمّا فِيهِ قِيلَ وقالَ ونِزاعٌ وجِدالٌ إلّا أنَّهُ مِمّا ارْتَضاهُ كَثِيرٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ والأجِلَّةِ العارِفِينَ، وقالَ البَعْضُ: إنَّ ذَلِكَ اسْتِئْنافُ بَيانِ أنَّهُ تَعالى لِقُوَّةِ عَظَمَتِهِ الباهِرَةِ وعِزَّةِ سَلْطَنَتِهِ القاهِرَةِ بِحَيْثُ لَيْسَ لِأحَدٍ مِن مَخْلُوقاتِهِ أنْ يُناقِشَهُ ويَسْألَهُ عَمّا يَفْعَلُ مِن أفْعالِهِ أثَرُ بَيانِ أنْ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ في الأُلُوهِيَّةِ، وضَمِيرُ (هم ) لِلْعِبادِ أيْ والعِبادُ يُسْئَلُونَ عَمّا يَفْعَلُونَ نَقِيرًا وقِطْمِيرًا لِأنَّهم مَمْلُوكُونَ لَهُ تَعالى مُسْتَعْبَدُونَ، وفي هَذا وعِيدٌ لِلْكَفَرَةِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ عُمُومُ النَّفْيِ جَمِيعَ الأزْمانِ أيْ لا يُسْألُ سُبْحانَهُ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ عَمّا يَفْعَلُ، وخَصَّ ذَلِكَ الزَّجّاجُ بِيَوْمِ القِيامَةِ والأوَّلُ أوْلى وإنْ كانَ أمْرُ الوَعِيدِ عَلى هَذا أظْهَرَ واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ أفْعالَهُ تَعالى لا تُعَلَّلُ بِالأغْراضِ والغاياتِ فَلا يُقالُ فَعَلَ كَذا لِكَذا إذْ لَوْ كانَتْ مُعَلَّلَةً لَكانَ لِلْعَبْدِ أنْ يَسْألَ فَيَقُولُ لِمَ فَعَلَ ؟ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الأشاعِرَةُ ولَهم عَلَيْهِ أدِلَّةٌ عَقْلِيَّةٌ أيْضًا وأوَّلُوا ما ظاهِرُهُ التَّعْلِيلُ بِالحَمْلِ عَلى المَجازِ أوْ جَعْلِ الأداةِ فِيهِ لِلْعاقِبَةِ، ومَذْهَبُ الماتُرِيدِيَّةِ كَما في شَرْحِ المَقاصِدِ والمُعْتَزِلَةِ أنَّها تُعَلَّلُ بِذَلِكَ وإلَيْهِ ذَهَبَ الحَنابِلَةُ كَما قالَ الوَفِيُّ وغَيْرُهُ. وقالَ العَلّامَةُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أبِي بَكْرٍ الدِّمَشْقِيُّ الحَنْبَلِيُّ المَعْرُوفُ بِابْنِ القِيِّمِ في كِتابِ شِفاءُ العَلِيلِ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى حَكِيمٌ لا يَفْعَلُ شَيْئًا عَبَثًا ولا لِغَيْرِ مَعْنًى ومَصْلَحَةٍ وحِكْمَةٍ هي الغايَةُ المَقْصُودَةُ بِالفِعْلِ بَلْ أفْعالُهُ سُبْحانَهُ صادِرَةٌ عَنْ حِكْمَةٍ بالِغَةٍ لِأجْلِها فَعَلَ، وقَدْ دَلَّ كَلامُهُ تَعالى وكَلامُ رَسُولِهِ ﷺ عَلى هَذا في مَواضِعَ لا تَكادُ تُحْصى ولا سَبِيلَ إلى اسْتِيعابِ أفْرادِها فَنَذْكُرُ بَعْضَ أنْواعِها وساقَ اثْنَيْنِ وعِشْرِينَ نَوْعًا في بِضْعَةَ عَشْرَةَ ورَقَةً ثُمَّ قالَ: لَوْ ذَهَبْنا نَذْكُرُ ما يَطَّلِعُ عَلَيْهِ أمْثالُنا مِن حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى في خَلْقِهِ وأمْرِهِ لَزادَ ذَلِكَ عَلى عَشْرَةِ آلافِ مَوْضِعٍ ثُمَّ قالَ: وهَلْ إبْطالُ الحِكَمِ والمُناسَباتِ والأوْصافِ الَّتِي شُرِعَتِ الأحْكامُ لِأجْلِها إلّا إبْطالُ الشَّرْعِ جُمْلَةً ؟ وهَلْ يُمْكِنُ فَقِيهًا عَلى وجْهِ الأرْضِ أنْ يَتَكَلَّمَ في الفِقْهِ مَعَ اعْتِقادِهِ بُطْلانَ الحِكْمَةِ والمُناسَبَةِ والتَّعْلِيلِ. وقَصْدَ الشّارِعِ بِالأحْكامِ مَصالِحِ العِبادِ ؟ ثُمَّ قالَ: والحَقُّ الَّذِي لا يَجُوزُ غَيْرُهُ هو أنَّهُ سُبْحانَهُ يَفْعَلُ بِمَشِيئَتِهِ وقُدْرَتِهِ وإرادَتِهِ ويَفْعَلُ ما يَفْعَلُ بِأسْبابٍ وحِكَمٍ وغاياتٍ مَحْمُودَةٍ، وقَدْ أُودِعَ العالَمُ مِنَ القُوى والغَرائِزِ ما بِهِ قامَ الخَلْقُ والأمْرُ هَذا قَوْلُ جُمْهُورِ أهْلِ الإسْلامِ. وأكْثَرِ طَوائِفِ النُّظّارِ وهو قَوْلُ الفُقَهاءِ قاطِبَةً اهَـ. والظّاهِرُ أنَّ ابْنَ القِيِّمِ وأضْرابَهُ مِن أهْلِ السُّنَّةِ القائِلِينَ بِتَعْلِيلِ أفْعالِهِ تَعالى لا يَجْعَلُونَ كالأشاعِرَةِ المُخَصَّصَ لِأحَدِ الضِّدَّيْنِ بِالوُقُوعِ مَحْضَ تَعَلُّقِ الإرادَةِ بِالمَعْنى المَشْهُورِ ومُحَقِّقُو المُعْتَزِلَةِ كَأبِي الحَسَنِ والنِّظامِ والجاحِظِ والعَلّافِ وأبِي القاسِمِ البَلْخِيِّ، وغَيْرِهِمْ يَقُولُونَ: إنَّ العِلْمَ بِتَرَتُّبِ النَّفْعِ عَلى إيجادِ النّافِعِ هو المُخَصَّصُ لِلنّافِعِ بِالوُقُوعِ ويُسَمُّونَ ذَلِكَ العِلْمَ بِالدّاعِي وهو الإرادَةُ عِنْدَهم. وأُورِدَ عَلَيْهِمْ أنَّ الواجِبَ تَعالى مُوجِبٌ في تَعَلُّقِ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ فَلَوْ كانَ المُخَصَّصُ المُوجِبُ لِلْوُقُوعِ هو العِلْمُ بِالنَّفْعِ كانَ ذَلِكَ المُخَصَّصُ لازِمًا لِذاتِهِ تَعالى فَيَكُونُ فِعْلُهُ سُبْحانَهُ واجِبًا لِأمْرٍ خارِجٍ ضَرُورِيٍّ لِلْفاعِلِ وهو يُنافِي الِاخْتِيارَ بِالمَعْنى الأخَصِّ قَطْعًا فَلا يَكُونُ الواجِبُ مُخْتارًا بِهَذا المَعْنى بَلْ يُؤَوَّلُ إلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الفَلاسِفَةُ مِنَ الِاخْتِيارِ المُجامِعِ لِلْإيجابِ، ولا يُرَدُّ ذَلِكَ عَلى القائِلِينَ بِأنَّ المُخَصَّصَ هو تَعَلُّقُ الإرادَةِ الأزَلِيَّةِ لِأنَّ ذَلِكَ التَّعَلُّقَ غَيْرُ لازِمٍ لِذاتِ الواجِبِ تَعالى وإنْ كانَ أزَلِيًّا دائِمًا لِإمْكانِ تَعَلُّقِها بِالضِّدِّ الآخَرِ بَدَلَ الضِّدِّ الواقِعِ، نَعَمْ يُرَدُّ عَلَيْهِمْ ما يَصْعُبُ التَّقَصِّي عَنْهُ مِمّا (p-30)هُوَ مَذْكُورٌ في الكُتُبِ الكَلامِيَّةِ، وأُورِدَ نَظِيرُ ما ذُكِرَ عَلى الحَنَفِيَّةِ فَإنَّهم ذَهَبُوا إلى التَّعْلِيلِ وجَعَلُوا العِلْمَ بِتَرَتُّبِ المَصالِحِ عِلَّةً لِتَعَلُّقِ العِلْمِ بِالوُقُوعِ فَلا يَتَسَنّى لَهُمُ القَوْلُ بِكَوْنِ الواجِبِ تَعالى مُخْتارًا بِالمَعْنى الأخَصِّ لِأنَّ الذّاتَ يُوجِبُ العِلْمَ والعِلْمَ يُوجِبُ تَعَلُّقَ الإرادَةِ وتَعَلُّقَ الإرادَةِ يُوجِبُ الفِعْلَ ولا مُخَلِّصَ إلّا بِأنْ يُقالَ: إنَّ إيجابَ العِلْمِ بِالنَّفْعِ والمَصْلَحَةِ لِتَعَلُّقِ الإرادَةِ مَمْنُوعٌ عِنْدَهم بَلْ هو مُرَجَّحٌ تَرْجِيحًا غَيْرَ بالِغٍ إلى حَدِّ الوُجُوبِ وما قِيلَ إذا لَمْ يَبْلُغِ التَّرْجِيحُ إلى حَدِّ الوُجُوبِ جازَ وُقُوعُ الرّاجِحِ في وقْتٍ وعَدَمُ وُقُوعِهِ في وقْتٍ آخَرَ مَعَ ذَلِكَ المُرَجَّحِ فَإنْ كانَ اخْتِصاصُ أحَدِ الوَقْتَيْنِ بِالوُقُوعِ بِانْضِمامِ شَيْءٍ آخَرَ إلى ذَلِكَ المُرَجَّحِ لَمْ يَكُنِ المُرَجَّحُ مُرَجَّحًا وإلّا يَلْزَمُ التَّرْجِيحُ مِن غَيْرِ مُرَجَّحٍ بَلْ يُلْزِمُ تَرْجِيحَ المَرْجُوحِ عَدَمُهُ في الوَقْتِ الآخَرِ لِأنَّ الوُقُوعَ كانَ راجِحًا بِذَلِكَ المُرَجَّحِ فَمَدْفُوعٌ بِوَجْهَيْنِ إلّا أنَّهُ إنَّما يَجْرِي في العِلَّةِ التّامَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى مَعْلُولِها لا في الفاعِلِ المُخْتارِ بِالنِّسْبَةِ إلى فِعْلِهِ فَإنَّهُ إنْ أُرِيدَ لُزُومُ الرُّجْحانِ مِن غَيْرِ مُرَجَّحٍ كَما هو اللّازِمُ في العِلَّةِ التّامَّةِ فَعَدَمُ اللُّزُومِ ظاهِرٌ وإنْ أُرِيدَ التَّرْجِيحُ مِن غَيْرِ مُرَجَّحٍ فَبُطْلانُ اللّازِمِ في الفاعِلِ المُخْتارِ مَمْنُوعٌ وإلّا فَما الفَرْقُ بَيْنَ الفاعِلِ المُوجِبِ والمُخْتارِ، الثّانِي أنَّ المُرَجَّحَ بِالنِّسْبَةِ إلى وقْتٍ رُبَّما لا يَكُونُ مُرَجَّحًا بِالنِّسْبَةِ إلى وقْتٍ آخَرَ بَلْ مُنافِيًا لِلْمَصْلَحَةِ فَلا يَلْزَمُ تَرْجِيحُ أحَدِ المُتَساوِيَيْنِ أوِ المَرْجُوحِ في وقْتٍ آخَرَ بَلْ يَلْزَمُ تَرْجِيحُ الرّاجِحِ في كُلِّ وقْتٍ وهو تَعالى عالِمٌ بِجَمِيعِ المَصالِحِ اللّائِقَةِ بِالأوْقاتِ فَتَتَعَلَّقُ إرادَتُهُ سُبْحانَهُ بِوُقُوعِ كُلِّ مُمْكِنٍ في وقْتٍ لِتُرَتِّبَ المَصالِحَ اللّائِقَةَ بِذَلِكَ الوَقْتِ عَلى عَدَمِهِ فَلا إشْكالَ، وهَذا هو المُعَوَّلُ عَلَيْهِ إذْ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ عَلى الأوَّلِ أنَّ تَرْجِيحَ المَرْجُوحِ مُسْتَحِيلٌ في حَقِّ الواجِبِ الحَكِيمِ وإنْ جازَ في حَقِّ غَيْرِهِ مِن أفْرادِ الفاعِلِ بِالِاخْتِيارِ. هَذا ووَقَعَ في كَلامِ الفَلاسِفَةِ أنَّ أفْعالَ اللَّهِ تَعالى غَيْرُ مُعَلَّلَةٍ بِالأغْراضِ والغاياتِ ومُرادُهم عَلى ما قالَهُ بَعْضُهم نَفْيُ التَّعْلِيلِ عَنْ فِعْلِهِ سُبْحانَهُ بِما هو غَيْرُ ذاتِهِ لِأنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ تامُّ الفاعِلِيَّةِ لا يُتَوَقَّفُ فِيها عَلى غَيْرِهِ ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ نَفْيُ الغايَةِ والغَرَضِ عَنْ فِعْلِهِ تَعالى مُطْلَقًا ولِذا صَحَّ أنْ يَقُولُوا عِلْمُهُ تَعالى بِنِظامِ الخَيْرِ الَّذِي هو عَيْنُ ذاتِهِ تَعالى عِلَّةٌ غائِيَّةٌ وغَرَضٌ في الإيجادِ ومُرادُهم بِالِاقْتِضاءِ في قَوْلِهِمْ في تَعْرِيفِ العِلَّةِ الغائِيَّةِ ما يَقْتَضِي فاعِلِيَّةَ الفاعِلِ مُطْلَقُ عَدَمِ الِانْفِكاكِ لَكِنَّهم تَسامَحُوا في ذَلِكَ اعْتِمادًا عَلى فَهْمِ المُتَدَرِّبِ في العُلُومِ وصَرَّحُوا بِأنَّهُ تَعالى لَيْسَ لَهُ غَرَضٌ في المُمْكِناتِ وقَصْدٌ إلى مَنافِعِها لِأنَّ كُلَّ فاعِلٍ يَفْعَلُ لِغَرَضٍ غَيْرِ ذاتِهِ فَهو فَقِيرٌ إلى ذَلِكَ الغَرَضِ مُسْتَكْمَلٌ بِهِ والمُكَمِّلُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ أشْرَفَ فَغَرَضُ الفاعِلِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ ما هو فَوْقَهُ وإنْ كانَ بِحَسَبِ الظَّنِّ ولَيْسَ لَهُ غَرَضٌ فِيما دُونَهُ وحُصُولُ وُجُودِ المُمْكِناتِ مِنهُ تَعالى عَلى غايَةٍ مِنَ الإتْقانِ ونِهايَةٍ مِنَ الإحْكامِ لَيْسَ إلّا لِأنَّ ذاتَهُ تَعالى ذاتٌ لا تَحْصُلُ مِنهُ الأشْياءُ إلّا عَلى أتَمِّ ما يَنْبَغِي وأبْلَغِ ما يُمْكِنُ مِنَ المَصالِحِ فالواجِبُ سُبْحانَهُ عِنْدَهم يَلْزَمُ مِن تَعَقُّلِهِ لِذاتِهِ الَّذِي هو مَبْدَأُ كُلِّ خَيْرٍ وكَمالُ حُصُولِ المُمْكِناتِ عَلى الوَجْهِ الأتَمِّ والنِّظامِ الأقْوَمِ واللَّوازِمُ غاياتٌ عَرَضِيَّةٌ إنْ أُرِيدَ بِالغايَةِ ما يَقْتَضِي فاعِلِيَّةَ الفاعِلِ وذاتِيَّةً إنْ أُرِيدَ بِها ما يَتَرَتَّبُ عَلى الفِعْلِ تَرَتُّبًا ذاتِيًّا لا عَرَضِيًّا كَوُجُودِ مَبادِئِ الشَّرِّ وغَيْرِها في الطَّبائِعِ الهِيُولانِيَّةِ ثُمَّ كَما أنَّهُ تَعالى غايَةٌ بِالمَعْنى الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ فَهو غايَةٌ بِمَعْنى أنَّ جَمِيعَ الأشْياءِ طالِبَةٌ لَهُ مُتَشَوِّقَةٌ إلَيْهِ طَبْعًا وإرادَةً لِأنَّهُ الخَيْرُ المَحْضُ والمَعْشُوقُ الحَقِيقِيُّ جَلَّ جَلالُهُ وعَمَّ نَوالُهُ. والحُكَماءُ المُتَألِّهُونَ قَدْ حَكَمُوا بِسَرَيانِ نُورِ العِشْقِ في جَمِيعِ المَوْجُوداتِ عَلى تَفاوُتِ طَبَقاتِها ولَوْلا ذَلِكَ ما دارَ الفَلَكُ ولا اسْتَنارَ الحَلَكُ فَسُبْحانَهُ مِن إلَهٍ قاهِرٍ وهو الأوَّلُ والآخِرُ، وتَمامُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ عَلى (p-31)مَشْرَبِ المُتَكَلِّمِينَ والفَلاسِفَةِ يُطْلَبُ مِن مَحِلِّهِ. وقَرَأ الحَسَنُ (لا يُسَلْ. ويُسَلُونَ ) بِنَقْلِ فَتْحَةِ الهَمْزَةِ إلى السِّينِ وحَذْفِها
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب