الباحث القرآني

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً﴾ حِكايَةٌ لِجِنايَةٍ أُخْرى مِن جِناياتِ أُولَئِكَ الكَفَرَةِ هي أعْظَمُ مِن جِنايَةِ طَعْنِهِمْ في النُّبُوَّةِ، وأمْ هي المُنْقَطِعَةُ وتُقَدَّرُ بِبَلِ الإضْرابِيَّةِ والهَمْزَةُ الإنْكارِيَّةُ هي لِإنْكارِ الوُقُوعِ لا إنْكارِ الواقِعِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الأرْضِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِاتَّخَذُوا ومِنَ ابْتِدائِيَّةٌ عَلى مَعْنى أنَّ اتِّخاذَهم إيّاها مُبْتَدَأٌ مِن أجْزاءِ الأرْضِ كالحِجارَةِ وأنْواعِ المَعادِنِ ويَجُوزُ كَوْنُها تَبْعِيضِيَّةً. وقالَ أبُو البَقاءِ وغَيْرُهُ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِمَحْذُوفٍ وقْعَ صِفَةً لِآلِهَةٍ أيْ آلِهَةٌ كائِنَةٌ مِن جِنْسِ الأرْضِ، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ التَّحْقِيرُ لا التَّخْصِيصُ، ومَن جَوَّزَهُ التَزَمَ تَخْصِيصَ الإنْكارِ بِالشَّدِيدِ وهو غَيْرُ سَدِيدٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هم يُنْشِرُونَ﴾ أيْ يَبْعَثُونَ المَوْتى صِفَةً لِآلِهَةٍ وهو الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهِ الإنْكارُ والتَّجْهِيلُ والتَّشْنِيعُ لا نَفْسُ الِاتِّخاذِ فَإنَّهُ واقِعٌ لا مَحالَةَ أيْ بَلِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأرْضِ هم خاصَّةً مَعَ حَقارَتِهِمْ وجَمادِيَّتِهِمْ يَنْشُرُونَ المَوْتى كَلّا فَإنَّ ما اتَّخَذُوهُ آلِهَةً بِمَعْزِلٍ مِن ذَلِكَ وهم وإنْ لَمْ يَقُولُوا بِذَلِكَ صَرِيحًا لَكِنَّهم حَيْثُ ادَّعَوْا لَها الإلَهِيَّةَ فَكَأنَّهُمُ ادَّعَوْا لَها الإنْشارَ ضَرُورَةً أنَّهُ مِنَ الخَصائِصِ الإلَهِيَّةِ حَتْمًا ومَعْنى التَّخْصِيصِ في تَقْدِيمِ الضَّمِيرِ وما أُشِيرَ إلَيْهِ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى كَمالِ مُبايَنَةِ حالِهِمْ لِلْإنْشارِ المُوجِبَةِ لِمَزِيدِ الإنْكارِ كَما أنَّ تَقْدِيمَ الجارِّ والمَجْرُورِ في قَوْلِهِ ﴿أفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ [إبْراهِيمَ: 10] لِلتَّنْبِيهِ عَلى كَمالِ مُبايَنَةِ أمْرِهِ تَعالى لِأنْ يُشَكَّ فِيهِ، ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ مِن مُسْتَتْبَعاتِ ادِّعائِهِمُ الباطِلِ فَإنَّ الأُلُوهِيَّةَ مُقْتَضِيَةٌ لِلِاسْتِقْلالِ بِالإبْداءِ، والإعادَةِ فَحَيْثُ ادَّعَوْا لِلْأصْنامِ الإلَهِيَّةَ فَكَأنَّهُمُ ادَّعَوْا لَهُمُ الِاسْتِقْلالَ بِالإنْشارِ كَما أنَّهم جُعِلُوا بِذَلِكَ مُدَّعِينَ لِأصْلِ الإنْشارِ قالَهُ المَوْلى أبُو السُّعُودِ، وقالَ بَعْضُهم: تَقْدِيمُ الضَّمِيرِ لِلتَّقْوى، وما ذَهَبَ إلَيْهِ مِن إفادَتِهِ مَعْنى التَّخْصِيصِ تَبِعَ فِيهِ الزَّمَخْشَرِيَّ، وفي الكَشْفِ الدّاعِي إلى تَرْجِيحِهِ عَلى التَّقْوى أنَّهُ تَرْشِيحٌ لِما أبْداهُ أوَّلًا مِن أنَّ الإلَهِيَّةَ لا تَصِحُّ دُونَ القُدْرَةِ عَلى الإنْشارِ ولا وجْهَ لِتَجْوِيزِ كَوْنِهِ فَصْلًا انْتَهى، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿هم يُنْشِرُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةً مُقَدَّرًا مَعَها اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ لِبَيانِ عِلَّةِ إنْكارِ الِاتِّخاذِ، ولَعَلَّ مُجَوِّزَ ذَلِكَ لا يُسَلِّمُ لُزُومَ كَوْنِ مَعْنى الهَمْزَةِ في أمِ المُنْقَطِعَةِ إنْكارَ الوُقُوعِ ويَجُوزُ كَوْنُهُ إنْكارَ الواقِعِ، وتَفْسِيرُ ﴿يُنْشِرُونَ﴾ يَبْعَثُونَ هو المَشْهُورُ وعَلَيْهِ الجُمْهُورُ، وقالَ قُطْرُبُ: هو بِمَعْنى يَخْلُقُونَ. (p-23)وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدُ (يَنْشِرُونَ ) بِفَتْحِ الياءِ عَلى أنَّهُ مِن نَشَرَ وهو وأنْشَرَ بِمَعْنًى وقَدْ يَجِيءُ نَشَرَ لازِمًا يُقالُ أنْشَرَ اللَّهُ تَعالى المَوْتى فَنُشِرُوا،
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب