الباحث القرآني

﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ أيْ ما سَوَّيْنا هَذا السَّقْفَ المَرْفُوعَ وهَذا المِهادَ المَوْضُوعَ وما بَيْنَهُما مِن أصْنافِ الخَلائِقِ مَشْحُونَةً بِضُرُوبِ البَدائِعِ والعَجائِبِ كَما تُسَوِّي الجَبابِرَةُ سُقُوفَهم وفُرُشَهم وسائِرَ زَخارِفِهِمْ لِلَّهْوِ واللَّعِبِ وإنَّما سَوَّيْناها لِلْفَوائِدِ الدِّينِيَّةِ والحِكَمِ الرَّبّانِيَّةِ كَأنْ تَكُونَ سَبَبًا لِلِاعْتِبارِ ودَلِيلًا لِلْمَعْرِفَةِ مَعَ مَنافِعَ لا تُحْصى وحِكَمٍ لا تُسْتَقْصى، وحاصِلُهُ ما خَلَقْنا ذَلِكَ خالِيًا عَنِ الحِكَمِ والمَصالِحِ إلّا أنَّهُ عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِاللَّعِبِ وهو كَما قالَ الرّاغِبُ الفِعْلُ الَّذِي لا يُقْصَدُ بِهِ مَقْصِدٌ صَحِيحٌ لِبَيانِ كَمالِ تَنَزُّهِهِ تَعالى عَنِ الخَلْقِ الخالِي عَنِ الحِكْمَةِ بِتَصْوِيرِهِ بِصُورَةِ ما لا يَرْتابُ أحَدٌ في اسْتِحالَةِ صُدُورِهِ عَنْهُ سُبْحانَهُ، وهَذا الكَلامُ عَلى ما قِيلَ إشارَةٌ إجْمالِيَّةٌ إلى أنَّ تَكْوِينَ العالَمِ وإبْداعَ بَنِي آدَمَ مُؤَسَّسٌ عَلى قَواعِدِ الحِكْمَةِ البالِغَةِ المُسْتَتْبِعَةِ لِلْغاياتِ الجَلِيلَةِ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ما حُكِيَ مِنَ العَذابِ النّازِلِ بِأهْلِ القُرى مِن مُقْتَضَياتِ تِلْكَ الحِكَمِ ومُتَفَرِّعاتِها حَسَبَ اقْتِضاءِ أعْمالِهِمْ إيّاهُ مَعَ التَّخَلُّصِ إلى وعِيدِ المُخاطَبِينَ، وفي الكَشْفِ أنَّ الآياتِ لِإثْباتِ أمْرِ النُّبُوَّةِ ونَفْيِ تِلْكَ المَطاعِنِ السّابِقَةِ عَلى ما ذَكَرَهُ الإمامُ وهو الحَقُّ لِأنَّهُ قَدْ تُكَرَّرَ في الكِتابِ العَزِيزِ أنَّ الحِكْمَةَ في خَلْقِ السَّماءِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما العِبادَةُ والمَعْرِفَةُ وجَزاءُ مَن قامَ بِهِما ومَن لَمْ يَقُمْ ولَنْ يَتِمَّ ذَلِكَ إلّا بِإنْزالِ الكُتُبِ وإرْسالِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَمُنْكِرُ الرِّسالَةِ جاعِلُ خَلْقِ السَّماءِ والأرْضِ لَعِبًا تَعالى خالِقُهُما وخالِقُ كُلِّ شَيْءٍ عَنْهُ وعَنْ كُلِّ نَقْصٍ عُلُوًّا كَبِيرًا، ومُنْكِرُ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ جَعَلَ إظْهارَ المُعْجِزَةِ عَلى يَدَيْهِ مِن بابِ العَبَثِ واللَّعِبِ فَفِيهِ إثْباتُ نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وفَسادُ تِلْكَ المَطاعِنِ كُلِّها.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب