الباحث القرآني
﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ أيْ لا تُطِلْ نَظَرَهُما بِطَرِيقِ الرَّغْبَةِ والمَيْلِ ﴿إلى ما مَتَّعْنا بِهِ﴾ مِن زَخارِفِ الدُّنْيا كالبَنِينَ والأمْوالِ والمَنازِلِ والمَلابِسِ والمَطاعِمِ ﴿أزْواجًا مِنهُمْ﴾ أيْ أصْنافًا مِنَ الكَفَرَةِ وهو مَفْعُولُ مَتَّعْنا قُدِّمَ عَلَيْهِ الجارُّ والمَجْرُورُ لِلِاعْتِناءِ بِهِ ومِن بَيانِيَّةٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ بِهِ ومِن تَبْعِيضِيَّةٌ مَفْعُولُ مَتَّعْنا أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِمَفْعُولِهِ المَحْذُوفِ أيْ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى الَّذِي مَتَّعْنا بِهِ وهو أصْنافٌ وأنْواعٌ بَعْضَهم أوْ بَعْضًا كائِنًا مِنهم.
والمُرادُ عَلى ما قِيلَ اسْتَمِرَّ عَلى تَرْكِ ذَلِكَ، وقِيلَ: الخِطابُ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والمُرادُ أُمَّتَهُ لِأنَّهُ ﷺ كانَ أبْعَدَ شَيْءٍ عَنْ إطالَةِ النَّظَرِ إلى زِينَةِ الدُّنْيا وزَخارِفِها وأعْلَقَ بِما عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِن كُلِّ أحَدٍ وهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ القائِلُ ( «الدُّنْيا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ ما فِيها إلّا ما أُرِيدَ بِهِ وجْهُ اللَّهِ تَعالى» ) .
وكانَ ﷺ شَدِيدَ النَّهْيِ عَنِ الِاغْتِرارِ بِالدُّنْيا والنَّظَرِ إلى زُخْرُفِها، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أوْ فِيهِ تَجُوزُ في النِّسْبَةِ، وفي العُدُولِ عَنْ لا تَنْظُرْ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ إلَخْ إلى ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ إشارَةٌ إلى أنَّ النَّظَرَ الغَيْرَ المَمْدُودِ مَعْفُوٌّ وكانَ المَنهِيُّ عَنْهُ في الحَقِيقَةِ هو الإعْجابَ بِذَلِكَ والرَّغْبَةَ فِيهِ والمَيْلَ إلَيْهِ لَكِنَّ بَعْضَ المُتَّقِينَ بالَغُوا في غَضِّ البَصَرِ عَنْ ذَلِكَ حَتّى أنَّهم لَمْ يَنْظُرُوا إلى أبْنِيَةِ الظَّلَمَةِ وعَدَدِ الفَسَقَةِ في اللِّباسِ والمَرْكُوبِ وغَيْرِهِما، وذَلِكَ لِمَغْزًى بَعِيدٍ وهو أنَّهُمُ اتَّخَذُوها لِعُيُونِ النِّظارَةِ والفَخْرِ بِها فَيَكُونُ النَّظَرُ إلَيْها مُحَصِّلًا لِغَرَضِهِمْ وكالمُغْرِي لَهم عَلى اتِّخاذِها.
﴿زَهْرَةَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: زِينَتَها وبَهْجَتَها وهو مَنصُوبٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَتَّعْنا أيْ جَعَلْنا لَهم زَهْرَةً أوْ بِمَتَّعْنا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لَهُ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى أعْطَيْنا أوْ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن مَحَلِّ بِهِ وضَعَّفَهُ ابْنُ الحاجِبِ في أمالِيهِ لِأنَّ إبْدالَ مَنصُوبٍ مِن مَحَلِّ جارٍّ ومَجْرُورٍ ضَعِيفٌ كَمَرَرْتُ بِزَيْدٍ أخاكَ ولِأنَّ الإبْدالَ مِنَ العائِدِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ. ومِثْلُ ذَلِكَ ما قِيلَ إنَّهُ بَدَلٌ مِن ما المَوْصُولَةِ لِما فِيهِ مِنَ الفَصْلِ بِالبَدَلِ بَيْنَ الصِّلَةِ ومَعْمُولِها أوْ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن- أزْواجًا- بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ ذَوِي أوْ أهْلَ زَهْرَةٍ، وقِيلَ: بِدُونِ تَقْدِيرٍ عَلى كَوْنِ- أزْواجًا- حالًا بِمَعْنى أصْنافِ التَّمَتُّعاتِ أوْ عَلى جَعْلِهِمْ نَفْسَ الزَّهْرَةِ مُبالَغَةً. وضُعِّفَ هَذا بِأنَّ مِثْلَهُ يَجْرِي في النَّعْتِ لا في البَدَلِ لِمُشابَهَتِهِ لِبَدَلِ الغَلَطِ حِينَئِذٍ أوْ عَلى (p-284)أنَّهُ تَمْيِيزٌ لِما أوْ لِضَمِيرِ بِهِ، وحُكِيَ عَنِ الفَرّاءِ أوْ صِفَةُ- أزْواجًا- ورُدَّ ذَلِكَ لِتَعْرِيفِ التَّمْيِيزِ وتَعْرِيفِ وصْفِ النَّكِرَةِ، وقِيلَ: عَلى أنَّهُ حالٌ مِن ضَمِيرِ بِهِ أوْ مِن ما وحُذِفَ التَّنْوِينُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وجَرَّ الحَياةَ عَلى البَدَلِ مِن ما واخْتارَهُ مَكِّيٌّ ولا يَخْفى ما فِيهِ، وقِيلَ: نُصِبَ عَلى الذَّمِّ أيِ أذُمُّ زَهْرَةَ إلَخْ واعْتُرِضَ بِأنَّ المَقامَ يَأْباهُ لِأنَّ المُرادَ أنَّ النُّفُوسَ مَجْبُولَةٌ عَلى النَّظَرِ إلَيْها والرَّغْبَةِ فِيها ولا يُلائِمُهُ تَحْقِيرُها، ورُدَّ بِأنَّ في إضافَةِ الزَّهْرَةِ إلى الحَياةِ الدُّنْيا كُلَّ ذَمٍّ وما ذُكِرَ مِنَ الرَّغْبَةِ مِن شَهْوَةِ النُّفُوسِ الغَبِيَّةِ الَّتِي حُرِمَتْ نُورَ التَّوْفِيقِ.
وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو حَيْوَةَ وطَلْحَةُ وحُمَيْدٌ وسَلّامٌ ويَعْقُوبُ وسَهْلٌ وعِيسى والزُّهْرِيُّ- ( زَهَرَةَ ) - بِفَتْحِ الهاءِ وهي لُغَةٌ كالجَهَرَةِ في الجَهْرَةِ، وفي المُحْتَسِبِ لِابْنِ جِنِّيٍّ مَذْهَبُ أصْحابِنا في كُلِّ حَرْفِ حَلْقٍ ساكِنٍ بَعْدَ فَتْحَةٍ أنَّهُ لا يُحَرَّكُ إلّا عَلى أنَّهُ لُغَةٌ كَنَهَرٍ ونَهْرٍ وشَعَرٍ وشَعْرٍ ومَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ أنَّهُ يَطَّرِدُ تَحْرِيكُ الثّانِي لِكَوْنِهِ حَرْفًا حَلْقِيًّا وإنْ لَمْ يُسْمَعْ ما لَمْ يَمْنَعْ مِنهُ مانِعٌ كَما في لَفْظِ- نَحْوَ- لِأنَّهُ لَوْ حُرِّكَ قُلِبَ الواوُ ألِفًا، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَوْنَ زَهَرَةٍ بِالتَّحْرِيكِ جَمْعَ زاهِرٍ كَكافِرٍ وكَفَرَةٍ وهو وصْفٌ لَأزْواجًا أيْ أزْواجًا مِنَ الكَفَرَةِ زاهِرِينَ بِالحَياةِ الدُّنْيا لِصَفاءِ ألْوانِهِمْ مِمّا يَلْهُونَ ويَتَنَعَّمُونَ وتَهَلُّلِ وُجُوهِهِمْ وبَهاءِ زِيِّهِمْ بِخِلافِ ما عَلَيْهِ المُؤْمِنُونَ والصُّلَحاءُ مِن شُحُوبِ الألْوانِ والتَّقَشُّفِ في الثِّيابِ، وجُوِّزَ عَلى هَذا كَوْنُهُ حالًا لِأنَّ إضافَتَهُ لَفْظِيَّةٌ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المُتَبادَرَ مِن هَذِهِ الصِّفَةِ قَصْدُ الثُّبُوتِ لا الحُدُوثِ فَلا تَكُونُ إضافَتُها لَفْظِيَّةً عَلى أنَّ المَعْنى عَلى تَقْدِيرِ الحالِيَّةِ لَيْسَ بِذاكَ ﴿لِنَفْتِنَهم فِيهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَتَّعْنا أيْ لِنُعامِلَهم مُعامَلَةَ مَن يَبْتَلِيهِمْ ويَخْتَبِرُهم فِيهِ أوْ لِنُعَذِّبَهم في الآخِرَةِ بِسَبَبِهِ وفِيهِ تَنْفِيرٌ عَنْ ذَلِكَ بِبَيانِ سُوءِ عاقِبَتِهِ مَآلًا أثَرَ بَهْجَتِهِ حالًا، وقَرَأ الأصْمَعِيُّ عَنْ عاصِمٍ لِنُفْتِنَهم بِضَمِّ النُّونِ مِن أفْتَنَهُ إذا جَعَلَ الفِتْنَةَ واقِعَةً فِيهِ عَلى ما قالَ أبُو حَيّانَ ﴿ورِزْقُ رَبِّكَ﴾ أيْ: ما ادَّخَرَ لَكَ في الآخِرَةِ أوْ ما رَزَقَكَ في الدُّنْيا مِنَ النُّبُوَّةِ والهُدى، وادَّعى صاحِبُ الكَشْفِ أنَّهُ أنْسَبُ بِهَذا المَقامِ أوْ ما ادَّخَرَ لَكَ فِيها مِن فَتْحِ البِلادِ والغَنائِمِ، وقِيلَ: القَناعَةُ ﴿خَيْرٌ﴾ مِمّا مُتِّعَ بِهِ هَؤُلاءِ لِأنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ في نَفْسِهِ مِن أجَلِّ ما يَتَنافَسُ فِيهِ المُتَنافِسُونَ مَأْمُونَ الغائِلَةِ بِخِلافِ ما مُتِّعُوا بِهِ ﴿وأبْقى﴾ فَإنَّهُ نَفْسَهُ أوْ أثَرَهُ لا يَكادُ يَنْقَطِعُ كالَّذِي مُتِّعُوا بِهِ.
{"ayah":"وَلَا تَمُدَّنَّ عَیۡنَیۡكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعۡنَا بِهِۦۤ أَزۡوَ ٰجࣰا مِّنۡهُمۡ زَهۡرَةَ ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا لِنَفۡتِنَهُمۡ فِیهِۚ وَرِزۡقُ رَبِّكَ خَیۡرࣱ وَأَبۡقَىٰ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











