الباحث القرآني

﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ سِيقَتْ إخْبارًا مِنهُ تَعالى بَعْدَ تَلَقِّيهِمْ لِتَكالِيفِهِ سُبْحانَهُ بِالطّاعَةِ والقَبُولِ بِما لَهُ عَلَيْهِمْ في ضِمْنِ التَّكْلِيفِ مِن مَحاسِنِ آثارِ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ اِبْتِداءً لا بَعْدَ السُّؤالِ كَما سَيَجِيئُ والتَّكْلِيفُ إلْزامُ ما فِيهِ كُلْفَةٌ ومَشَقَّةٌ، والوُسْعُ ما تَسَعُهُ قُدْرَةُ الإنْسانِ أوْ ما يَسْهُلُ عَلَيْهِ مِنَ المَقْدُورِ وهو ما دُونُ مَدى طاقَتِهِ أيْ سُنَّتِهِ تَعالى أنَّهُ لا يُكَلِّفُ نَفْسًا مِنَ النُّفُوسِ إلّا ما تُطِيقُ وإلّا ما هو دُونَ ذَلِكَ كَما في سائِرِ ما كَلَّفَنا بِهِ مِنَ الصَّلاةِ والصِّيامِ مَثَلًا فَإنَّهُ كَلَّفَنا خَمْسَ صَلَواتٍ والطّاقَةُ تَسَعُ سِتًّا وزِيادَةً، وكَلَّفَنا صَوْمَ رَمَضانَ والطّاقَةُ تَسَعُ شَعْبانَ مَعَهُ وفَعَلَ ذَلِكَ فَضْلًا مِنهُ ورَحْمَةً بِالعِبادِ أوْ كَرامَةً ومِنَّةً عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ خاصَّةً. وقَرَأ اِبْنُ أبِي عَبْلَةَ (وُسَعَها) بِفَتْحِ السِّينِ، والآيَةُ عَلى التَّفْسِيرَيْنِ تَدُلُّ عَلى عَدَمِ وُقُوعِ التَّكْلِيفِ بِالمُحالِ لا عَلى اِمْتِناعِهِ، أمّا عَلى الأوَّلِ: فَظاهِرٌ، وأمّا عَلى الثّانِي: فَبِطَرِيقِ الأوْلى، وقِيلَ: إنَّها عَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي لا تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ لِأنَّ الخِطابَ حِينَئِذٍ مَخْصُوصٌ بِهَذِهِ الأُمَّةِ وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ لا دَلِيلَ فِيها عَلى اِمْتِناعِ التَّكْلِيفِ بِالمُحالِ كَما وُهِمَ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ بَعْضُ ما يَتَعَلَّقُ بِهَذا المَبْحَثِ ورُبَّما يَأْتِيكَ ما يَنْفَعُكَ فِيهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. ﴿لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ﴾ جُمْلَةٌ أُخْرى مُسْتَأْنَفَةٌ سِيقَتْ لِلتَّرْغِيبِ والمُحافَظَةِ عَلى مَواجِبِ التَّكْلِيفِ والتَّحْذِيرِ عَنِ الإخْلالِ بِها بِبَيانِ أنَّ تَكْلِيفَ كُلِّ نَفْسٍ مَعَ مُقارَنَتِهِ لِنِعْمَةِ التَّخْفِيفِ والتَّيْسِيرِ يَتَضَمَّنُ مُراعاتَهُ مَنفَعَةً زائِدَةً وأنَّها تَعُودُ إلَيْها لا إلى غَيْرِها ويَسْتَتْبِعُ الإخْلالَ بِها مَضَرَّةٌ تَحِيقُ بِها لا بِغَيْرِها فَإنَّ اِخْتِصاصَ مَنفَعَةِ الفِعْلِ بِفاعِلِهِ مَن أقْوى الدَّواعِي إلى تَحْصِيلِهِ، واقْتِصارُ مَضَرَّتِهِ عَلَيْهِ مِن أشَدِّ الزَّواجِرِ عَنْ مُباشَرَتِهِ، قالَهُ المَوْلى مُفْتِي الدِّيارِ الرُّومِيَّةِ قُدِّسَ سِرُّهُ، وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الكَثِيرُ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ تُجْعَلَ الجُمْلَتانِ في حَيِّزِ القَوْلِ ويَكُونُ ذَلِكَ حِكايَةً لِلْأقْوالِ المُتَفَرِّقَةِ غَيْرِ المَعْطُوفَةِ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ لِلْمُؤْمِنِينَ ويَكُونُ مَدْحًا لَهم بِأنَّهم شَكَرُوا اللَّهَ تَعالى في تَكْلِيفِهِ حَيْثُ يَرَوْنَهُ بِأنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ وُسْعِهِمْ وبِأنَّهم يَرَوْنَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَنْتَفِعُ بِعَمَلِهِمُ الخَيْرَ بَلْ هو لَهم ولا يَتَضَرَّرُ بِعَمَلِهِمُ الشَّرَّ بَلْ هو عَلَيْهِمْ ولا يَخْفى أنَّهُ بَعِيدٌ مِن جِهَةٍ قَرِيبٌ مِن أُخْرى، والضَّمِيرُ في (لَها) لِلنَّفْسِ العامَّةِ، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ هو ثَوابٌ في الأوَّلِ وعِقابٌ في الآخِرِ، ومُبَيِّنُ (ما) الأُولى: الخَيْرُ لِدَلالَةِ اللّامِ الدّالَّةِ عَلى النَّفْعِ عَلَيْهِ، ومُبَيِّنُ (ما) الثّانِيَةِ: الشَّرُّ لِدَلالَةِ عَلى الدّالَّةِ عَلى الضُّرِّ عَلَيْهِ، وإيرادُ الِاكْتِسابِ في جانِبِ الأخِيرِ لِما فِيهِ مِن زِيادَةِ المَعْنى وهو الِاعْتِمالُ، والشَّرُّ تَشْتَهِيهِ النَّفْسُ وتَنْجَذِبُ إلَيْهِ فَكانَتْ أجَدَّ في تَحْصِيلِهِ، (p-70)فَفِيهِ إشارَةٌ إلى ما جُبِلَتْ عَلَيْهِ النُّفُوسُ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ مِثْلُ ذَلِكَ في الخَيْرِ اِسْتَعْمِلِ الصِّيغَةَ المُجَرَّدَةَ عَنِ الِاعْتِمالِ. ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا﴾ شُرُوعٌ في حِكايَةِ بَقِيَّةِ دَعَواتِهِمْ إثْرَ بَيانِ سِرِّ التَّكْلِيفِ، وقِيلَ: اِسْتِيفاءٌ لِحِكايَةِ الأقْوالِ، وفي «اَلْبَحْرِ» وهو المَرْوِيُّ عَنِ الحَسَنِ أنَّ ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ الأمْرِ، أيْ قُولُوا في دُعائِكم ذَلِكَ فَهو تَعْلِيمٌ مِنهُ تَعالى لِعِبادِهِ كَيْفِيَّةَ الدُّعاءِ والطَّلَبِ مِنهُ وهَذا مِن غايَةِ الكَرَمِ ونِهايَةِ الإحْسانِ يُعَلِّمُهُمُ الطَّلَبَ لِيُعْطِيَهم ويُرْشِدَهم لِلسُّؤالِ لِيُثِيبَهُمْ، ولِذَلِكَ قِيلَ، وقَدْ تَقَدَّمَ: ؎لَوْ لَمْ تُرِدْ نَيْلَ ما أرْجُو وأطْلُبُهُ مِن فَيْضِ جُودِكَ ما عَلَّمْتَنِي الطَّلَبا والمُؤاخَذَةُ المُعاقَبَةُ، وفاعَلَ هُنا بِمَعْنى فَعَلَ، وقِيلَ: المُفاعَلَةُ عَلى بابِها لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يُؤاخِذُ المُذْنِبَ بِالعُقُوبَةِ، والمُذْنِبُ كَأنَّهُ يُؤاخِذُ رَبَّهُ بِالمُطالَبَةِ بِالعَفْوِ إذْ لا يَجِدُ مَن يُخَلِّصُهُ مِن عَذابِهِ سِواهُ فَلِذَلِكَ يَتَمَسَّكُ العَبْدُ عِنْدَ الخَوْفِ مِنهُ بِهِ فَعَبَّرَ عَنْ كُلِّ واحِدٍ بِلَفْظِ المُؤاخَذَةِ ولا يَخْفى فَسادُ هَذا إلّا بِتَكَلُّفٍ. واخْتَلَفُوا في المُرادِ مِنَ النِّسْيانِ والخَطَأِ عَلى وُجُوهٍ، الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنَ الأوَّلِ التُّرْكُ ومِنهُ قَوْلُهُ: ؎ولَمْ أكُ عِنْدَ الجُودِ لِلْجُودِ قالِيا ∗∗∗ ولا كُنْتُ يَوْمَ الرَّوْعِ لِلطَّعْنِ ناسِيا والمُرادُ مِنَ الثّانِي العِصْيانُ لِأنَّ المَعاصِيَ تُوصَفُ بِالخَطَأِ الَّذِي هو ضِدُّ الصَّوابِ وإنْ كانَ فاعِلُها (مُتَعَمِّدًا) كَأنَّهُ قِيلَ: رَبَّنا لا تُعاقِبْنا عَلى تَرْكِ الواجِباتِ وفِعْلِ المَنهِيّاتِ، الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنهُما ما هُما مُسَبَّبانِ عَنْهُ مِنَ التَّفْرِيطِ والإغْفالِ إذْ قَلَّما يَتَّفِقانِ إلّا عَنْ تَقْصِيرٍ سابِقٍ، فالمَعْنى لا تُؤاخِذْنا بِذَلِكَ التَّقْصِيرِ. الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِهِما أنْفُسَهُما مِن حَيْثُ تَرَتُّبُهُما عَلى ما ذَكَرَ، أوْ مُطْلَقًا إذْ لا اِمْتِناعَ في المُؤاخَذَةِ بِهِما عَقْلًا فَإنَّ المَعاصِيَ كالسُّمُومِ فَكَما أنَّ تَناوُلَها ولَوْ سَهْوًا أوْ خَطَأً مُؤَدٍّ إلى الهَلاكِ فَتَعاطِي المَعاصِي أيْضًا لا يَبْعُدُ أنْ يُفْضِيَ إلى العِقابِ وإنْ لَمْ يَكُنْ عَنْ عَزِيمَةٍ ولَكِنَّهُ تَعالى وعَدَ التَّجاوُزَ عَنْهُ رَحْمَةً مِنهُ وفَضْلًا، فَيَجُوزُ أنْ يَدْعُوَ الإنْسانُ بِهِ اِسْتِدامَةً واعْتِدادًا بِالنِّعْمَةِ فِيهِ‘ ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَفْهُومُ قَوْلِهِ ﷺ فِيما أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ، وقالَ النَّوَوِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ والنِّسْيانُ وما أُكْرِهُوا عَلَيْهِ ”،» وأوْرَدَ عَلى هَذا بِأنَّهُ لا يُتِمُّ عَلى مَذْهَبِ المُحَقِّقِينَ مِن أهْلِ السُّنَّةِ والمُعْتَزِلَةِ مِن أنَّ التَّكْلِيفَ بِغَيْرِ المَقْدُورِ غَيْرُ جائِزٍ عَقْلًا مِنهُ تَعالى إذْ لا يَكُونُ تَرْكُ المُؤاخَذَةِ عَلى الخَطَأِ والنِّسْيانِ حِينَئِذٍ فَضْلًا يُسْتَدامُ ونِعْمَةً يُعْتَدُّ بِها. ﴿رَبَّنا ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا﴾ أيْ عِبْئًا ثَقِيلًا يَأْصِرُ صاحِبَهُ، أيْ يَحْبِسُهُ مَكانَهُ، والمُرادُ بِهِ التَّكالِيفُ الشّاقَّةُ، وقِيلَ: الإصْرُ الذَّنْبُ الَّذِي لا تَوْبَةَ لَهُ فالمَعْنى اِعْصِمْنا مِنَ اِقْتِرافِهِ، وقُرِئَ (آصارًا) عَلى الجَمْعِ، وقَرَأ أُبَيٌّ (ولا تُحَمِّلْ) بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبالَغَةِ ﴿كَما حَمَلْتَهُ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِنا﴾ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ حَمْلًا مِثْلَ حَمْلِكَ إيّاهُ عَلى مَن قَبْلَنا، أوْ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِ (إصْرًا) أيْ إصْرًا مِثْلَ الإصْرِ الَّذِي حَمَلْتَهُ عَلى مَن قَبْلَنا وهو ما كُلَّفَهُ بَنُو إسْرائِيلَ مِن قَتْلِ النَّفْسِ في التَّوْبَةِ أوْ في القِصاصِ لِأنَّهُ كانَ لا يَجُوزُ غَيْرُهُ في شَرِيعَتِهِمْ، وقَطْعِ مَوْضِعِ النَّجاسَةِ مِنَ الثِّيابِ ونَحْوِها وقِيلَ: مِنَ البَدَنِ، وصَرْفِ رُبْعِ المالِ في الزَّكاةِ. ﴿رَبَّنا ولا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ﴾ اِسْتِعْفاءٌ عَنِ العُقُوباتِ الَّتِي لا تُطاقُ بَعْدَ الِاسْتِعْفاءِ عَمّا يُؤَدِّي إلَيْها، والتَّعْبِيرُ عَنْ إنْزالِ ذَلِكَ بِالتَّحْمِيلِ مَجازٌ بِاعْتِبارِ ما يُؤَدِّي إلَيْهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ طَلَبًا لِما هو أعَمُّ مِنَ الأوَّلِ لِتَخْصِيصِهِ بِالتَّشْبِيهِ إلّا أنَّهُ صَوَّرَ فِيهِ الإصْرَ بِصُورَةٍ ما لا يُسْتَطاعُ مُبالَغَةً، وقِيلَ: هو اِسْتِعْفاءٌ عَنِ التَّكْلِيفِ بِما لا تَفِي بِهِ القُدْرَةُ البَشَرِيَّةُ حَقِيقَةً فَتَكُونُ الآيَةُ دَلِيلًا عَلى جَوازِ التَّكْلِيفِ بِما لا يُطاقُ وإلّا لَما سُئِلَ التَّخَلُّصَ عَنْهُ ولَيْسَ بِالقَوِيِّ، والتَّشْدِيدُ هَهُنا (p-71)لِمُجَرَّدِ تَعْدِيَةِ الفِعْلِ لِمَفْعُولٍ ثانٍ دُونَ التَّكْثِيرِ. ﴿واعْفُ عَنّا﴾ أيِ اُمْحُ آثارَ ذُنُوبِنا بِتَرْكِ العُقُوبَةِ ﴿واغْفِرْ لَنا﴾ بِسَتْرِ القَبِيحِ وإظْهارِ الجَمِيلِ ﴿وارْحَمْنا﴾ وتَعَطَّفْ عَلَيْنا بِما يُوجِبُ المَزِيدَ، وقِيلَ: ﴿واعْفُ عَنّا﴾ مِنَ الأفْعالِ ﴿واغْفِرْ لَنا﴾ مِنَ الأقْوالِ ﴿وارْحَمْنا﴾ بِثِقَلِ المِيزانِ، وقِيلَ: ﴿واعْفُ عَنّا﴾ في سَكَراتِ المَوْتِ ﴿واغْفِرْ لَنا﴾ في ظُلْمَةِ القُبُورِ ﴿وارْحَمْنا﴾ في أهْوالِ يَوْمِ النُّشُورِ، قالَ أبُو حَيّانَ: ولَمْ يَأْتِ في هَذِهِ الجُمَلِ الثَّلاثِ بِلَفْظِ رَبَّنا لِأنَّها نَتائِجُ ما تَقَدَّمَ مِنَ الجُمَلِ الَّتِي اُفْتُتِحَتْ بِذَلِكَ فَجاءَ (فاعْفُ عَنّا) مُقابِلًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تُؤاخِذْنا﴾، ﴿واغْفِرْ لَنا﴾ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا﴾، ﴿وارْحَمْنا﴾ لِقَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ولا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ﴾ لِأنَّ مِن آثارِ عَدَمِ المُؤاخَذَةِ بِالنِّسْيانِ والخَطَأِ العَفْوَ، ومِن آثارِ عَدَمِ حَمْلِ الإصْرِ عَلَيْهِمُ المَغْفِرَةَ، ومِن آثارِ عَدَمِ تَحْمِيلِ ما لا يُطاقُ الرَّحْمَةَ، ولا يَخْفى حَسَنُ التَّرْتِيبِ. ﴿أنْتَ مَوْلانا﴾ أيْ مالِكُنا وسَيِّدُنا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى مُتَوَلِّي الأمْرِ، وأصْلُهُ مَصْدَرٌ أُرِيدَ بِهِ الفاعِلُ، وإذا ذُكِرَ المَوْلى والسَّيِّدُ وجَبَ في الِاسْتِعْمالِ تَقْدِيمُ المَوْلى فَيُقالُ: مَوْلانا وسَيِّدُنا كَما في قَوْلِ الخَنْساءِ: ؎وإنَّ صَخْرًا لَمَوْلانا وسَيِّدُنا ∗∗∗ وإنَّ صَخْرًا إذا أشْتَوْا لَنَحّارُ وخَطَّئُوا مَن قالَ: سَيِّدُنا ومَوْلانا بِتَقْدِيمِ السَّيِّدِ عَلى المَوْلى كَما قالَهُ اِبْنُ أيْبَكَ، ولِي فِيهِ تَرَدُّدٌ، قِيلَ: والجُمْلَةُ عَلى مَعْنى القَوْلِ أيْ قُولُوا أنْتَ مَوْلانا ﴿فانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ [ 286 ] أيِ الأعْداءِ في الدِّينِ المُحارِبِينَ لَنا أوْ مُطْلَقِ الكَفَرَةِ، وأتى بِالفاءِ إيذانًا بِالسَّبَبِيَّةِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا كانَ مَوْلاهم ومالِكَهم ومُدَبِّرَ أُمُورِهِمْ تَسَبَّبَ عَنْهُ أنْ دَعَوْهُ بِأنْ يَنْصُرَهم عَلى أعْدائِهِمْ فَهو كَقَوْلِكَ أنْتَ الجَوادُ فَتَكَرَّمْ عَلَيَّ وأنْتَ البَطَلُ فاحْمِ الجارَ. * * * ومِن بابِ الإشارَةِ في هَذِهِ الآياتِ: ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ﴾ أيِ العَوالِمِ الرُّوحانِيَّةِ كُلِّها وما اِسْتَتَرَ في أسْتارِ غِيُوبِهِ وخَزائِنِ عِلْمِهِ ﴿وما في الأرْضِ﴾ أيِ العالَمِ الجُسْمانِيِّ والظَّواهِرِ المُشاهَدَةِ الَّتِي هي مَظاهِرُ الأسْماءِ والأفْعالِ. ﴿وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكُمْ﴾ يَشْهَدْهُ بِأسْمائِهِ وظَواهِرِهِ فَيُحاسِبْكم بِهِ وإنْ تُخْفُوهُ يَشْهَدْهُ بِصِفاتِهِ وبَواطِنِهِ ويُحاسِبْكم بِهِ، ﴿فَيَغْفِرُ﴾ لَكم ﴿لِمَن يَشاءُ﴾ لِتَوْحِيدِهِ وقُوَّةِ يَقِينِهِ وعُرُوضِ سَيِّئاتِهِ وعَدَمِ رُسُوخِها في ذاتِهِ ﴿ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ لِفَسادِ اِعْتِقادِهِ ووُجُودِ شَكِّهِ، أوْ رُسُوخِ سَيِّئاتِهِ في نَفْسِهِ ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ لِأنَّ بِهِ ظُهُورَ كُلِّ ظاهِرٍ وبُطُونَ كُلِّ باطِنٍ فَيَقْدِرُ عَلى المَغْفِرَةِ والتَّعْذِيبِ ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ الكامِلُ الأكْمَلُ ﴿بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ﴾ أيْ صَدَّقَهُ بِقَبُولِهِ والتَّخَلُّقِ بِهِ فَقَدْ كانَ خُلُقُهُ ﷺ القُرْآنَ والتَّرَقِّيَ بِمَعانِيهِ والتَّحَقُّقَ بِهِ ﴿والمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ وحْدَهُ مُشاهَدَةً حِينَ لَمْ يَرَوْا في الوُجُودِ سِواهُ ﴿ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ﴾ حِينَ رُجُوعِهِمْ إلى مُشاهَدَتِهِمْ، تِلْكَ الكَثْرَةُ مَظاهِرُ لِلْوَحْدَةِ، يَقُولُونَ ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ بِرَدِّ بَعْضٍ وقَبُولِ بَعْضٍ لِمُشاهَدَةِ الحَقِّ فِيهِمْ بِالحَقِّ ﴿وقالُوا سَمِعْنا﴾ أجَبْنا رَبَّنا في كُتُبِهِ ورُسُلِهِ ونُزُولِ مَلائِكَتِهِ واسْتَقَمْنا في سَيْرِنا ﴿غُفْرانَكَ رَبَّنا﴾ أيِ اِغْفِرْ وُجُوداتِنا وصِفاتِنا واسْتُرْ ذَلِكَ بِوُجُودِكَ وصِفاتِكَ فَمِنكَ المَبْدَأُ ﴿وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾ بِالفَناءِ فِيكَ ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ إلّا ما يَسَعُها ولا يَضِيقُ بِهِ طَوْقُها واسْتِعْدادُها مِنَ التَّجَلِّياتِ ﴿لَها ما كَسَبَتْ﴾ مِنَ الخَيْرِ والكِمالاتِ والكُشُوفِ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ بِاعْتِمالٍ أوْ بِغَيْرِ اِعْتِمالٍ ﴿وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ﴾ وتَوَجَّهَتْ إلَيْهِ بِالقَصْدِ مِنَ السُّوءِ. ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا﴾ عَهْدَكَ بِمَيْلِنا إلى ظُلْمَةِ الطَّبِيعَةِ ﴿أوْ أخْطَأْنا﴾ بِالعَمَلِ عَلى غَيْرِ الوَجْهِ اللّائِقِ لِحَضْرَتِكَ ﴿رَبَّنا ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا﴾ وهو عِبْءُ الصِّفاتِ والأفْعالِ الحابِسَةِ لِلْقُلُوبِ مِن (p-72)مُعايَنَةِ الغُيُوبِ ﴿كَما حَمَلْتَهُ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِنا﴾ مِنَ المُحْتَجِبِينَ بِظَواهِرِ الأفْعالِ أوْ بَواطِنِ الصِّفاتِ. ﴿رَبَّنا ولا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ﴾ مِن ثِقَلِ الهِجْرانِ والحِرْمانِ عَنْ وِصالِكَ ومُشاهَدَةِ جَمالِكِ بِحَجْبِ جَلالِكَ ﴿واعْفُ عَنّا﴾ سَيِّئاتِ أفْعالِنا وصِفاتِنا فَإنَّها سَيِّئاتٌ حَجَبَتْنا عَنْكَ وحَرَمَتْنا بَرَدَ وِصالِكَ ولَذَّةَ رِضْوانِكَ ﴿واغْفِرْ لَنا﴾ ذُنُوبَ وجُودِنا فَإنَّهُ أكْبَرُ الكَبائِرِ ﴿وارْحَمْنا﴾ بِالوُجُودِ المَوْهُوبِ بَعْدَ الفَناءِ ﴿أنْتَ مَوْلانا﴾ أيْ سَيِّدُنا ومُتَوَلِّي أُمُورِنا لِأنّا مَظاهِرُكَ وآثارُ قُدْرَتِكَ ﴿فانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ مِن قُوى نُفُوسِنا الأمّارَةِ وصِفاتِها وجُنُودِ شَياطِينِ أوْهامِنا المَحْجُوبِينَ عَنْكَ الحاجِبِينَ إيّانا لِكَفْرِهِمْ وظُلْمَتِهِمْ. هَذا وقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ واَلتِّرْمِذِيُّ مِن حَدِيثِ اِبْنِ عَبّاسٍ: «“لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَقَرَأها ﷺ قِيلَ لَهُ عَقِيبَ كُلِّ كَلِمَةٍ (قَدْ فَعَلْتُ)”،» وأخْرَجَ أبُو سَعِيدٍ والبَيْهَقِيُّ عَنِ الضَّحّاكِ: «“أنَّ جِبْرِيلَ لَمّا جاءَ بِهَذِهِ الآيَةِ ومَعَهُ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى مِنَ المَلائِكَةِ وقَرَأها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قالَ لَهُ بَعْدَ كُلِّ كَلِمَةٍ (لَكَ ذَلِكَ) حَتّى فَرَغَ مِنها”،» وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ عَنْ أبِي مَيْسَرَةَ: «“أنَّ جِبْرِيلَ لَقَّنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ خاتِمَةِ البَقَرَةِ (آمِينَ)»، وأخْرَجَ الأئِمَّةُ السِّتَّةُ في «كُتُبِهِمْ» عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «مَن قَرَأ الآيَتَيْنِ مِن آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ في لَيْلَةٍ كَفَتاهُ ”،» وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ شَدّادِ بْنِ أوْسٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“ إنِ اللَّهَ تَعالى كَتَبَ كِتابًا قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِألْفَيْ عامٍ فَأنْزَلَ مِنهُ آيَتَيْنِ خَتَمَ بِهِما سُورَةَ البَقَرَةِ ولا يُقْرَآنِ في دارٍ ثَلاثَ لَيالٍ فَيَقْرَبُها شَيْطانٌ ”،» وأخْرَجَ اِبْنُ عَدِيٍّ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ الأنْصارِيِّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قالَ: «“ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى آيَتَيْنِ مِن كُنُوزِ الجَنَّةِ كَتَبَهُما الرَّحْمَنُ بِيَدِهِ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ بِألْفَيْ عامٍ مَن قَرَأهُما بَعْدَ العِشاءِ الآخِرَةِ أجْزَأتاهُ عَنْ قِيامِ اللَّيْلِ،» وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في «اَلشُّعَبِ» عَنْ أبِي ذَرٍّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «”إنَّ اللَّهَ خَتَمَ سُورَةَ البَقَرَةِ بِآيَتَيْنِ أعْطانِيهِما مِن كَنْزِهِ الَّذِي تَحْتَ العَرْشِ فَتَعَلَّمُوهُما وعَلِّمُوهُما نِساءَكم وأبْناءَكم فَإنَّهُما صَلاةٌ وقُرْآنٌ ودُعاءٌ“،» وفي رِوايَةِ أبِي عُبَيْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ ”أنَّهُنَّ قُرْآنٌ وأنَّهُنَّ دُعاءٌ وأنَّهُنَّ يُدْخِلْنَ الجَنَّةَ وأنَّهُنَّ يُرْضِينَ الرَّحْمَنَ“، وأخْرَجَ مُسَدَّدٌ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ والدّارِمِيِّ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ كِلاهُما قالَ: ”ما كُنْتُ أرى أحَدًا يَعْقِلُ يَنامُ حَتّى يَقْرَأ هَؤُلاءِ الآياتِ مِن آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ“، والآثارُ في فَضْلِها كَثِيرَةٌ وفِيما ذَكَرْنا كِفايَةٌ لِمَن وفَّقَهُ اللَّهُ تَعالى. اللَّهُمَّ اِجْعَلْ لَنا مِن إجابَةِ هَذِهِ الدَّعَواتِ أوْفَرَ نَصِيبٍ، ووُفِّقْنا لِلْعَمَلِ الصّالِحِ والقَوْلِ المُصِيبِ، واجْعَلِ القُرْآنَ رَبِيعَ قُلُوبِنا وجَلاءَ أسْماعِنا ونُزْهَةَ أرْواحِنا، ويَسِّرْ لَنا إتْمامَ ما قَصَدْناهُ، ولا تَجْعَلُ لَنا مانِعًا عَمّا بِتَوْفِيقِكَ أرَدْناهُ، وصَلِّ وسَلِّمْ عَلى خَلِيفَتِكَ الأعْظَمِ وكَنْزِكَ المُطَلْسِمِ، وعَلى آلِهِ الواقِفِينَ عَلى أسْرارِ كِتابِكَ، وأصْحابِهِ الفائِزِينَ بِحُكْمِ خِطابِكَ ما اِرْتاحَتْ رُوحٌ وحَصَلَ لَقارِعٍ بابَ جُودِكَ فُتُوحٌ. (p-73)سُورَةُ آلِ عِمْرانَ وهِي مِائَتا آيَةٍ، أخْرَجَ اِبْنُ الضَّرِيسِ والنَّحّاسُ والبَيْهَقِيُّ مِن طُرُقٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رِضى اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، واسْمُها في التَّوْراةِ كَما رَوى سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ طِيبَةُ، وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ تَسْمِيَتُها، والبَقَرَةِ الزَّهْراوانِ وتُسَمّى الأمانَ والكَنْزَ والمَعْنِيَّةَ والمُجادَلَةَ وسُورَةَ الِاسْتِغْفارِ، ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِتِلْكَ السُّورَةِ أنَّ كَثِيرًا مِن مُجْمِلاتِها تَشْرَحُ بِما في هَذِهِ السُّورَةِ، وأنَّ سُورَةَ البَقَرَةِ بِمَنزِلَةِ إقامَةِ الحُجَّةِ وهَذِهِ بِمَنزِلَةِ الشُّبْهَةِ ولِهَذا تَكَرَّرَ فِيها ما يَتَعَلَّقُ بِالمَقْصُودِ الَّذِي هو بَيانُ حَقِّيَّةِ الكِتابِ مِن إنْزالِ الكِتابِ وتَصْدِيقِهِ لِلْكُتُبِ قَبْلَهُ والهُدى إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، وتَكَرَّرَتْ آيَةُ ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ﴾ بِكَمالِها ولِذَلِكَ ذَكَرَ في هَذِهِ ما هو تالٍ لِما ذَكَرَ في تِلْكَ أوْ لازِمٌ لَهُ، فَذَكَرَ هُناكَ خَلْقَ النّاسِ وذَكَرَ هُنا تَصْوِيرَهم في الأرْحامِ، وذَكَرَ هُناكَ مَبْدَأ خَلْقِ آدَمَ وذَكَرَ هُنا مَبْدَأ أوْلادِهِ، وألْطَفُ مِن ذَلِكَ أنَّهُ اِفْتَتَحَ البَقَرَةَ بِقِصَّةِ آدَمَ وخَلْقِهِ مِن تُرابٍ ولا أُمَّ وذَكَرَ في هَذِهِ نَظِيرَهُ في الخَلْقِ مِن غَيْرِ أبٍ وهو عِيسى ولِذَلِكَ ضَرَبَ لَهُ المَثَلَ بِآدَمَ، واخْتُصَّتِ البَقَرَةُ بِآدَمَ لِأنَّها أوَّلُ السُّوَرِ وهو أوَّلُ في الوُجُودِ وسابِقٌ ولِأنَّها الأصْلُ وهَذِهِ كالفَرْعِ والتَّتِمَّةِ لَها فاخْتُصَّتْ بِالأغْرَبِ ولِأنَّها خِطابٌ لِلْيَهُودِ الَّذِينَ قالُوا في مَرْيَمَ ما قالُوا وأنْكَرُوا وُجُودَ ولَدٍ بِلا أبٍ فَفُوتِحُوا بِقِصَّةِ آدَمَ لِتَثْبُتَ في أذْهانِهِمْ فَلا تَأْتِي قِصَّةُ عِيسى إلّا وقَدْ ذُكِرَ عِنْدَهم ما يَشْهَدُ لَها مِن جِنْسِها، ولِأنَّ قِصَّةَ عِيسى قِيسَتْ عَلى قِصَّةِ آدَمَ والمَقِيسُ عَلَيْهِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَعْلُومًا لِتَتِمَّ الحُجَّةَ بِالقِياسِ فَكانَتْ قِصَّةُ آدَمَ والسُّورَةُ الَّتِي هي فِيها جَدِيرَةً بِالتَّقْدِيمِ. وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ مِن وُجُوهِ التَّلازُمِ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ أنَّهُ قالَ في البَقَرَةِ في صِفَةِ النّارِ: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ مَعَ اِفْتِتاحِها بِذِكْرِ المُتَّقِينَ والكافِرِينَ مَعًا، وقالَ في آخِرِ هَذِهِ: ﴿وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ فَكَأنَّ السُّورَتَيْنِ بِمَنزِلَةِ سُورَةٍ واحِدَةٍ ومِمّا يُقَوِّي المُناسِبَةَ والتَّلازُمَ بَيْنَهُما أنَّ خاتِمَةَ هَذِهِ مُناسَبَةٌ لِفاتِحَةِ تِلْكَ لِأنَّ الأُولى اُفْتُتِحَتْ بِذِكْرِ المُتَّقِينَ وأنَّهُمُ المُفْلِحُونَ وخُتِمَتْ هَذِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ وافْتُتِحَتِ الأُولى بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ وخُتِمَتْ آلِ عِمْرانَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْكم وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ﴾ وقَدْ ورَدَ «أنَّ اليَهُودَ قالُوا لَمّا نَزَّلَ ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ الآيَةَ: يا مُحَمَّدُ اِفْتَقَرَ رَبُّكَ يَسْألُ عِبادَهُ القَرْضَ فَنَزَّلَ ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهُ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ﴾» وهَذا مِمّا يُقَوِّي التَّلازُمَ أيْضًا، ومِثْلُهُ أنَّهُ وقَعَ في البَقَرَةِ حِكايَةُ قَوْلِ إبْراهِيمَ: ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنهُمْ﴾ الآيَةَ، وهُنا ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مَنَّ أنْفُسِهِمْ﴾ الآيَةَ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب