الباحث القرآني
﴿ومَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ﴾ أيْ لِطَلَبِ رِضاهُ أوْ طالِبِينَ لَهُ، ﴿وتَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ ولِتَثْبِيتِ أوْ مُثْبِتِينَ بَعْضَ أنْفُسِهِمْ عَلى الإيمانِ فَمِن تَبْعِيضِيَّةٌ كَما في قَوْلِهِمْ: هَزَّ مِن (p-36)عَطْفَيْهِ وحَرَّكَ مِن نَشاطِهِ فَإنَّ لِلنَّفْسِ قُوًى بَعْضُها مَبْدَأُ بَذْلِ المالِ، وبَعْضُها مَبْدَأُ بَذْلِ الرُّوحِ، فَمَن سَخَّرَ قُوَّةَ بَذْلِ المالِ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى فَقَدْ ثَبَّتَ بَعْضَ نَفْسِهِ، ومَن سَخَّرَ قُوَّةَ بَذْلِ المالِ وقُوَّةَ بَذْلِ الرُّوحِ فَقَدْ ثَبَّتَ كُلَّ نَفْسٍ، وقَدْ يُجْعَلُ مَفْعُولُ (تَثْبِيتًا) مَحْذُوفًا أيْ تَثْبِيتًا لِلْإسْلامِ وتَحْقِيقًا لِلْجَزاءِ مِن أصْلِ أنْفُسِهِمْ وقُلُوبِهِمْ، فَمِنِ اِبْتِدائِيَّةٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وتَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ عِنْدَ المُؤْمِنِينَ أنَّها صادِقَةُ الإيمانِ مُخْلِصَةٌ فِيهِ، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ مُجاهِدٍ (وتَبْيِينًا مِن أنْفُسِهِمْ)، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ (مِن) بِمَعْنى اللّامِ والمَعْنى تَوْطِينًا لِأنْفُسِهِمْ عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ الجِبائِيُّ ولَيْسَ بِالبَعِيدِ وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ حِكْمَةَ الإنْفاقِ لِلْمُنْفِقِ تَزْكِيَةُ النَّفْسِ عَنِ البُخْلِ وحُبُّ المالِ الَّذِي هو الدّاءُ العُضالُ والرَّأْسُ لِكُلِّ خَطِيئَةٍ.
﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ أيْ بُسْتانٍ بِنَشْزٍ مِنَ الأرْضِ، والمُرادُ تَشْبِيهُ نَفَقَةِ هَؤُلاءِ في الزَّكاءِ بِهَذِهِ الجَنَّةِ، واعْتُبِرَ كَوْنُها في رَبْوَةٍ لِأنَّ أشْجارَ الرُّبى تَكُونُ أحْسَنَ مَنظَرًا وأزْكى ثَمَرًا لِلَطافَةِ هَوائِها وعَدَمِ كَثافَتِهِ بِرُكُودِهِ. وقَرَأ اِبْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ بِرَبْوَةٍ بِالفَتْحِ، والباقُونَ بِالضَّمِّ، وابْنُ عَبّاسٍ بِالكَسْرِ، وقُرِئَ رُباوَةٌ وكُلُّها لُغاتٌ، وقُرِئَ (كَمَثَلِ حَبَّةٍ) بِالحاءِ والباءِ ﴿أصابَها وابِلٌ﴾ مَطَرٌ شَدِيدٌ ﴿فَأتَتْ﴾ أيْ أعْطَتْ صاحِبَها أوِ النّاسَ، ونِسْبَةُ الإيتاءِ إلَيْها مَجازٌ ﴿أُكُلَها﴾ بِالضَّمِّ الشَّيْءُ المَأْكُولُ والمُرادُ ثَمَرُها وأُضِيفَ إلَيْها لِأنَّها مَحَلُّهُ أوْ سَبَبُهُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ بِسُكُونِ الكافِ تَخْفِيفًا ”ضِعْفَيْنِ“ أيْ ضِعْفًا بَعْدَ ضِعْفٍ فالتَّثْنِيَةُ لِلتَّكْثِيرِ، أوْ مِثْلَيْ ما كانَتْ تُثْمِرُ في سائِرِ الأوْقاتِ بِسَبَبِ ما أصابَها مِنَ الوابِلِ، أوْ أرْبَعَةَ أمْثالِهِ بِناءً عَلى الخِلافِ في أنَّ الضِّعْفَ هَلْ هو المِثْلُ أوِ المِثْلانِ، وقِيلَ: المُرادُ تَأْتِي أُكُلَها مَرَّتَيْنِ في سَنَةٍ واحِدَةٍ، كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ﴾ ونَصْبُهُ عَلى الحالِ مِن أُكُلَها أيْ مُضاعَفًا ﴿فَإنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ﴾ أيْ فَيُصِيبُها، أوْ فاَلَّذِي يُصِيبُها طَلٌّ أوْ فَطَلٌّ يَكْفِيها، والمُرادُ أنَّ خَيْرَها لا يُخْلِفُ عَلى كُلِّ حالٍ لِجَوْدَتِها وكَرَمِ مَنبَتِها ولَطافَةِ هَوائِها، واَلطَّلُّ الرَّذاذُ مِنَ المَطَرِ وهو اللَّيِّنُ مِنهُ.
وحاصِلُ هَذا التَّشْبِيهِ أنَّ نَفَقاتِ هَؤُلاءِ زاكِيَةٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى لا تَضِيعُ بِحالٍ وإنْ كانَتْ تَتَفاوَتُ بِحَسَبِ تَفاوُتِ ما يُقارِنُها مِنَ الإخْلاصِ والتَّعَبِ وحُبِّ المالِ والإيصالِ إلى الأحْوَجِ التَّقِيِّ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَهُناكَ تَشْبِيهُ حالِ النَّفَقَةِ النّامِيَةِ لِابْتِغاءِ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى الزّاكِيَةِ عَنِ الأدْناسِ لِأنَّها لِلتَّثْبِيتِ النّاشِئِ عَنْ يَنْبُوعِ الصِّدْقِ والإخْلاصِ بِحالِ جَنَّةٍ نامِيَةٍ زاكِيَةٍ بِسَبَبِ الرَّبْوَةِ، وأحَدُ الأمْرَيْنِ الوابِلُ والطَّلُّ، والجامِعُ النُّمُوُّ المَقْرُونِ بِالزُّكاءِ عَلى الوَجْهِ الأتَمِّ، وهَذا مِنَ التَّشْبِيهِ المُرَكَّبِ العَقْلِيِّ ولَكَ أنْ تَعْتَبِرَ تَشْبِيهَ حالِ أُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى بِالجَنَّةِ عَلى الرَّبْوَةِ ونَفَقَتِهِمِ القَلِيلَةِ والكَثِيرَةِ بِالوابِلِ والطَّلِّ؛ فَكَما أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المَطَرَيْنِ يُضْعِفُ أكْلَ تِلْكَ الجَنَّةِ فَكَذَلِكَ نَفَقَتُهم جَلَتْ أوْ قَلَّتَ بَعْدَ أنْ يُطْلَبَ بِها وجْهُ اللَّهِ تَعالى زاكِيَةً زائِدَةً في زُلْفاهم وحُسْنِ حالِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَلَّ شَأْنُهُ، كَذا قِيلَ وهو مُحْتَمَلٌ لِأنْ يَكُونَ التَّشْبِيهُ حِينَئِذٍ مِنَ المُفَرَّقِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ المُرَكَّبِ، والكَلامُ مَساقٌ لِلْإرْشادِ إلى اِنْتِزاعِ وجْهِ الشَّبَهِ وطَرِيقِ التَّرْكِيبِ، والفَرْقُ إذْ ذاكَ بِأنَّ الحالَ لِلنَّفَقَةِ في الأوَّلِ ولِلْمُنْفِقِ في الثّانِي.
والحاصِلُ أنَّ حالَهم في إنْتاجِ القِلِّ والكُثْرِ مِنهُمُ الأضْعافُ لِأُجُورِهِمْ كَحالِ الجَنَّةِ في إنْتاجِ الوابِلِ والطَّلِّ الواصِلَيْنِ إلَيْها الإضْعافِ لِأثْمارِها، واخْتارَ بَعْضُهُمِ الأوَّلَ، وأبى آخَرُونَ الثّانِي فافْهَمْ.
﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [ 265 ] فَيُجازِي كُلًّا مِنَ المُخْلِصِ والمُرائِي بِما هو أعْلَمُ بِهِ، فَفي الجُمْلَةِ تَرْغِيبٌ لِلْأوَّلِ، وتَرْهِيبٌ لِلثّانِي مَعَ ما فِيها مِنَ الإشارَةِ (p-37)إلى الحَطِّ عَلى الأخِيرِ حَيْثُ قَصَدَ بِعَمَلِهِ رُؤْيَةَ مَن لا تُغْنِي رُؤْيَتُهُ شَيْئًا وتَرْكَ وجْهِ البَصِيرِ الحَقِيقِيِّ الَّذِي تُغْنِي وتُفْقِرُ رُؤْيَتُهُ عَزَّ شَأْنُهُ.
{"ayah":"وَمَثَلُ ٱلَّذِینَ یُنفِقُونَ أَمۡوَ ٰلَهُمُ ٱبۡتِغَاۤءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِ وَتَثۡبِیتࣰا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ كَمَثَلِ جَنَّةِۭ بِرَبۡوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلࣱ فَـَٔاتَتۡ أُكُلَهَا ضِعۡفَیۡنِ فَإِن لَّمۡ یُصِبۡهَا وَابِلࣱ فَطَلࣱّۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِیرٌ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











