الباحث القرآني
﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ( ومِن النّاسِ مَن يَقُولُ ) والجامِعُ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - لَمّا ساقَ بَيانَ أحْكامِ الحَجِّ إلى بَيانِ انْقِسامِ النّاسِ في الذِّكْرِ والدُّعاءِ في تِلْكَ المَناسِكِ إلى الكافِرِ والمُؤْمِنِ تَمَّمَهُ - سُبْحانَهُ - بِبَيانِ قِسْمَيْنِ آخَرَيْنِ ( المُنافِقِ والمُخْلِصِ ) وأصْلُ ( التَّعَجُّبِ ) حَيْرَةٌ تَعْرِضُ لِلْإنْسانِ لِجَهْلِهِ بِسَبَبِ المُتَعَجَّبِ مِنهُ، وهو هُنا مَجازٌ عَمّا يَلْزَمُهُ مِنَ الرَّوْقِ والعَظَمَةِ، فَإنَّ الأمْرَ الغَرِيبَ المَجْهُولَ يَسْتَطْيِبُهُ الطَّبْعُ ويَعْظُمُ وقْعُهُ في القُلُوبِ، ولَيْسَ عَلى حَقِيقَتِهِ لِعَدَمِ الجَهْلِ بِالسَّبَبِ - أعْنِي الفَصاحَةَ والحَلاوَةَ -؛ فالمَعْنى: ومِنهم مَن يَرُوقُكَ ويَعْظُمُ في نَفْسِكَ ما يَقُولُهُ.
﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: في أُمُورِ الدُّنْيا وأسْبابِ المَعاشِ - سَواءٌ كانَتْ عائِدَةً إلَيْهِ أمْ لا - فالمُرادُ مِنَ الحَياةِ ما بِهِ الحَياةُ والتَّعَيُّشُ، (p-95)أوْ في مَعْنى ( الدُّنْيا ) فَإنَّها مُرادَةٌ مِنَ ادِّعاءِ المُحِبَّةِ وإظْهارِ الإيمانِ، ( فالحَياةُ الدُّنْيا ) عَلى مَعْناها، وجَعْلُهُ ظَرْفًا لِلْقَوْلِ مِن قَبِيلِ قَوْلِهِمْ في عُنْوانِ المَباحِثِ الفَصْلُ الأوَّلُ في كَذا والكَلامُ في كَذا؛ أيِ: المَقْصُودُ مِنهُ ذَلِكَ، ولا حَذْفَ في شَيْءٍ مِنَ التَّقْدِيرَيْنِ عَلى ما وُهِمَ، وتَكُونُ الظَّرْفِيَّةُ حِينَئِذٍ تَقْدِيرِيَّةً، كَما في قَوْلِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «فِي النَّفْسِ المُؤْمِنَةِ مِائَةٌ مِنَ الإبِلِ”؛» أيْ: في قَتْلِها، فالسَّبَبُ الَّذِي هو القَتْلُ مُتَضَمِّنُ الدِّيَةِ تَضَمُّنَ الظَّرْفِ لِلْمَظْرُوفِ، وهَذِهِ هي الَّتِي يُقالُ لَها: إنَّها سَبَبِيَّةٌ كَذا في الرَّضِيِّ، قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وجُوِّزَ تَعَلُّقُ المَجْرُورِ بِالفِعْلِ قَبْلَهُ؛ أيْ: يُعْجِبُكَ في الدُّنْيا قَوْلُهُ لِفَصاحَتِهِ وطَراوَةِ ألْفاظِهِ، ولا يُعْجِبُكَ في الآخِرَةِ لِما يَعْتَرِيهِ مِنَ الدَّهْشَةِ واللُّكْنَةِ أوْ لِأنَّهُ يُؤْذَنُ لَهُ في الكَلامِ، فَلا يَتَكَلَّمُ حَتّى يُعْجِبَكَ، والآيَةُ كَما قالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في «الأخْنَسِ بْنِ شُرَيْقٍ الثَّقَفِيُّ حُلَيْفِ بْنِي زُهْرَةَ، أقْبَلَ إلى النَّبِيِّ – صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – في المَدِينَةِ، فَأظْهَرَ لَهُ الإسْلامَ، وأعْجَبَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ذَلِكَ مِنهُ، وقالَ: إنَّما جِئْتُ أُرِيدُ الإسْلامَ، واللَّهُ - تَعالى - يَعْلَمُ إنِّي لَصادِقٌ، ثُمَّ خَرَجَ مِن عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَمَرَّ بِزَرْعٍ مِنَ المُسْلِمِينَ وحُمْرٍ، فَأحْرَقَ الزَّرْعَ وعَقَرَ الحُمْرَ». وقِيلَ: في المُنافِقِينَ كافَّةً ﴿ويُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ﴾ أيْ: بِحَسَبِ ادِّعائِهِ؛ حَيْثُ يَقُولُ اللَّهُ: يَعْلَمُ أنَّ ما قَلْبِي مُوافِقٌ لِما في لِسانِي، وهو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿يُعْجِبُكَ﴾ وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ، ويَسْتَشْهِدُ اللَّهَ، وقُرِئَ: ( ويَشْهَدُ اللَّهُ ) بِالرَّفْعِ، فالمُرادُ بِما في قَلْبِهِ ما فِيهِ حَقِيقَةً، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -، واللَّهُ يَشْهَدُ عَلى ما في قَلْبِهِ عَلى أنَّ كَلِمَةَ ( عَلى ) لِكَوْنِ المَشْهُودِ بِهِ مُضِرًّا لَهُ، والجُمْلَةُ حِينَئِذٍ اعْتِراضِيَّةٌ.
﴿وهُوَ ألَدُّ الخِصامِ 204﴾ أيْ: شَدِيدُ المُخاصَمَةِ في الباطِلِ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - واسْتَشْهَدَ عَلَيْهِ بِقَوْلِ مُهَلْهَلٍ:
؎إنَّ تَحْتَ الحِجارِ حَزْمًا وجُورًا وخَصِيمًا ألَدَّ ذا مِقْلاقِ
فَألَدُّ صِفَةٌ كَأحْمَرَ، بِدَلِيلِ جَمْعِهِ عَلى ( لُدٍّ ) ومَجِيءِ مُؤَنَّثِهِ ( لَدِّاءُ ) لا أفْعَلَ تَفْضِيلٍ، والإضافَةُ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى فاعِلِها كَحُسْنِ الوَجْهِ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ، وجَعَلَها بَعْضُهم بِمَعْنى ( في ) عَلى الظَّرْفِيَّةِ التَّقْدِيرِيَّةِ؛ أيْ شَدِيدٌ في المُخاصَمَةِ، ونَقَلَ أبُو حَيّانَ عَنِ الخَلِيلِ: أنَّ ( ألَدَّ ) أفْعَلُ تَفْضِيلٍ فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ وخِصامُهُ ألَدُّ الخِصامِ، أوْ ألَدُّ ذَوِي الخِصامِ، أوْ يُجْعَلُ وهو راجِعٌ إلى الخِصامِ المَفْهُومِ مِنَ الكَلامِ عَلى بُعْدٍ، أوْ يُقالُ الخِصامُ جَمْعُ خَصْمٍ كَبَحْرٍ وبِحارٍ وصَعْبٍ وصِعابٍ، فالمَعْنى أشَدُّ الخُصُومِ خُصُومَةً، والإضافَةُ فِيهِ لِلِاخْتِصاصِ، كَما في أحْسَنِ النّاسِ وجْهًا، وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ شِدَّةَ المُخاصَمَةِ مَذْمُومَةٌ، وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «“أبْغَضُ الرِّجالِ إلى اللَّهِ - تَعالى - الألَدُّ الخَصْمِ» وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ: ”كَفى بِرَبِّكَ إثْمًا أنْ لا تَزالَ مُمارِيًا، وكَفى بِكَ ظالِمًا أنْ لا تَزالَ مُخاصِمًا، وكَفى بِكَ كاذِبًا أنْ لا تَزالَ مُحَدِّثًا إلّا حَدِيثٌ في ذاتِ اللَّهِ – عَزَّ وجَلَّ –“ وشِدَّةُ الخُصُومَةِ مِن صِفاتِ المُنافِقِينَ؛ لِأنَّهم يُحِبُّونَ الدُّنْيا فَيُكْثِرُونَ الخِصامَ عَلَيْها.
{"ayah":"وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن یُعۡجِبُكَ قَوۡلُهُۥ فِی ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا وَیُشۡهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِی قَلۡبِهِۦ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلۡخِصَامِ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











