الباحث القرآني

﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ وفْدًا﴾ أيْ رُكْبانًا كَما أخْرَجَهُ جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في صِفَةِ الجَنَّةِ. وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ مِن طُرُقٍ «عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ: سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ هَلِ الوَفْدُ إلّا الرَّكْبُ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ( والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهم إذا خَرَجُوا مِن قُبُورِهِمُ اسْتُقْبِلُوا بِنُوقٍ بِيضٍ لَها أجْنِحَةٌ وعَلَيْها رِحالُ الذَّهَبِ شُرُكُ نِعالِهِمْ نُورٌ يَتَلَأْلَأُ، كُلُّ خُطْوَةٍ مِنها مِثْلُ مَدِّ البَصَرِ ويَنْتَهُونَ إلى بابِ الجَنَّةِ» ) الحَدِيثَ، وهَذِهِ النُّوقُ مِنَ الجَنَّةِ كَما صُرِّحَ بِهِ في حَدِيثٍ أخْرَجَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الإمامِ أحْمَدَ، وغَيْرُهُ مَوْقُوفًا عَلى عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ. ورُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ أنَّهم يَرْكَبُونَ عَلى تَماثِيلَ مِن أعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ هي في غايَةِ الحُسْنِ. ويُرْوى أنَّهُ يَرْكَبُ كُلٌّ مِنهم ما أحَبَّ مِن إبِلٍ أوْ خَيْلٍ أوْ سُفُنٍ تَجِيءُ عائِمَةً بِهِمْ، وأصْلُ الوَفْدِ جَمْعُ وافِدٍ كالوُفُودِ والأوْفادِ، والوَفْدُ مِن وفَدَ إلَيْهِ وعَلَيْهِ يَفِدُ وفْدًا ووُفُودًا ووِفادَةً وإفادَةً قَدِمَ ووَرَدَ. (p-136)وفِي النِّهايَةِ الوَفْدُ هُمُ القَوْمُ يَجْتَمِعُونَ ويَرِدُونَ البِلادَ واحِدُهم وافْدٌ وكَذَلِكَ الَّذِينَ يَقْصِدُونَ الأُمَراءَ لِزِيارَةٍ واسْتِرْفادٍ وانْتِجاعٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقالَ الرّاغِبُ: الوَفْدُ والوُفُودُ هُمُ الَّذِينَ يَقْدِمُونَ عَلى المُلُوكِ مُسْتَنْجِزِينَ الحَوائِجَ، ومِنهُ الوَفْدُ مِنَ الإبِلِ وهو السّابِقُ لِغَيْرِها، وهَذا المَعْنى الَّذِي ذَكَرَهُ هو المَشْهُورُ، ومِن هُنا قِيلَ: إنَّ لَفْظَةَ الوَفْدِ مُشْعِرَةٌ بِالإكْرامِ والتَّبْجِيلِ حَيْثُ آذَنَتْ بِتَشْبِيهِ حالَةِ المُتَّقِينَ بِحالَةِ وُفُودِ المُلُوكِ، ولَيْسَ المُرادُ حَقِيقَةَ الوِفادَةِ مِن سائِرِ الحَيْثِيّاتِ لِأنَّها تَتَضَمَّنُ الِانْصِرافَ مِنَ المَوْفُودِ عَلَيْهِ والمُتَّقُونَ مُقِيمُونَ أبَدًا في ثَوابِ رَبِّهِمْ عَزَّ وجَلَّ. والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ إلى كَرامَةِ الرَّحْمَنِ أوْ ثَوابِهِ وهو الجَنَّةُ أوْ إلى دارِ كَرامَتِهِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وقِيلَ: الحَشْرُ إلى الرَّحْمَنِ إيذانًا بِأنَّهم يُجْمَعُونَ مِن أماكِنَ مُتَفَرِّقَةٍ وأقْطارٍ شاسِعَةٍ إلى مَن يَرْحَمُهم. قالَ القاضِي: ولِاخْتِيارِ الرَّحْمَنِ في هَذِهِ السُّورَةِ شَأْنٌ، ولَعَلَّهُ أنَّ مَساقَ الكَلامِ فِيها لِتَعْدادِ النِّعَمِ الجِسامِ وشَرْحِ حالِ الشّاكِرِينَ لَها والكافِرِينَ بِها، فَكَأنَّهُ قِيلَ هُنا: يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى رَبِّهِمُ الَّذِي غَمَرَهم مِن قَبْلُ بِرَحْمَتِهِ وشَمَلَهم بِرَأْفَتِهِ وحاصِلِهِ يَوْمَ نَحْشُرُهم إلى مَن عَوَّدَهُمُ الرَّحْمَةَ، وفي ذَلِكَ مِن عَظِيمِ البِشارَةِ ما فِيهِ،
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب