الباحث القرآني
﴿كَلا﴾ رَدْعٌ لَهم وزَجْرٌ عَنْ ذَلِكَ، وفِيهِ إنْكارٌ لِوُقُوعِ ما عَلَّقُوا بِهِ أطْماعَهُمُ الفارِغَةَ ﴿سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ﴾ أيْ سَتَجْحَدُ الآلِهَةُ عِبادَةَ أُولَئِكَ الكَفَرَةِ إيّاها ويُنْطِقُ اللَّهُ تَعالى مَن لَمْ يَكُنْ ناطِقًا مِنها، فَتَقُولُ جَمِيعًا ما عَبَدْتُمُونا كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وإذا رَأى الَّذِينَ أشْرَكُوا شُرَكاءَهم قالُوا رَبَّنا هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا الَّذِينَ كُنّا نَدْعُوا مِن دُونِكَ فَألْقَوْا إلَيْهِمُ القَوْلَ إنَّكم لَكاذِبُونَ﴾ أوْ سَتُنْكِرُ الكَفَرَةُ حِينَ يُشاهِدُونَ عاقِبَةَ سُوءِ كُفْرِهِمْ عِبادَتَهم إيّاها كَما قالَ سُبْحانَهُ ﴿لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ .
ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ عَلى الأوَّلِ عَلى ما قِيلَ تَكُونُ الآلِهَةُ الَّتِي كانُوا يَرْجُونَ أنْ تَكُونَ لَهم عِزًّا ضِدًّا لِلْعِزِّ أيْ ذُلًّا وهَوانًا أوْ أعْوانًا عَلَيْهِمْ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وهو (p-134)أظْهَرُ مِنَ التَّفْسِيرِ السّابِقِ، وكَوْنُهم أعْوانًا عَلَيْهِمْ لِأنَّهم يَلْعَنُونَهم، وقِيلَ: لِأنَّ عِبادَتَهم كانَتْ سَبَبًا لِلْعَذابِ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ هَذا لَمْ يَحْدُثْ يَوْمَ القِيامَةِ، وظاهِرُ الآيَةِ الحُدُوثُ ذَلِكَ اليَوْمَ والأمْرُ فِيهِ هَيِّنٌ، وقِيلَ: لِأنَّهم يَكُونُونَ آلَةَ لِعَذابِهِمْ حَيْثُ يُجْعَلُونَ وقُودَ النّارِ وحَصَبَ جَهَنَّمَ، وهَذا لا يَتَسَنّى إلّا عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ بِالآلِهَةِ الأصْنامُ، وإطْلاقُ الضِّدِّ عَلى العَوْنِ لِما أنَّ عَوْنَ الرَّجُلِ يُضادُّ عَدُوَّهُ ويُنافِيهِ بِإعانَتِهِ لَهُ عَلَيْهِ، وعَلى الثّانِي يَكُونُ الكَفَرَةُ عَلى الآلِهَةِ أيْ أعْداءً لَها مِن قَوْلِهِمْ: النّاسُ عَلَيْكم أيْ أعْداؤُكم، ومِنهُ: اللَّهُمَّ كُنْ لَنا ولا تَكُنْ عَلَيْنا ضِدًّا أيْ مَنافِينَ ما كانُوا عَلَيْهِ كافِرِينَ بِها بَعْدَ ما كانُوا يَعْبُدُونَها، فَعَلَيْهِمْ عَلى ما قِيلَ خَبَرُ يَكُونُ، ( وضِدًّا ) حالٌ مُؤَكٌّدَةٌ والعَداوَةُ مُرادَةٌ مِمّا قَبْلَهُ، وقِيلَ: إنَّها مُرادَةٌ مِنهُ وهو الخَبَرُ (وعَلَيْهِمْ) في مَوْضِعِ الحالِ، وقَدْ فَسَّرَهُ بِأعْداءٍ الضَّحّاكُ وهو عَلى ما نُقِلَ عَنِ الأخْفَشِ كالعَدُوِّ يُسْتَعْمَلُ مُفْرَدًا وجَمْعًا.
وبِذَلِكَ قالَ صاحِبُ القامُوسِ وجَعَلَ ما هُنا جَمْعًا، وأنْكَرَ بَعْضُهم كَوْنَهُ مِمّا يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ، وقالَ: هو لِلْواحِدِ فَقَطْ وإنَّما وُحِّدَ هُنا لِوَحْدَةِ المَعْنى الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهِ مُضادَّتُهم فَإنَّهم بِذَلِكَ كالشَّيْءِ الواحِدِ كَما في قَوْلِهِ ﷺ فِيما رَواهُ النَّسائِيُّ «وهم يَدٌ عَلى مَن سِواهم»، وقالَ صاحِبُ الفَرائِدِ: إنَّما وُحِّدَ لِأنَّهُ ذُكِرَ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ تَعالى (عِزًّا) وهو مَصْدَرٌ يَصْلُحُ لِأنْ يَكُونَ جَمْعًا، فَهَذا وإنْ لَمْ يَكُنْ مَصْدَرًا لَكِنْ يَصْلُحُ لِأنْ يَكُونَ جَمْعًا نَظَرًا إلى ما يُرادُ مِنهُ وهو الذُّلُّ.
وهَذا إذا تَمَّ فَإنَّما يَتِمُّ عَلى المَعْنى الأوَّلِ، وقَدْ صَرَّحَ في البَحْرِ أنَّهُ عَلى ذَلِكَ مَصْدَرٌ يُوصَفُ بِهِ الجَمْعُ كَما يُوصَفُ بِهِ الواحِدُ فَلْيُراجَعْ. وقَرَأ أبُو نَهِيكٍ هُنا وفِيما تَقَدَّمَ كَلًّا بِفَتْحِ الكافِ والتَّنْوِينِ، فَقِيلَ إنَّها الحَرْفُ الَّذِي لِلرَّدْعِ إلّا أنَّهُ نَوى الوَقْفَ عَلَيْها فَصارَ ألِفُها كَألِفِ الإطْلاقِ ثُمَّ أُبْدِلَتْ تَنْوِينًا، ويَجُوزُ أنْ لا يَكُونَ نَوى الوَقْفَ بَلْ أُجْرِيَتِ الألِفُ مَجْرى ألِفِ الإطْلاقِ لِما أنَّ ألِفَ المَبْنى لَمْ يَكُنْ لَها أصْلٌ ولَمْ يَجُزْ أنْ تَقَعَ رَوِيًّا ويُسَمّى هَذا تَنْوِينُ الغالِي وهو يَلْحَقُ الحُرُوفَ وغَيْرَها ويُجامِعُ الألِفَ واللّامَ كَقَوْلِكَ:
؎أقِلِّي اللَّوْمَ عاذِلَ والعِتابَنْ وقَوْلِي إنْ أصَبْتُ لَقَدْ أصابَنْ
ولَيْسَ هَذا مِثْلَ (قَوارِيرًا) كَما لا يَخْفى خِلافًا لِمَن زَعَمَهُ. وفي مُحْتَسَبِ ابْنِ جِنِّيٍّ أنَّ (كَلًّا) مَصْدَرٌ مِن كَلَّ السَّيْفُ إذا نَبا وهو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مِن لَفْظِهِ، والتَّقْدِيرُ هُنا كُلُّ هَذا الرَّأْيِ والِاعْتِقادِ كَلّا، والمُرادُ ضَعُفَ ضَعْفًا، وقِيلَ: هو مَفْعُولٌ بِهِ بِتَقْدِيرِ حَمَلُوا (كَلًّا) ويُقالُ نَظِيرُ ذَلِكَ فِيما تَقَدَّمَ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو نَعْتٌ لِآلِهَةٍ، والمُرادُ بِهِ الثَّقِيلُ الَّذِي لا خَيْرَ فِيهِ، والإفْرادُ لِأنَّهُ بِزِنَةِ المَصْدَرِ وهو كَما تَرى، والأوْفَقُ بِالمَعْنى ما تَقَدَّمَ وإنْ قِيلَ فِيهِ تَعَسُّفٌ لَفْظِيٌّ وإنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ إثْباتُ التَّنْوِينِ خَطَأٌ كَما في أمْثالِ ذَلِكَ.
وحَكى أبُو عَمْرٍو الدّانِيُّ عَنْ أبِي نَهِيكٍ أنَّهُ قَرَأ ( كُلًّا ) بِضَمِّ الكافِ والتَّنْوِينِ وهي عَلى هَذا مَنصُوبَةٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ (سَيَكْفُرُونَ) عَلى أنَّهُ مِن بابِ الِاشْتِغالِ نَحْوَ: زَيْدًا مَرَرْتُ بِهِ أيْ يَجْحَدُونَ كُلًّا أيْ عِبادَةَ كُلٍّ مِنَ الآلِهَةِ فَفِيهِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ وقَدْ لا يُقَدَّرُ. وذَكَرَ الطَّبَرِيُّ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ (كُلٌّ) بِضَمِّ الكافِ والرَّفْعِ وهو عَلى هَذا مُبْتَدَأٌ.
والجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرُهُ.
{"ayah":"كَلَّاۚ سَیَكۡفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمۡ وَیَكُونُونَ عَلَیۡهِمۡ ضِدًّا"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











