الباحث القرآني
﴿ويَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ سِيقَ لِبَيانِ حالِ المُهْتَدِينَ إثْرَ بَيانِ حالِ الضّالِّينَ كَما اخْتارَهُ أبُو السُّعُودِ، واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ وتَبِعَهُ أبُو البَقاءِ أنَّهُ عَطْفٌ عَلى مَوْضِعِ (فَلْيَمْدُدْ) إلَخْ ولَمْ يُجَوِّزْهُ أبُو حَيّانَ سَواءٌ كانَ ( فَلْيَمْدُدْ ) دُعاءً أوْ خَبَرًا في صُورَةِ الطَّلَبِ لِأنَّهُ في مَوْضِعِ الخَبَرِ إنْ كانَتْ مَن مَوْصُولَةً، وفي مَوْضِعِ الجَزاءِ إنْ كانَتْ شَرْطِيَّةً ومَوْضِعُ المَعْطُوفِ مَوْضِعَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ والجُمْلَةُ الَّتِي جُعِلَتْ مَعْطُوفَةً خالِيَةً مِن ضَمِيرٍ يَرْبُطُ الخَبَرَ بِالمُبْتَدَأِ والجَوابَ بِالشَّرْطِ، وقِيلَ عَلَيْهِ أيْضًا: إنَّ العَطْفَ غَيْرُ مُناسِبٍ مِن جِهَةِ المَعْنى كَما أنَّهُ غَيْرُ مُناسِبٍ مِن جِهَةِ الإعْرابِ إذْ لا يَتَّجِهُ أنْ يُقالَ: مَن كانَ في الضَّلالَةِ يَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى. وأُجِيبُ عَنْ هَذا بِأنَّ المَعْنى مَن كانَ في الضَّلالَةِ زِيدَ في ضَلالَتِهِ وزِيدَ في هِدايَةِ أعْدائِهِ لِأنَّهُ مِمّا يَغِيظُهُ وعَمّا سَبَقَ بِأنَّ مَن شَرْطِيَّةٌ لا مَوْصُولَةٌ. اشْتِراطُ ضَمِيرٍ يَعُودُ مِنَ الجَزاءِ عَلى اسْمِ الشَّرْطِ غَيْرِ الظَّرْفِ مَمْنُوعٌ وهو غَيْرُ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ عِنْدَ النُّحاةِ كَما في الدُّرِّ المَصُونِ مَعَ أنَّهُ مُقَدَّرٌ كَما سَمِعْتَ ولا يَخْفى أنَّ هَذا العَطْفَ لا يَخْلُو عَنْ تَكَلُّفٍ، واخْتارَ البَيْضاوِيُّ أنَّهُ عَطْفٌ عَلى مَجْمُوعِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن كانَ في الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ﴾ إلَخْ لِيَتِمَّ التَّقابُلُ فَإنَّهُ ﷺ أمَرَ أنْ يُجِيبَهم عَنْ قَوْلِهِمُ لِلْمُؤْمِنِينَ أيُّ الفَرِيقَيْنِ إلَخْ، فَلْيَأْتِ بِذِكْرِ القِسْمَيْنِ أصالَةً. قالَ الطِّيبِيُّ: فَكَأنَّهُ قِيلَ: قُلْ مَن كانَ في الضَّلالَةِ مِنَ الفَرِيقَيْنِ فَلْيُمْهِلْهُ اللَّهُ تَعالى ويُنَفِّسْ في مُدَّةِ حَياتِهِ لِيَزِيدَ في الغَيِّ ويَجْمَعَ اللَّهُ تَعالى لَهُ عَذابَ الدّارَيْنِ، ومَن كانَ في الهِدايَةِ مِنهُما يَزِيدُ اللَّهُ تَعالى هِدايَتَهُ فَيَجْمَعُ سُبْحانَهُ لَهُ خَيْرَ الدّارَيْنِ، وهَذا الجَوابُ مِنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ وفِيهِ مَعْنى قَوْلِ حَسّانَ:
؎أتَهْجُوهُ ولَسْتَ لَهُ بِكُفْءٍ فَشَرٌّ كَما لِخَيْرٍ كَما فِداءُ
فِي الدُّعاءِ والِاحْتِرازِ عَنِ المُواجَهَةِ، وفي الكَشْفِ أنَّ هَذا أوْلى مِمّا اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ ﴿والباقِياتُ الصّالِحاتُ﴾ قَدْ تَقَدَّمَتِ الأقْوالُ المَأْثُورَةُ في تَفْسِيرِها، واخْتِيرَ أنَّها الطّاعاتُ الَّتِي تَبْقى فَوائِدُها وتَدُومُ عَوائِدُها لِعُمُومِهِ، وكُلُّها ﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا﴾ بِمَعْناهُ المُتَعارَفِ، وقِيلَ: عائِدَةٌ مِمّا مُتِّعَ بِهِ الكَفَرَةُ مِنَ النِّعَمِ المُخْدَجَةِ الفانِيَةِ الَّتِي يَفْتَخِرُونَ بِها (وخَيْرٌ) مِن ذَلِكَ أيْضًا (مَرَدًّا) أيْ مَرْجِعًا وعاقِبَةً لِأنَّ عاقِبَتَها المَسَرَّةُ الأبَدِيَّةُ والنَّعِيمُ المُقِيمُ، وعاقِبَةُ ذَلِكَ الحَسْرَةُ السَّرْمَدِيَّةُ والعَذابُ الألِيمُ. وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ اللُّطْفِ والتَّشْرِيفِ ما لا يَخْفى. وتَكْرِيرُ الخَيْرِ لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِبَيانِ الخَيْرِيَّةِ وتَأْكِيدٍ لَها. وفي الآيَةِ عَلى ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ ضَرْبٌ مِنَ التَّهَكُّمِ بِالكَفَرَةِ حَيْثُ أشارَتْ إلى تَسْمِيَةِ جَزائِهِمْ ثَوابًا، والمُفاضَلَةُ عَلى ما قالَ عَلى طَرِيقَةِ- الصَّيْفُ أحَرُّ مِنَ الشِّتاءِ- أيْ أبْلَغُ في حَرِّهِ مِنَ الشِّتاءِ في بَرْدِهِ ولَيْسَتْ عَلى التَّهَكُّمِ لِأنَّكَ لَوْ قُلْتَ: النّارُ خَيْرٌ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ أوْ بِالعَكْسِ تَهَكُّمًا كانَ التَّهَكُّمُ عَلى بابِهِ في المُفَضَّلِ والمُفَضَّلِ عَلَيْهِ وذَلِكَ مِمّا لا يَتَمَشّى فِيما نَحْنُ فِيهِ. وحاصِلُ ما أرادَهُ أنَّ المُرادَ ثَوابُ هَؤُلاءِ أبْلَغُ مِن ثَوابِ أُولَئِكَ أيْ عِقابِهِمْ. وقَوْلُ صاحِبِ التَّقْرِيبِ فِيهِ: إنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ جَوابُهُ كَيْفَ لا وقَدْ سَبَقَتِ الرَّحْمَةُ الغَضَبَ وفي الجَنَّةِ مِنَ الضَّعْفِ والإفْضالِ (p-129)ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ والنّارُ مِن عَدْلِهِ تَعالى، وقَوْلُهُ: إنَّهُ غَيْرُ مُناسِبٍ لِمَقامِ التَّهْدِيدِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ المَنعِ يَرُدُّ عَلَيْهِ أنَّ الكَلامَ مَبْنِيٌّ عَلى التَّقابُلِ وأنَّهُ عَلى المُشاكَلَةِ في قَوْلِهِمْ ﴿أيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا﴾ وأحْسَنُ نَدِيًّا، فَوَعَدَ هَؤُلاءِ لَيْسَ لِمُجَرَّدِ تَهْدِيدِ أُولَئِكَ بَلْ مَقْصُودٌ لِذاتِهِ قالَهُ في الكَشْفِ.
وقالَ صاحِبُ الفَرائِدِ: ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بَعِيدٌ عَنِ الطَّبْعِ والِاسْتِعْمالِ ولَيْسَ في كَلامِهِمْ ما يَشْهَدُ لَهُ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: المُرادُ ثَوابُ الأعْمالِ الصّالِحَةِ في الآخِرَةِ خَيْرٌ مِن ثَوابِهِمْ في الدُّنْيا وهو ما حَصَلَ لَهم مِنها مِنَ الخَيْرِ بِزَعْمِهِمْ ومِمّا أُوتُوا مِنَ المالِ والجاهِ والمَنافِعِ الحاصِلَةِ مِنهُما ا هـ، ورُدَّ إنْكارُهُ لَهُ بِأنَّ الزَّجّاجَ ذَكَرَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ أمْ جَنَّةُ الخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ وأنَّ لَهُ نَظائِرَ. والبُعْدُ عَنِ الطَّبْعِ في حَيِّزِ المَنعِ.
وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ أفْعَلَ في الآيَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاتِّصافِ بِالحَدَثِ وعَلى الزِّيادَةِ المُطْلَقَةِ كَما قِيلَ في يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ: أحْسَنُ إخْوَتِهِ وهي إحْدى حالاتِهِ الأرْبَعِ الَّتِي ذَكَرَها بَعْضُ عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ، فالمَعْنى أنَّ ثَوابَهم ومَرَدَّهم مُتَّصِفٌ بِالزِّيادَةِ في الخَيْرِيَّةِ عَلى المُتَّصِفِ بِها بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ هَؤُلاءِ المُفْتَخِرِينَ بِدُنْياهم فَلا يَلْزَمُ مُشارَكَتُهم في الخَيْرِيَّةِ فَتَأمَّلْ. والجُمْلَةُ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو السُّعُودِ عَلى تَقْدِيرَيِ الِاسْتِئْنافِ والعَطْفِ فِيما قَبْلَها مُسْتَأْنَفَةٌ وارِدَةٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِبَيانِ فَضْلِ أعْمالِ المُهْتَدِينَ غَيْرُ داخِلَةٍ في حَيِّزِ الكَلامِ المُلَقَّنِ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ويَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ ومُشْتَمِلَةٌ عَلى تَسْلِيَةِ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ مِمّا عَسى أنْ يَخْتَلِجَ فِيها مِن مُفاخَرَةِ الكَفَرَةِ شَيْءٌ كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿حَتّى إذا رَأوْا﴾ - إلى- (جُنْدًا) تَتْمِيمٌ لِوَعِيدِهِمْ، وكِلاهُما مِن تَتِمَّةِ الأمْرِ بِالجَوابِ عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿أيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا وأحْسَنُ نَدِيًّا﴾، وجُعِلَ التَّعْبِيرُ بِخَيْرٍ وارِدًا عَلى طَرِيقِ المُشاكَلَةِ. وما ذَكَرَهُ مِن كَوْنِ ذَلِكَ مِن تَتِمَّةِ الجَوابِ هو المُنْساقُ إلى الذِّهْنِ إلّا أنَّ ظاهِرَ الخِطابِ يَأْباهُ وقَدْ يُتَكَلَّفُ لَهُ، ولَعَلَّنا قَدْ أسْلَفْنا في هَذِهِ السُّورَةِ ما يَنْفَعُكَ في أمْرِهِ فَتَذَكَّرْ.
{"ayah":"وَیَزِیدُ ٱللَّهُ ٱلَّذِینَ ٱهۡتَدَوۡا۟ هُدࣰىۗ وَٱلۡبَـٰقِیَـٰتُ ٱلصَّـٰلِحَـٰتُ خَیۡرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابࣰا وَخَیۡرࣱ مَّرَدًّا"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











