الباحث القرآني
﴿فَأجاءَها المَخاضُ﴾ أيْ: ألْجَأها كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وجَماعَةٌ، وفي الصَّحّاحِ: أجَأْتُهُ إلى كَذا بِمَعْنى ألْجَأْتُهُ واضْطَرَرْتُهُ إلَيْهِ، قالَ زُهَيْرُ بْنُ أبِي سَلْمى:
؎وجارٍ سارَ مُعْتَمِدًا عَلَيْكم أجاءَتْهُ المَخافَةُ والرَّجاءُ
قالَ الفَرّاءُ: أصْلُهُ مِن جِئْتُ وقَدْ جَعَلَتْهُ العَرَبُ إلْجاءً، وفي المَثَلِ شَرُّ ما يَجِيئُكَ إلى مُخَّةِ عُرْقُوبٍ. انْتَهى، واخْتارَ أبُو حَيّانَ أنَّ المَعْنى جاءَ بِها واعْتُرِضَ عَلى الزَّمَخْشَرِيِّ وأطالَ الكَلامَ بِما لا يَخْفى رَدُّهُ (والمَخاضُ) بِفَتْحِ المِيمِ كَما في قِراءَةِ الأكْثَرِينَ وبِكَسْرِها كَما في رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ مَصْدَرُ مَخَضَتِ المَرْأةُ بِفَتْحِ الخاءِ وكَسْرِها إذا أخَذَها الطَّلْقُ وتَحَرَّكَ الوَلَدُ في بَطْنِها لِلْخُرُوجِ، وقَرَأ الأعْمَشُ وطَلْحَةُ ( فاجاءَها ) بِإمالَةِ فَتْحَةِ الجِيمِ، وقَرَأ حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عاصِمٍ (فاجَأها) مِنَ المُفاجَأةِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ ونَقَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ شُبَيْلِ بْنِ عَزْرَةَ أيْضًا، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: إنَّ قِراءَتَهُ تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الهَمْزَةُ فِيها قَدْ قُلِبَتْ ألِفًا ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بَيْنَ بَيْنَ غَيْرَ مَقْلُوبَةٍ.
﴿إلى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ لِتَسْتَنِدَ إلَيْهِ عِنْدَ الوِلادَةِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ أوْ لِذَلِكَ ( ولِتُسْتَرَ بِهِ كَما قِيلَ، والجِذْعُ ما بَيْنَ العِرْقِ ومُتَشَعَّبِ الأغْصانِ مِنَ الشَّجَرَةِ، وقَدْ يُقالُ لِلْغُصْنِ أيْضًا: جِذْعٌ، والنَّخْلَةُ مَعْرُوفَةٌ. والتَّعْرِيفُ إمّا لِلْجِنْسِ فالمُرادُ واحِدَةٌ مِنَ النَّخْلِ لا عَلى التَّعْيِينِ أوْ لِلْعَهْدِ فالمُرادُ نَخْلَةٌ مُعَيَّنَةٌ، ويَكْفِي لِتَعَيُّنِها تَعَيُّنُها في نَفْسِها، وإنْ لَمْ يَعْلَمْها المُخاطَبُ بِالقُرْآنِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما إذا قُلْتَ: أكَلَ السُّلْطانُ ما أتى بِهِ الطَّبّاخُ أيْ طَبّاخُهُ فَإنَّهُ المَعْهُودُ، وقَدْ يُقالُ: إنَّها مُعَيَّنَةٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى أراها لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَيْلَةَ المِعْراجِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّها مَوْجُودَةٌ إلى اليَوْمِ، والظّاهِرُ أنَّها كانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ مَجِيءِ مَرْيَمَ إلَيْها وهو الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ الآثارُ، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّها عَلَيْها السَّلامُ لَمّا اشْتَدَّ عَلَيْها الطَّلْقُ نَظَرَتْ إلى أكَمَةٍ فَصَعِدَتْ مُسْرِعَةً فَإذا عَلَيْها جِذْعُ نَخْلَةٍ نَخِرَةٍ لَيْسَ عَلَيْها سَعَفٌ.
وقِيلَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَها لَها يَوْمَئِذٍ ولَيْسَ بِذاكَ، وكانَ الوَقْتُ شِتاءً، ولَعَلَّ اللَّهَ تَعالى أرْشَدَها إلَيْها لِيُرِيَها فِيما هو أشْبَهُ الأشْجارِ بِالإنْسانِ مِن آياتِهِ ما يُسْكِنُ رَوْعَتَها كَأثْمارِها بِدُونِ رَأْسٍ، وفي وقْتِ الشِّتاءِ الَّذِي لَمْ يُعْهَدْ ذَلِكَ فِيهِ، ومِن غَيْرِ لَقاحٍ كَما هو المُعْتادُ، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ أيْضًا إلى أنَّ أصْلَها ثابِتٌ وفَرْعَها في السَّماءِ، وإلى أنَّ ولَدَها نافِعٌ كالثَّمَرَةِ الحَلْواءِ وأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سَيُحْيِي الأمْواتَ كَما أحْيا اللَّهُ تَعالى بِسَبَبِهِ المَواتَ مَعَ ما في ذَلِكَ مِنَ اللُّطْفِ بِجَعْلِ ثَمَرَتِها خُرْسَةً لَها، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِأجاءَها، وعَلى القِراءَةِ الأُخْرى مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا أيْ مُسْتَنِدَةً إلى جِذْعِ النَّخْلَةِ ﴿قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ﴾ بِكَسْرِ المِيمِ مِن ماتَ يَماتُ كَخافَ يَخافُ أوْ مِن (p-82)ماتَ يُمِيتُ كَجاءَ يَجِيءُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ ويَعْقُوبُ بِضَمِّها مِن ماتَ يَمُوتُ كَقالَ يَقُولُ، (قَبْلَ) هَذا الوَقْتِ الَّذِي لَقِيتُ فِيهِ ما لَقِيِتُ أوْ قَبْلَ هَذا الأمْرِ. وإنَّما قالَتْهُ عَلَيْها السَّلامُ مَعَ أنَّها كانَتْ تَعْلَمُ ما جَرى بَيْنَها وبَيْنَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الوَعْدِ الكَرِيمِ اسْتِحْياءً مِنَ النّاسِ وخَوْفًا مِن لائِمَتِهِمْ أوْ حَذَرًا مِن وُقُوعِ النّاسِ في المَعْصِيَةِ بِما يَتَكَلَّمُونَ فِيها.
ورُوِيَ أنَّها سَمِعَتْ نِداءَ: اخْرُجْ يا مَن يُعْبَدُ مَن دُونِ اللَّهِ تَعالى، فَحَزِنَتْ لِذَلِكَ وتَمَنَّتِ المَوْتَ، وتَمَنِّي المَوْتِ لِنَحْوِ ذَلِكَ مِمّا لا كَراهَةَ فِيهِ، نَعَمْ يُكْرَهُ تَمَنِّيهِ لِضَرَرٍ نَزَلَ بِهِ مِن مَرَضٍ أوْ فاقَةٍ أوْ مِحْنَةٍ مِن عَدُوٍّ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِن مَشاقِّ الدُّنْيا.
فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ( «لا يَتَمَنَّيَنَّ أحَدُكُمُ المَوْتَ لِضَرَرٍ نَزَلَ، فَإنْ كانَ لا بُدَّ مُتَمَنِّيًا فَلْيَقُلِ اللَّهُمَّ أحْيِنِي ما كانَتِ الحَياةُ خَيْرًا لِي، وتَوَفَّنِي إذا كانَتِ الوَفاةُ خَيْرًا لِي» )
ومَن ظَنَّ أنَّ تَمَنِّيَها عَلَيْها السَّلامُ ذَلِكَ كانَ لِشِدَّةِ الوَجَعِ فَقَدْ أساءَ الظَّنَّ، والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى.
﴿وكُنْتُ نَسْيًا﴾ أيْ شَيْئًا تافِهًا شَأْنُهُ أنْ يُنْسى ولا يُعْتَدَّ بِهِ أصْلًا كَخِرْقَةِ الطَّمْثِ.
وقَرَأ الأكْثَرُونَ ( نِسْيًا ) بِالكَسْرِ. قالَ الفَرّاءُ: هُما لُغَتانِ في ذَلِكَ كالوَتْرِ والوِتْرِ والفَتْحُ أحَبُّ إلَيَّ.
وقالَ الفارِسِيُّ: الكَسْرُ أعْلى اللُّغَتَيْنِ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هو بِالكَسْرِ اسْمٌ لِما يُنْسى كالنَّقْضِ اسْمٌ لِما يُنْقَضُ وبِالفَتْحِ مَصْدَرٌ نائِبٌ عَنِ الِاسْمِ، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ ( نِسْئًا ) بِكَسْرِ النُّونِ والهَمْزَةِ مَكانَ الياءِ وهي قِراءَةٌ نَوْفٍ الأعْرابِيِّ، وقَرَأ بَكْرُ بْنُ حَبِيبٍ السَّهْمِيُّ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ أيْضًا في رِوايَةِ ( نَسْأً ) بِفَتْحِ النُّونِ والهَمْزَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ مِن نَسَأْتُ اللَّبَنَ إذا صَبَبْتَ عَلَيْهِ ماءً فاسْتَهْلَكَ اللَّبَنَ فِيهِ لِقِلَّتِهِ، فَكَأنَّها تَمَنَّتْ أنْ تَكُونَ مِثْلَ ذَلِكَ اللَّبَنِ الَّذِي لا يُرى ولا يَتَمَيَّزُ مِنَ الماءِ، ونَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ بَكْرِ بْنِ حَبِيبٍ أنَّهُ قَرَأ ( نَسًّا ) بِفَتْحِ النُّونِ والسِّينِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ كَعَصًى (مَنسِيًّا) لا يَخْطُرُ بِبالِ أحَدٍ مِنَ النّاسِ ووَصَفَ النَّسْيَ بِذَلِكَ لِما أنَّهُ حَقِيقَةٌ عُرْفِيَّةٌ فِيما يَقِلُّ الِاعْتِدادُ بِهِ وإنْ لَمْ يُنْسَ، وقَرَأ الأعْمَشُ وأبُو جَعْفَرٍ في رِوايَةٍ بِكَسْرِ المِيمِ اتِّباعًا لِحَرَكَةِ السِّينِ كَما قالُوا: مِنتِنٌ بِاتِّباعِ حَرَكَةِ المِيمِ لِحَرَكَةِ التّاءِ
{"ayah":"فَأَجَاۤءَهَا ٱلۡمَخَاضُ إِلَىٰ جِذۡعِ ٱلنَّخۡلَةِ قَالَتۡ یَـٰلَیۡتَنِی مِتُّ قَبۡلَ هَـٰذَا وَكُنتُ نَسۡیࣰا مَّنسِیࣰّا"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











