الباحث القرآني
﴿ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا﴾ أيْ طَرِيقًا راجِعًا مِن مَغْرِبِ الشَّمْسِ مُوَصِّلًا إلى مَشْرِقِها ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾ يَعْنِي المَوْضِعَ الَّذِي تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ أوَّلًا مِن مَعْمُورَةِ الأرْضِ أيْ غايَةَ الأرْضِ المَعْمُورَةِ مِن جِهَةِ المَشْرِقِ.
وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى وابْنُ مُحَيْصِنٍ ( مَطْلَعَ ) بِفَتْحِ اللّامِ ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ وأهْلِ مَكَّةَ وهو عِنْدَ المُحَقِّقِينَ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ مَكانَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، والمُرادُ مَكانًا تَطْلُعُ عَلَيْهِ، وقالَ الجَوْهَرِيُّ: إنَّهُ اسْمُ مَكانٍ كَمَكْسُورِ اللّامِ فالقِراءَتانِ مُتَّفِقَتانِ مِن غَيْرِ تَقْدِيرِ مُضافٍ، وقَدْ صَرَّحَ بَعْضُ أئِمَّةِ التَّصْرِيفِ أنَّ المَطْلِعَ جاءَ في المَكانِ والزَّمانِ فَتْحًا وكَسْرًا، وما آثَرَهُ المُحَقِّقُونَ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَرِدْ في كَلامِ الفُصَحاءِ بِالفَتْحِ إلّا مَصْدَرًا ولا حاجَةَ إلى تَخْرِيجِ القُرْآنِ عَلى الشّاذِّ لِأنَّهُ قَدْ يُخِلُّ بِالفَصاحَةِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ الكَسْرَ سَماعٌ في أحْرُفٍ مَعْدُودَةٍ وهو مُخالِفٌ لِلْقِياسِ فَإنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ مُضارِعُهُ تَطْلِعُ بِكَسْرِ اللّامِ، وكانالكِسائِيُّ يَقُولُ: هَذِهِ لُغَةٌ ماتَتْ في كَثِيرٍ مِن لُغاتِ العَرَبِ يَعْنِي ذَهَبَ مَن يَقُولُ مِنَ العَرَبِ تَطْلِعُ بِكَسْرِ اللّامِ وبَقِيَ مَطْلِعٌ بِكَسْرِها في اسْمِ الزَّمانِ والمَكانِ عَلى ذَلِكَ القِياسِ. انْتَهى فافْهَمْ، ثُمَّ إنَّ الظّاهِرَ مِن حالِ ذِي القَرْنَيْنِ وكَوْنِهِ قَدْ أُوتِيَ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا أنَّهُ بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ في مُدَّةٍ قَلِيلَةٍ، وقِيلَ: بَلَغَهُ في اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً وهو خِلافُ الظّاهِرِ إلّا أنْ يَكُونَ أقامَ في أثْناءِ سَيْرِهِ، فَإنَّ طُولَ المَعْمُورَةِ يَقْطَعُهُ بِأقَلَّ مِن هَذِهِ المَدَّةِ بِكَثِيرٍ السّائِرُ عَلى الِاسْتِقامَةِ كَما لا يَخْفى (p-36)عَلى العارِفِ بِالمِساحَةِ ﴿وجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهم مِن دُونِها سِتْرًا﴾ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخَ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: حُدِّثْتُ عَنِ الحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ قالَ: ( «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الآيَةِ: لَمْ نَجْعَلْ لَهم مِن دُونِها سِتْرًا بِناءً لَمْ يُبْنَ فِيها بِناءٌ قَطُّ، كانُوا إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ دَخَلُوا أسْرابًا لَهم حَتّى تَزُولَ الشَّمْسُ» .
وأخْرَجَ جَماعَةٌ عَنِ الحَسَنِ وذَكَرَ أنَّهُ حَدِيثُ سَمُرَةَ أنَّ أرْضَهم لا تَحْمِلُ البِناءَ فَإذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ تَغَوَّرُوا في المِياهِ فَإذا غابَتْ خَرَجُوا يَتَراعَوْنَ كَما تُراعى البَهائِمُ، وقِيلَ: المُرادُ لا شَيْءَ لَهم يَسْتُرُهم مِنَ اللِّباسِ والبِناءِ، وهم عَلى ما قِيلَ قَوْمٌ مِنَ الزِّنْجِ، وقِيلَ: مِنَ الهُنُودِ، وعَنْ مُجاهِدٍ مَن لا يَلْبَسُ الثِّيابَ مِنَ السُّودانِ عِنْدَ مَطْلِعِ الشَّمْسِ أكْثَرُ مِن أهْلِ الأرْضِ، وعَنْ بَعْضِهِمْ خَرَجَتْ حَتّى جاوَزَتِ الصِّينَ فَسَألْتُ عَنْ هَؤُلاءِ فَقالُوا: بَيْنَكَ وبَيْنَهم مَسِيرَةَ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ فَبَلَغْتُهم فَإذا أحَدُهم يَفْرِشُ إحْدى أُذُنَيْهِ ويَلْبَسُ الأُخْرى ومَعِي صاحِبٌ يَعْرِفُ لِسانَهم فَقالُوا لَهُ: جِئْتَنا تَنْظُرُ كَيْفَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ فَبَيْنَما نَحْنُ كَذَلِكَ إذْ سَمِعْنا كَهَيْئَةِ الصَّلْصَلَةِ، فَغُشِيَ عَلَيَّ ثُمَّ أفَقْتُ وهم يَمْسَحُونَنِي بِالدُّهْنِ، فَلَمّا طَلَعَتِ الشَّمْسُ عَلى الماءِ إذا هي فَوْقَ الماءِ كَهَيْئَةِ الزَّيْتِ، فَأدْخَلُونا سِرْبًا لَهم فَلَمّا ارْتَفَعَ النَّهارُ خَرَجُوا إلى البَحْرِ يَصْطادُونَ السَّمَكَ ويَطْرَحُونَهُ في الشَّمْسِ فَيَنْضَجُ لَهُمُ. انْتَهى.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مِثْلَ هَذِهِ الحِكاياتِ لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْها ويُعَوَّلَ عَلَيْها، وما هي إلّا أخْبارٌ عَنْ هَيّانَ بْنِ بَيّانَ يَحْكِيها العَجائِزُ وأمْثالُهُنَّ لِصِغارِ الصِّبْيانِ، وعَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أنَّهُ يُقالُ لِهَؤُلاءِ القَوْمِ: مَنسَكٌ، وظاهِرُ الآيَةِ لِوُقُوعِ النَّكِرَةِ فِيها في سِياقِ النَّفْيِ يَقْتَضِي أنَّهم لَيْسَ لَهم ما يَسْتُرُهم أصْلًا وذَلِكَ يُنافِي أنْ يَكُونَ لَهم سِرْبٌ ونَحْوُهُ، وأُجِيبُ بِأنَّ ألْفاظَ العُمُومِ لا تَتَناوَلُ الصُّوَرَ النّادِرَةَ، فالمُرادُ نَفْيُ السّاتِرِ المُتَعارَفِ، والسِّرْبُ ونَحْوُهُ لَيْسَ مِنهُ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ عَدَمَ التَّناوُلِ أحَدُ قَوْلَيْنِ في المَسْألَةِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الظّاهِرُ أنَّ نَفْيَ جَعْلِ ساتِرٍ لَهم مِنَ الشَّمْسِ عِبارَةٌ عَنْ قُرْبِها إلَيْهِمْ وتَأْثِيرِها بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى فِيهِمْ ونَيْلِها مِنهُمْ، ولَوْ كانَتْ لَهم أسْرابٌ لَكانَ لَهم سِتْرٌ كَثِيفٌ انْتَهى، وحِينَئِذٍ فالنَّكِرَةُ عَلى عُمُومِها، وأنا أخْتارُ ذَلِكَ إلى أنْ تَثْبُتُ صِحَّةُ أحَدِ الأخْبارِ السّابِقَةِ.
{"ayahs_start":89,"ayahs":["ثُمَّ أَتۡبَعَ سَبَبًا","حَتَّىٰۤ إِذَا بَلَغَ مَطۡلِعَ ٱلشَّمۡسِ وَجَدَهَا تَطۡلُعُ عَلَىٰ قَوۡمࣲ لَّمۡ نَجۡعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتۡرࣰا"],"ayah":"حَتَّىٰۤ إِذَا بَلَغَ مَطۡلِعَ ٱلشَّمۡسِ وَجَدَهَا تَطۡلُعُ عَلَىٰ قَوۡمࣲ لَّمۡ نَجۡعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتۡرࣰا"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق