الباحث القرآني
﴿أمّا السَّفِينَةُ﴾ الَّتِي خَرَقَها ﴿فَكانَتْ لِمَساكِينَ﴾ لِضُعَفاءَ لا يَقْدِرُونَ عَلى مُدافَعَةِ الظَّلَمَةِ جَمْعُ مِسْكِينٍ بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِها، ويَجْمَعُ عَلى مَساكِينَ ومِسْكِينُونَ وهو الضَّعِيفُ العاجِزُ، ويَشْمَلُ هَذا ما إذا كانَ العَجْزُ لِأمْرٍ في النَّفْسِ أوِ البَدَنِ، ومِن هُنا قِيلَ سُمُّوا مَساكِينَ لِزَمانَتِهِمْ وقَدْ كانُوا عَشْرَةً خَمْسَةٌ مِنهم زَمْنى وإطْلاقُ مَساكِينَ عَلَيْهِمْ عَلى هَذا مِن بابِ التَّغْلِيبِ، وهَذا المَعْنى لِلْمِسْكِينِ غَيْرُ ما اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في الفَرْقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الفَقِيرِ، وعَلَيْهِ لا تَكُونُ الآيَةُ حُجَّةً لِمَن يَقُولُ: إنَّ المِسْكِينَ مَن يَمْلِكُ شَيْئًا ولا يَكْفِيهِ لِأنَّ هَذا المَعْنى مَقْطُوعٌ فِيهِ النَّظَرُ عَنِ المالِ وعَدَمِهِ.
وقَدْ يُفَسَّرُ بِالمُحْتاجِ وحِينَئِذٍ تَكُونُ الآيَةُ ظاهِرَةً فِيما يَدَّعِيهِ القائِلُ المَذْكُورُ، وادَّعى مَن يَقُولُ: إنَّ المِسْكِينَ مَن لا شَيْءَ لَهُ أصْلًا وهو الفَقِيرُ عِنْدَ الأوَّلِ أنَّ السَّفِينَةَ لَمْ تَكُنْ مِلْكًا لَهم بَلْ كانُوا أُجَراءَ فِيها، وقِيلَ: كانَتْ مَعَهم عارِيَةٌ واللّامُ لِلِاخْتِصاصِ لا لِلْمِلْكِ، ولا يَخْفى أنَّ ذَلِكَ خِلافُ الظّاهِرِ ولا يُقْبَلُ بِلا دَلِيلٍ، وقِيلَ: إنَّهم نَزَلُوا مَنزِلَةَ مَن لا شَيْءَ لَهُ أصْلًا وأُطْلِقَ عَلَيْهِمُ المَساكِينَ تَرَحُّمًا.
وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ (لِمَسّاكِينَ) بِتَشْدِيدِ السِّينِ جَمْعُ تَصْحِيحٍ لِمَسّاكٍ فَقِيلَ: المَعْنى لِمَلّاحِينَ، وقِيلَ: المَسّاكُ مَن يُمْسِكُ رِجْلَ السَّفِينَةِ وكانُوا يَتَناوَبُونَ ذَلِكَ، وقِيلَ: المَسّاكُونَ دَبَغَةُ المُسُوكِ وهي الجُلُودُ واحِدُها مِسْكٌ ولَعَلَّ إرادَةَ المَلّاحِينَ أظْهَرُ ﴿يَعْمَلُونَ في البَحْرِ﴾ أيْ يَعْمَلُونَ بِها فِيهِ ويَتَعَيَّشُونَ بِما يَحْصُلُ لَهم، وإسْنادُ العَمَلِ إلى الكُلِّ عَلى القَوْلِ بِأنَّ مِنهم زَمْنى عَلى التَّغْلِيبِ أوْ لِأنَّ عَمَلَ الوُكَلاءِ بِمَنزِلَةِ عَمَلِ المُوَكَّلِينَ ﴿فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها﴾ أيْ أجْعَلَها ذاتَ عَيْبٍ بِالخَرْقِ ولَمْ أُرِدْ إغْراقَ مَن بِها كَما حَسِبْتَ، ولِإرادَةِ هَذا المَعْنى جِيءَ بِالإرادَةِ ولَمْ يَقُلْ فَأعَبْتُها. وهَذا ظاهِرٌ في أنَّ اللّامَ في الِاعْتِراضِ لِلتَّعْلِيلِ ويَحْتاجُ حَمَلُها عَلى العاقِبَةِ إلى ارْتِكابِ خِلافِ الظّاهِرِ هُنا كَما لا يَخْفى عَلى المُتَأمِّلِ ﴿وكانَ وراءَهم مَلِكٌ﴾ أيْ: أمامَهم وبِذَلِكَ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ وهو قَوْلُ قَتادَةَ وأبِي عُبَيْدَةَ وابْنِ السِّكِّيتِ والزَّجّاجِ، وعَلى ذَلِكَ جاءَ قَوْلُ لَبِيَدٍ:
؎ألَيْسَ ورائِي إنْ تَراخَتْ مَنِيَّتِي لُزُومُ العَصا تُحْنى عَلَيْها الأصابِعُ
وقَوْلُ سَوّارِ بْنِ المُضَرَّبِ السَّعْدِيِّ:
؎أيَرْجُو بَنُو مَرْوانَ سَمْعِي وطاعَتِي ∗∗∗ وقَوْمِي تَمِيمٌ والفَلاةُ ورائِيا
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎ألَيْسَ ورائِي أنَّ أدُبَّ عَلى العَصا ∗∗∗ فَيَأْمَنَ أعْدائِي ويَسْأمُنِي أهْلِي
وفِي القُرْآنِ كَثِيرٌ أيْضًا، ولا خِلافَ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ في مَجِيءِ وراءَ بِمَعْنى أمامَ وإنَّما الخِلافُ في غَيْرِ ذَلِكَ، وأكْثَرُهم عَلى أنَّهُ مَعْنًى حَقِيقِيٌّ يَصِحُّ إرادَتُهُ مِنها في أيِّ مَوْضِعٍ كانَ، وقالُوا: هي مِنَ الأضْدادِ، وظاهِرُ كَلامِ البَعْضِ أنَّ لَها مَعْنًى واحِدًا يَشْمَلُ الضِّدَّيْنِ فَقالَ ابْنُ الكَمالِ نَقْلًا عَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ: إنَّها اسْمٌ لِلْجِهَةِ الَّتِي يُوارِيها الشَّخْصُ مِن خَلْفٍ أوْ قُدّامٍ، وقالَ البَيْضاوِيُّ ما حاصِلُهُ: إنَّهُ في الأصْلِ مَصْدَرُ ورا يَرْئِي كَقَضا يَقْضِي وإذا أُضِيفَ إلى (p-10)الفاعِلِ يُرادُ بِهِ المَفْعُولُ أعْنِي المَسْتُورَ وهو ما كانَ خَلَفًا، وإذا أُضِيفَ إلى المَفْعُولِ يُرادُ بِهِ الفاعِلُ أعْنِي السّاتِرَ وهو ما كانَ قُدّامًا. ورُدَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ارْجِعُوا وراءَكُمْ﴾ فَإنَّ وراءَ أُضِيفَتْ فِيهِ إلى المَفْعُولِ والمُرادُ بِها الخَلْفُ.
وقالَ الفَرّاءُ: لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ لِلرَّجُلِ بَيْنَ يَدَيْكَ هو وراءَكَ وكَذا في سائِرِ الأجْسامِ، وإنَّما يَجُوزُ ذَلِكَ في المَواقِيتِ مِنَ اللَّيالِي والأيّامِ وقالَ أبُو عَلِيٍّ: إنَّما جازَ اسْتِعْمالُ وراءَ بِمَعْنى أمامَ عَلى الِاتِّساعِ لِأنَّها جِهَةٌ مُقابَلَةٌ لِجِهَةٍ فَكانَتْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنَ الجِهَتَيْنِ وراءَ الأُخْرى إذا لَمْ يَرِدْ مَعْنى المُواجَهَةِ، ويَجُوزُ ذَلِكَ في الأجْرامِ الَّتِي لا وجْهَ لَها مِثْلَ حَجَرَيْنِ مُتَقابِلَيْنِ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما وراءَ الآخَرِ، وقِيلَ: أيْ خَلْفَهم كَما هو المَشْهُورُ في مَعْنى وراءَ.
واعْتُرِضَ بِأنَّهُ إذا كانَ خَلْفَهم فَقَدْ سَلِمُوا مِنهُ، وأُجِيبُ بِأنَّ المُرادَ أنَّهُ خَلْفَهم مُدْرِكٌ لَهم ومارٌّ بِهِمْ أوْ بِأنَّ رُجُوعَهم عَلَيْهِ واسْمُهُ عَلى ما يَزْعُمُونَ هُدَدُ بْنُ بُدَدٍ وكانَ كافِرًا، وقِيلَ: جَلَنْدى بْنُ كُرْكُرَ مَلِكُ غَسّانَ، وقِيلَ: مِفْوادُ بْنُ الجَلَنْدِ ابْنِ سَعِيدٍ الأزْدِيُّ وكانَ بِجَزِيرَةِ الأنْدَلُسِ ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ﴾ أيْ: صالِحَةٍ وقَدْ قَرَأ كَذَلِكَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، ولَوْ أُبْقِي العُمُومُ عَلى ظاهِرِهِ لَمْ يَكُنْ لِلتَّعْيِيبِ فائِدَةٌ ﴿غَصْبًا﴾ مِن أصْحابِها، وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُبَيِّنٌ لِنَوْعِ الأخْذِ، والظّاهِرُ أنَّهُ كانَ يَغْصِبُ السُّفُنَ مِن أصْحابِها ثُمَّ لا يَرُدُّها عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: كانَ يُسَخِّرُها ثُمَّ يَرُدُّها، والفاءُ في (فَأرَدْتُ) لِلتَّفْرِيعِ فَيُفِيدُ أنَّ سَبَبَ إرادَةِ التَّعْيِيبِ كَوْنُها لِقَوْمٍ مَساكِينَ عَجَزَةٍ لَكِنْ لَمّا كانَتْ مُناسَبَةُ هَذا السَّبَبِ لِلْمُسَبِّبِ خَفِيَّةً بَيْنَ ذَلِكَ بِذِكْرِ عادَةِ المَلِكِ في غَصْبِ السُّفُنِ، ومَآلِ المَعْنى أمّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِقَوْمٍ مَساكِينَ عَجَزَةٍ يَكْتَسِبُونَ بِها فَأرَدْتُ بِما فَعَلْتُ إعانَتَهم عَلى ما يَخافُونَهُ ويَعْجِزُونَ عَنْ دَفْعِهِ مِن غَصْبِ مَلِكٍ وراءَهم عادَتُهُ غَصْبُ السُّفُنِ الصّالِحَةِ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ السَّبَبَ مَجْمُوعُ الأمْرَيْنِ المَسْكَنَةُ والغَصْبُ إلّا أنَّهُ وسَّطَ التَّفْرِيعَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ وكانَ الظّاهِرُ تَأْخِيرَهُ عَنْهُما لِلْغايَةِ بِهِ مِن حَيْثُ إنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ كانَ هو المُنْكَرَ المُحْتاجَ إلى بَيانِ تَأْوِيلِهِ ولِلْإيذانِ بِأنَّ الأقْوى في السَّبَبِيَّةِ هو الأمْرُ الأوَّلُ ولِذَلِكَ لَمْ يُبالِ بِتَخْلِيصِ سُفُنِ سائِرِ النّاسِ مَعَ تَحَقُّقِ الجُزْءِ الأخِيرِ مِنَ السَّبَبِ ولِأنَّ في تَأْخِيرِهِ فَصْلًا بَيْنَ السَّفِينَةِ وضَمِيرِها مَعَ تَوَهُّمِ رُجُوعِهِ إلى الأقْرَبِ فَلْيُفْهَمْ، وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما عَلِمَ تَأْوِيلَ هَذا الفِعْلِ قَبْلُ.
ويُشْكِلُ عَلَيْهِ ما جاءَ عَنِ الرَّبِيعِ أنَّ الخَضِرَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ أنْ خَرَقَ السَّفِينَةَ وسَلِمَتْ مِنَ المَلِكِ الظّالِمِ أقْبَلَ عَلى أصْحابِها فَقالَ: إنَّما أرَدْتُ الَّذِي هو خَيْرٌ لَكم فَحَمِدُوا رَأْيَهُ وأصْلَحَها لَهم كَما كانَتْ فَإنَّهُ ظاهِرٌ في أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْقَفَهم عَلى حَقِيقَةِ الأمْرِ، والظّاهِرُ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ حاضِرًا يَسْمَعُ ذَلِكَ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ هَذا الخَبَرَ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ واحْتِمالُ صِحَّتِهِ مَعَ عَدَمِ سَماعِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ.
{"ayah":"أَمَّا ٱلسَّفِینَةُ فَكَانَتۡ لِمَسَـٰكِینَ یَعۡمَلُونَ فِی ٱلۡبَحۡرِ فَأَرَدتُّ أَنۡ أَعِیبَهَا وَكَانَ وَرَاۤءَهُم مَّلِكࣱ یَأۡخُذُ كُلَّ سَفِینَةٍ غَصۡبࣰا"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











