الباحث القرآني
﴿وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ﴾ أُحْضِرُوا مَحَلَّ حُكْمِهِ وقَضائِهِ عَزَّ وجَلَّ فِيهِمْ ﴿صَفًّا﴾ مُصْطَفِّينَ أوْ مَصْفُوفِينَ.
فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَندَهْ في التَّوْحِيدِ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««إنَّ اللَّهَ تَعالى يُنادِي يَوْمَ القِيامَةِ: يا عِبادِي، أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا أرْحَمُ الرّاحِمِينَ، وأحْكَمُ الحاكِمِينَ، وأسْرَعُ الحاسِبِينَ، أحْضِرُوا حُجَّتَكم ويَسِّرُوا جَوابًا، فَإنَّكم مَسْؤُولُونَ مُحاسَبُونَ، يا مَلائِكَتِي، أقِيمُوا عِبادِي صُفُوفًا عَلى أطْرافِ أنامِلِ أقْدامِهِمْ لِلْحِسابِ»».
وفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ««يَجْمَعُ اللَّهُ تَعالى الأوَّلِينَ والآخِرِينَ في صَعِيدٍ واحِدٍ صُفُوفًا يُسْمِعُهُمُ الدّاعِي ويَنْفُذُهُمُ البَصَرُ»». الحَدِيثَ بِطُولِهِ.
وقِيلَ: تُقامُ كُلُّ أُمَّةٍ وزُمْرَةٍ صَفًّا.
وفِي بَعْضِ الأخْبارِ: أهْلُ الجَنَّةِ يَوْمَ القِيامَةِ مِائَةٌ وعِشْرُونَ صَفًّا أنْتُمْ مِنها ثَمانُونَ، وقِيلَ: لا عَرْضَ بِالمَعْنى المَعْرُوضِ ولا اصْطِفافَ، والكَلامُ خارِجٌ مَخْرَجَ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ شُبِّهَتْ حالُهم في حَشْرِهِمْ بِحالِ جُنْدٍ عُرِضُوا عَلى السُّلْطانِ لِيَأْمُرَ فِيهِمْ بِما يَأْمُرُ، وقِيلَ: إنْ فِيهِ اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً بِتَشْبِيهِ حَشْرِهِمْ بِعَرْضِ هَؤُلاءِ، ومَعْنى (فا) سَواءٌ كانَ داخِلًا في الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ أوْ كانَ تَرْشِيحًا غَيْرَ مُتَفَرِّقِينَ ولا مُخْتَلِطِينَ فَلا تَعَرُّضَ فِيهِ لِوَحْدَةِ الصَّفِّ وتَعَدُّدِهِ.
ولا حاجَةَ إلى أنْ يُقالَ: إنَّهُ مُفْرَدٌ أُرِيدَ بِهِ الجَمْعُ لِكَوْنِهِ مَصْدَرًا؛ أيْ: صُفُوفًا أوْ يُقالُ: إنَّ الأصْلَ صَفًّا صَفًّا، عَلى أنَّ هَذا مَعَ بُعْدِهِ يَرِدُ عَلَيْهِ أنَّ ما يَدُلُّ عَلى التَّعَدُّدِ بِالتَّكْرارِ كَبابًا بابًا وصَفًّا صَفًّا لا يَجُوزُ حَذْفُهُ، هَذا والحَقُّ أنَّ إنْكارَ الِاصْطِفافِ مِمّا لا وجْهَ لَهُ بَعْدَ إمْكانِهِ وصِحَّةِ الإخْبارِ فِيهِ، ولَعَلَّ ما فَسَّرْنا بِهِ الآيَةَ مِمّا لا غُبارَ عَلَيْهِ، وفي الِالتِفاتِ إلى الغَيْبَةِ وبِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ مَعَ التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ والإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ مِن تَرْبِيَةِ المَهابَةِ والجَرْيِ عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ وإظْهارِ اللُّطْفِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما لا يَخْفى، وقِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلى رَبِّكَ﴾
إشارَةً إلى غَضَبِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ وطَرْدِهِمْ عَنْ دِيوانِ القَبُولِ بِعَدَمِ جَرْيِهِمْ عَلى مَعْرِفَتِهِمْ لِرُبُوبِيَّتِهِ عَزَّ وجَلَّ.
( قَدْ جِئْتُمُونا ) خِطابٌ لِلْكُفّارِ المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، ويَكُونُ حالًا مِمّا تَقَدَّمَ فَيُقَدَّرُ: قائِلِينَ أوْ نَقُولُ إنْ كانَ حالًا مِن فاعِلِ (حَشَرْنا) أوْ قائِلًا أوْ يَقُولُ إنْ كانَ مِن ( رَبِّكَ ) أوْ مَقُولًا لَهم أوْ يُقالُ لَهم إنْ كانَ مِن ضَمِيرِ ( عُرِضُوا ) .
(p-290)وقَدْ يُقَدَّرُ فِعْلًا كَ «قُلْنا» أوْ نَقُولُ لا مَحَلَّ لِجُمْلَتِهِ، وجُوِّزَ تَعَلُّقُ «يَوْمَ» السّابِقِ بِهِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ دُونَ تَقْدِيرِ الحالِيَّةِ.
قالَ الخَفاجِيُّ: لِأنَّهُ يَصِيرُ كَغُلامِ زَيْدٍ ضارِبًا؛ عَلى أنَّ ضارِبًا حالٌ مِن زَيْدٍ ناصِبًا لِغُلامٍ ومِثْلُهُ تَعْقِيدٌ غَيْرُ جائِزٍ لا لِأنَّ ذَلِكَ قَبْلَ الحَشْرِ وهَذا بَعْدَهُ ولا لِأنَّ مَعْمُولَ الحالِ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْها كَما يُتَوَهَّمُ، ثُمَّ قالَ: وأمّا ما أُورِدَ عَلى تَعَلُّقِهِ بِالفِعْلِ في التَّقْدِيرِ الثّانِي مِن أنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ أنَّ هَذا القَوْلَ هو المَقْصُودُ أصالَةً فَتَخَيُّلٌ أغْنى عَنِ الرَّدِّ أنَّهُ لا مَحْذُورَ فِيهِ اه، والحَقُّ أنَّ تَعَلُّقَهُ بِالقَوْلِ المُقَدَّرِ حالًا أوْ غَيْرَهُ مِمّا لا يَرْتَضِيهِ الطَّبْعُ السَّلِيمُ والذِّهْنُ المُسْتَقِيمُ، ولا يَكادُ يَجُوزُ مِثْلُ هَذا التَّرْكِيبِ عَلى تَقْدِيرِ الحالِيَّةِ، وإنْ قُلْنا بِجَوازِ تَقَدُّمِ مَعْمُولِ الحالِ عَلَيْها فَتَدَبَّرْ، والمُرادُ مِن مَجِيئِهِمْ إلَيْهِ تَعالى مَجِيئُهم إلى حَيْثُ لا حُكْمَ لِأحَدٍ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ مِنَ المَعْبُوداتِ الباطِلَةِ الَّتِي تَزْعُمُ فِيها عَبَدَتُها النَّفْعَ والضُّرَّ وغَيْرَ ذَلِكَ نَظِيرَ ما قالُوا في قَوْلِهِ تَعالى: «مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ».
﴿كَما خَلَقْناكُمْ﴾ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: مَجِيئًا كائِنًا كَمَجِيئِكم عِنْدَ خَلْقِنا لَكم ﴿أوَّلَ مَرَّةٍ﴾
أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ في ﴿جِئْتُمُونا﴾
أيْ: كائِنِينَ كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ حُفاةً عُراةً غُرْلًا أوْ ما مَعَكم شَيْءٌ مِمّا تَفْتَخِرُونَ بِهِ مِنَ الأمْوالِ والأنْصارِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ وتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكم وراءَ ظُهُورِكُمْ﴾ .
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ أحْياءً كَخِلْقَتِكُمُ الأُولى، والكَلامُ عَلَيْهِ إعْرابًا كَما تَقَدَّمَ لَكِنْ يُخالِفُهُ في وجْهِ التَّشْبِيهِ وذاكَ كَما قِيلَ أوْفَقُ بِما قَبْلُ، وهَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ ألَّنْ نَجْعَلَ لَكم مَوْعِدًا﴾
وهُوَ إضْرابٌ وانْتِقالٌ مِن كَلامٍ إلى كَلامٍ، كِلاهُما لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ، والمَوْعِدُ اسْمُ زَمانٍ، وأنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ المُثَقَّلَةِ فُصِلَ بَيْنِها وبَيْنَ خَبَرِها بِحَرْفِ النَّفْيِ لِكَوْنِهِ جُمْلَةً فِعْلِيَّةً فِعْلُها مُتَصَرِّفٌ غَيْرُ دُعاءٍ، وفي ذَلِكَ يَجِبُ الفَصْلُ بِأحَدِ الفَواصِلِ المَعْلُومَةِ إلّا فِيما شَذَّ، والجَعْلُ إمّا بِمَعْنى التَّصْيِيرِ فالجارُّ والمَجْرُورُ مَفْعُولُهُ الثّانِي و﴿مَوْعِدًا﴾ مَفْعُولُهُ الأوَّلُ، وإمّا بِمَعْنى الخَلْقِ والإيجادِ فالجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن مَفْعُولِهِ وهو ﴿مَوْعِدًا﴾ أيْ: زَعَمْتُمْ في الدُّنْيا أنَّهُ لَنْ نَجْعَلَ لَكم وقْتًا يُنْجَزُ فِيهِ ما وعَدْنا مِنَ البَعْثِ وما يَتْبَعُهُ.
{"ayah":"وَعُرِضُوا۟ عَلَىٰ رَبِّكَ صَفࣰّا لَّقَدۡ جِئۡتُمُونَا كَمَا خَلَقۡنَـٰكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةِۭۚ بَلۡ زَعَمۡتُمۡ أَلَّن نَّجۡعَلَ لَكُم مَّوۡعِدࣰا"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











