الباحث القرآني
﴿قُلْ لَوْ كانَ البَحْرُ﴾ أيْ: جِنْسُ البَحْرِ (مِدادًا) هو في الأصْلِ اسْمٌ لِكُلِّ ما يُمَدُّ بِهِ الشَّيْءُ واخْتُصَّ في العُرْفِ لِما تُمَدُّ بِهِ الدَّواةُ مِنَ الحِبْرِ ﴿لِكَلِماتِ رَبِّي﴾ أيْ مُعَدًّا لِكِتابَةِ كَلِماتِهِ تَعالى، والمُرادُ بِها كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ مَعْلُوماتُهُ سُبْحانَهُ وحِكْمَتُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿لَنَفِدَ البَحْرُ﴾ مَعَ كَثْرَتِهِ ولَمْ يَبْقَ مِنهُ شَيْءٌ لِتَناهِيهِ ﴿قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي﴾ لِعَدَمِ تَناهِيها ﴿ولَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ عَوْنًا وزِيادَةً لِأنَّ مَجْمُوعَ (p-52)المُتَناهِيَيْنِ مُتَناهٍ بَلْ جَمِيعُ ما يَدْخُلُ في الوُجُودِ عَلى التَّعاقُبِ أوِ الِاجْتِماعِ مُتَناهٍ بِبُرْهانِ التَّطْبِيقِ وغَيْرِهِ مِنَ البَراهِينِ، وهَذا كَلامٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى شَأْنُهُ غَيْرُ داخِلٍ في الكَلامِ المُلَقَّنِ جِيءَ بِهِ لِتَحْقِيقِ مَضْمُونِهِ وتَصْدِيقِ مَدْلُولِهِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ، والواوُ لِعَطْفِ الجُمْلَةِ عَلى نَظِيرَتِها المُسْتَأْنِفَةِ المُقابِلَةِ لَها المَحْذُوفَةِ لِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْها دَلالَةً واضِحَةً أيْ لِنَفِدَ البَحْرُ قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ كَلِماتُهُ تَعالى لَوْ لَمْ نَجِئْ بِمِثْلِهِ مَدَدًا، ولَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا، والكَلامُ في جَوابِ (لَوْ) مَشْهُورٌ ولَيْسَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ثَمَّ نَفادًا في الجُمْلَةِ مُحَقَّقًا أوْ مُقَدَّرًا لِأنَّ المُرادَ مِنهُ لَنَفِدَ البَحْرُ وهي باقِيَةٌ إلّا أنَّهُ عَدَلَ إلى المَنزِلِ لِفائِدَةِ المُزاوَجَةِ، وإنَّ ما لا يَنْفَدُ عِنْدَ العُقُولِ العامِّيَّةِ يَنْفَدُ دُونَ نَفادِها، وكُلَّما فُرِضَتْ مِنَ المَدِّ فَكَذَلِكَ والمَثَلُ لِلْجِنْسِ شائِعٌ عَلى أمْثالٍ كَثِيرَةٍ تَفْرِضُ كُلٌّ مِنها مَدَدًا، وهَذا كَما في الكَشْفِ أبْلَغُ مِن وجْهٍ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ﴾ .
وذَلِكَ أبْلَغُ مِن وجْهٍ آخَرَ وهو ما في تَخْصِيصِ هَذا العَدَدِ مِنَ النُّكْتَةِ ولَمْ يُرِدْ تَخْصِيصَ العِدَّةِ ثُمَّ فِيهِ زِيادَةُ تَصْوِيرٍ لِما اسْتَقَرَّ في عَقائِدِ العامَّةِ مِن أنَّها سَبْعَةٌ حَتّى إذا بالَغُوا فِيما يَتَعَذَّرُ الوُصُولُ إلَيْهِ قالُوا هو خَلْفَ سَبْعَةِ أبْحُرٍ، وفي إضافَةِ الكَلِماتِ إلى اسْمِ الرَّبِّ المُضافِ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ في المَوْضِعَيْنِ مِن تَفْخِيمِ المُضافِ وتَشْرِيفِ المُضافِ إلَيْهِ ما لا يَخْفى، وإظْهارُ البَحْرِ والكَلِماتُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، ونَصْبُ (مَدَدًا) عَلى التَّمْيِيزِ كَما في قَوْلِهِ:
؎فَإنَّ الهَوى يَكْفِيكَهُ مِثْلُهُ صَبْرًا
وجَوَّزَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ نَصَبَهُ عَلى المَصْدَرِ عَلى مَعْنى ولَوْ أمْدَدْنا بِمِثْلِهِ إمْدادًا ونابَ المَدَدُ عَنِ الإمْدادِ عَلى حَدِّ ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ وفِيهِ تَكَلُّفٌ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ وابْنُ أبِي لَيْلى ( قَبْلَ أنْ يَنْفَدَ ) بِالياءِ آخِرِ الحُرُوفِ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ (أنْ تَنَفَّدَ) بِالتَّشْدِيدِ عَلى تَفَعَّلَ عَلى المُضِيِّ، وجاءَ كَذَلِكَ عَنْ عاصِمٍ وأبِي عَمْرٍو فَهو مُطاوِعُ نَفَّدَ مُشَدَّدًا نَحْوَ كَسَّرْتُهُ فَتَكَسَّرَ.
وقَرَأ الأعْرَجُ ( بِمِثْلِهِ مِدَدًا ) بِكَسْرِ المِيمِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ مِدَّةٍ وهو ما يَسْتَمِدُّهُ الكاتِبُ فَيَكْتُبُ بِهِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ والأعْمَشُ بِخِلافٍ والتَّيْمِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وحُمَيْدٌ والحَسَنُ في رِوايَةٍ وأبُو عَمْرٍو كَذَلِكَ. وحَفْصٌ كَذَلِكَ أيْضًا ( مِدادًا ) بِألِفٍ بَيْنَ الدّالَيْنِ وكَسْرِ المِيمِ. وسَبَبُ النُّزُولِ أنَّ حُيَيَّ بْنَ أخْطَبَ كَما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: في كِتابِكم ﴿ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ ثُمَّ تَقْرَءُونَ ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلا قَلِيلا﴾ ومُرادُهُ الِاعْتِراضُ بِأنَّهُ وقَعَ في كِتابِكم تَناقُضٌ بِناءً عَلى أنْ لا الحِكْمَةَ هي العِلْمُ وأنَّ الخَيْرَ الكَثِيرَ هو عَيْنُ الحِكْمَةِ لا آثارُها وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها لِأنَّ الشَّيْءَ الواحِدَ لا يَكُونُ قَلِيلًا وكَثِيرًا في حالَةٍ واحِدَةٍ، فالآيَةُ جَوابٌ عَنْ ذَلِكَ بِالإرْشادِ إلى أنَّ القِلَّةَ والكَثْرَةَ مِنَ الأُمُورِ الإضافِيَّةِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الشَّيْءُ كَثِيرًا في نَفْسِهِ وهو قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى شَيْءٍ آخَرَ، فَإنَّ البَحْرَ مَعَ عَظَمَتِهِ وكَثْرَتِهِ خُصُوصًا إذا ضُمَّ إلَيْهِ أمْثالُهُ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى كَلِماتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ سَبَبُ ذَلِكَ أنَّ اليَهُودَ قالُوا لِلرَّسُولِ ﷺ: كَيْفَ تَزْعُمُ أنَّكَ نَبِيُّ الأُمَمِ كُلِّها ومَبْعُوثٌ إلَيْها وإنَّكَ أُعْطِيتَ مِنَ العِلْمِ ما يَحْتاجُهُ النّاسُ، وقَدْ سُئِلْتَ عَنِ الرُّوحِ فَلَمْ تُجِبْ فِيهِ؟ ومُرادُهُمُ الِاعْتِراضُ بِالتَّناقُضِ بَيْنَ دَعْواهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وحالِهِ في زَعْمِهِمْ بِناءً عَلى أنَّ العِلْمَ بِحَقِيقَةِ الرُّوحِ مِمّا يَحْتاجُهُ النّاسُ وأنَّهُ ﷺ لَمْ يُفِدْهُ عِبارَةً ولا إشارَةٍ، والجَوابُ عَنْ هَذا مَنَعَ كَوْنَ العِلْمِ بِحَقِيقَةِ الرُّوحِ مِمّا يَحْتاجُهُ النّاسُ في أمْرِ دِينِهِمُ المَبْعُوثِ لَهُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والقائِلُ ( «أنْتُمْ أعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْياكم» ) لا يَدَّعِي عِلْمَ ما يَحْتاجُهُ النّاسُ مُطْلَقًا، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الآيَةَ لا تَكُونُ جَوابًا عَمّا ذُكِرَ عَلى تَقْدِيرِ صِحَّةِ كَوْنِ ذَلِكَ سَبَبَ (p-53)النُّزُولِ إلّا بِضَمِّ الآيَةِ الآتِيَةِ إلَيْها ومَعَ هَذا يَحْتاجُ ذَلِكَ إلى نَوْعِ تَكَلُّفٍ
{"ayah":"قُل لَّوۡ كَانَ ٱلۡبَحۡرُ مِدَادࣰا لِّكَلِمَـٰتِ رَبِّی لَنَفِدَ ٱلۡبَحۡرُ قَبۡلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَـٰتُ رَبِّی وَلَوۡ جِئۡنَا بِمِثۡلِهِۦ مَدَدࣰا"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











