الباحث القرآني

(قُلْ) يا مُحَمَّدُ ﴿هَلْ نُنَبِّئُكُمْ﴾ خِطابٌ لِلْكَفَرَةِ، وإذا حَمَلَ الِاسْتِفْهامَ عَلى الِاسْتِئْذانِ كانَ فِيهِ مِنَ التَّهَكُّمِ ما فِيهِ، والجَمْعُ في صِيغَةِ المُتَكَلِّمِ قِيلَ لِتَعْيِينِهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ ولِلْإيذانِ بِمَعْلُومِيَّةِ النَّبَأِ لِلْمُؤْمِنِينَ أيْضًا ﴿بِالأخْسَرِينَ أعْمالا﴾ نُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ، وجُمِعَ مَعَ أنَّ الأصْلَ في التَّمْيِيزِ الإفْرادُ والمَصْدَرُ شامِلٌ لِلْقَلِيلِ والكَثِيرِ كَما ذَكَرَ ذَلِكَ النُّحاةُ لِلْإيذانِ بِتَنَوُّعِ أعْمالِهِمْ وقَصْدِ شُمُولِ الخُسْرانِ لِجَمِيعِها، وقِيلَ: جَمْعٌ لِأنَّ ما ذَكَرَهُ النُّحاةُ إنَّما هو إذا كانَ المَصْدَرُ باقِيًا عَلى مَصْدَرِيَّتِهِ أمّا إذا كانَ مُؤَوَّلًا باسِمِ فاعِلٍ فَإنَّهُ يُعامَلُ مُعامَلَتَهُ، وهُنا عَمِلَ بِمَعْنى عامِلٍ فَجُمِعَ عَلى أعْمالٍ والمُرادُ عامِلِينَ والصِّفَةُ تَقَعُ تَمْيِيزًا نَحْوَ: لِلَّهِ تَعالى دَرُّهُ فارِسًا، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ أعْمالًا جَمْعُ عامِلٍ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ جَمْعَ فاعِلٍ عَلى أفْعالِ نادِرٌ، وقَدْ أنْكَرَهُ بَعْضُ النُّحاةِ في غَيْرِ ألْفاظٍ مَخْصُوصَةٍ كَأشْهادٍ جَمْعِ شاهِدٍ، وقِيلَ: جَمْعُ عَمِلٍ كَكَتِفٍ بِمَعْنى ذُو عَمَلٍ كَما في القامُوسِ وهو كَما تَرى، وزَعَمَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ أنَّهُ إذا اعْتُبِرَ أعْمالًا بِمَعْنى عامِلِينَ كانَ الأخْسَرِينَ بِمَعْنى الخاسِرِينَ؛ لِأنَّ التَّمْيِيزَ إذا كانَ صِفَةً كانَ عِبارَةً عَنِ المُنْتَصِبِ عَنْهُ مُتَّحِدًا مَعَهُ بِالذّاتِ مَحْمُولًا عَلَيْهِ بِالمُواطَأةِ حَتّى إنَّ النُّحاةَ صَرَّحُوا بِأنَّهُ تُجْعَلُ الحالُ أيْضًا وهو خَبَرٌ عَنْ ذِي الحالِ مَعْنًى ومِنَ البَيِّنِ أنَّ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ يُمْتَنَعُ أنْ يَتَّحِدَ مَعَ اسْمِ الفاعِلِ لِمَكانِ الزِّيادَةِ فَحَيْثُ وقَعَ اسْمُ الفاعِلِ تَمْيِيزًا وانْتَصَبَ بِأفْعَلَ وجَبَ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى فاعِلٍ لِيَتَّحِدا، وتَعَقَّبَهُ بَعْضُهم بِأنَّ أفْعَلَ لا يَكُونُ مَعَ اللّامِ مُجَرَّدًا عَنْ مَعْنى التَّفْضِيلِ كَما أنَّهُ لا يَكُونُ مُجَرَّدًا عَنْهُ مَعَ الإضافَةِ وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ إذا كانَ مَعَ مَن كَما صَرَّحَ بِهِ ابْنُ مالِكٍ في التَّسْهِيلِ وذَكَرَهُ الرَّضِيُّ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ ما في جَمِيعِ ذَلِكَ مِنَ النَّظَرِ، والحَقُّ أنَّ الجَمْعِيَّةَ لَيْسَتْ إلّا لِما ذُكِرَ أوَّلًا، نَعَمْ ذَكَرَ أبُو البَقاءِ أنَّهُ جَمْعٌ لِكَوْنِهِ مَنصُوبًا عَلى أسْماءِ الفاعِلِينَ، وأوَّلُ ذَلِكَ بِأنَّهُ أرادَ بِاسْمِ الفاعِلِ المَعْنى اللُّغَوِيَّ وأرادَ أنَّهُ جَمَعَ لِيُفِيدَ التَّوْزِيعَ عَلى أنَّهُ لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ، ثُمَّ إنَّ هَذا عَلى ما في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ بَيانٌ لِحالِ الكَفَرَةِ بِاعْتِبارِ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الأعْمالِ الحَسَنَةِ في أنْفُسِها وفي حُسْبانِهِمْ أيْضًا حَيْثُ كانُوا مُعْجَبِينَ بِها واثِقِينَ بِنَيْلِ ثَوابِها ومُشاهَدَةِ آثارِها غَبُّ بَيانِ أحْوالِهِمْ بِاعْتِبارِ أعْمالِهِمُ السَّيِّئَةِ في أنْفُسِها مَعَ كَوْنِها حَسَنَةً في حُسْبانِهِمْ
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب