الباحث القرآني

﴿الَّذِينَ كانَتْ أعْيُنُهُمْ﴾ وهم في الدُّنْيا ﴿فِي غِطاءٍ﴾ كَثِيفٍ وغِشاوَةٍ غَلِيظَةٍ مُحاطَةٍ بِذَلِكَ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ ﴿عَنْ ذِكْرِي﴾ عَنِ الآياتِ المُؤَدِّيَةِ لِأُولِي الأبْصارِ المُتَدَبِّرِينَ فِيها إلى ذِكْرِي بِالتَّوْحِيدِ والتَّمْجِيدِ. فالذِّكْرُ مَجازٌ عَنِ الآياتِ المَذْكُورَةِ مِن بابِ إطْلاقِ المُسَبِّبِ وإرادَةِ السَّبَبِ. وفِيهِ أنَّ مَن لَمْ يَنْظُرْ نَظَرًا يُؤَدِّي بِهِ إلى ذِكْرِ التَّعْظِيمِ كَأنَّهُ لا نَظَرَ لَهُ البَتَّةَ وهَذا فائِدَةُ التَّجَوُّزِ. وقِيلَ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ عَنْ آياتِ ذِكْرِي ولَيْسَ بِذاكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالأعْيُنِ البَصائِرَ القَلْبِيَّةَ، والمَعْنى كانَتْ بَصائِرُهم في غِطاءٍ عَنْ أنْ يَذْكُرُونِي عَلى وجْهٍ يَلِيقُ بِشَأْنِي أوْ عَنْ ذِكْرِي الَّذِي أنْزَلْتُهُ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ويَجُوزُ أنْ يُخَصَّ بِالقُرْآنِ الكَرِيمِ (وكانُوا) مَعَ ذَلِكَ ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ نَفْيٌ لِسَماعِهِمْ عَلى أتَمِّ وجْهٍ ولِذا عَدَلَ عَنْ وكانُوا صُمًّا الأخْصَرَ إلَيْهِ. والمُرادُ أنَّهم مَعَ ذَلِكَ كَفاقِدِي حاسَّةِ السَّمْعِ بِالكُلِّيَّةِ وهو مُبالَغَةٌ في تَصْوِيرِ إعْراضِهِمْ عَنْ سَماعِ ما يُرْشِدُهم إلى ما يَنْفَعُهم بَعْدَ تَصْوِيرِ تَعامِيهِمْ عَنِ الآياتِ المُشاهَدَةِ بِالأبْصارِ فَلا حاجَةَ إلى تَقْدِيرٍ لِذِكْرى المُرادِ مِنهُ القُرْآنُ أوْ مُطْلَقُ الشَّرائِعِ الإلَهِيَّةِ فَإنَّهُ بَعْدَ تَخْصِيصِ الذِّكْرِ المَذْكُورِ في النَّظْمِ الكَرِيمِ أوَّلًا بِالآياتِ المُشاهَدَةِ لا يَصِيرُ قَرِينَةً عَلى هَذا الحَذْفِ. قالَ ابْنُ هِشامٍ في المُغْنِي: إنَّ الدَّلِيلَ اللَّفْظِيَّ لا بُدَّ مِن مُطابَقَتِهِ لِلْمَحْذُوفِ مَعْنًى فَلا يَصِحُّ زَيْدٌ ضارِبٌ وعَمْرٌو أيْ ضارِبٌ عَلى أنَّ الأوَّلَ بِمَعْناهُ المَعْرُوفِ والثّانِي بِمَعْنى مُسافِرٍ. وتَقْدِيرُ ذَلِكَ وإرادَةُ مَعْنى الآياتِ مِنهُ مَجازًا لِتَحَقُّقِ الآياتِ في ضِمْنِ الكَلامِ المُعْجِزِ لا يَخْفى حالُهُ وحالُ إرادَةِ الآياتِ، ثُمَّ إرادَةُ الكَلامِ المُعْجِزِ مِنها مَجازًا بَعْدَ المَجازِ أظْهَرُ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ تَقْدِيرَ ذَلِكَ إنَّما هو بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ تَعالى سَمْعًا وأنَّ الكافِرِينَ هَذا حالُهم لا بِقَرِينَةِ ذِكْرِ الذِّكْرِ قَبْلَ لِيَجِيءَ كَلامُ ابْنِ هِشامٍ، ولا يَخْفى أنَّهُ لا كَلامَ في تَقْدِيرِ الذِّكْرِ بِمَعْنى القُرْآنِ أوِ الشَّرائِعِ الإلَهِيَّةِ إذا أُرِيدَ مِنَ الذِّكْرِ المَذْكُورِ ذَلِكَ. والمَوْصُولُ نَعْتُ الكافِرِينَ أوْ بَدَلٌ مِنهُ أوْ بَيانٌ جِيءَ بِهِ لِذَمِّهِمْ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ ولِلْإشْعارِ بِعِلْيَتِهِ لِإصابَةِ ما أصابَهم مِن عَرْضِ جَهَنَّمَ لَهم.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب