الباحث القرآني

﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ أيْ: إدْخالًا مَرْضِيًّا جَيِّدًا لا يُرى فِيهِ ما يُكْرَهُ، والإضافَةُ لِلْمُبالَغَةِ. ﴿وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ نَظِيرُ الأوَّلِ واخْتُلِفَ في تَعْيِينِ المُرادِ مِن ذَلِكَ، فَأخْرَجَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكّارٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّ المُرادَ إدْخالُ المَدِينَةِ والإخْراجُ مِن مَكَّةَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما قِيلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ إلَخْ. وأُيِّدَ بِما أخْرَجَهُ أحْمَدُ والطَّبَرانِيُّ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَكَّةَ ثُمَّ أُمِرَ بِالهِجْرَةِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ: ﴿وقُلْ رَبِّ﴾ الآيَةَ». وبَدَأ بِالإدْخالِ لِأنَّهُ الأهَمُّ. (p-144)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ الإدْخالُ في القَبْرِ والإخْراجُ مِنهُ وأُيِّدَ بِذِكْرِهِ بَعْدَ البَعْثِ، وقِيلَ: إدْخالُ مَكَّةَ ظاهِرًا عَلَيْها بِالفَتْحِ وإخْراجُهُ ﷺ مِنها آمِنًا مِنَ المُشْرِكِينَ، وقِيلَ: إخْراجُهُ مِنَ المَدِينَةِ وإدْخالُ مَكَّةَ بِالفَتْحِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ: إدْخالُهُ الغارَ وإخْراجُهُ مِنهُ، وقِيلَ: الإدْخالُ في الجَنَّةِ والإخْراجُ مِن مَكَّةَ، وقِيلَ: الإدْخالُ في الصَّلاةِ والإخْراجُ مِنها، وقِيلَ: الإدْخالُ في المَأْمُوراتِ والإخْراجُ عَنِ المَنهِيّاتِ. وقِيلَ: الإدْخالُ فِيما حُمِّلَهُ ﷺ مِن أعْباءِ النُّبُوَّةِ وأداءِ الشَّرْعِ وإخْراجُهُ مِنهُ مُؤَدِّيًا لِما كُلِّفَهُ مِن غَيْرِ تَفْرِيطٍ، وقِيلَ: الإدْخالُ في بِحارِ التَّوْحِيدِ والتَّنْزِيهِ والإخْراجُ مِنَ الِاشْتِغالِ بِالدَّلِيلِ إلى مَعْرِفَةِ المَدْلُولِ والتَّأمُّلِ في الآثارِ إلى الِاسْتِغْراقِ في مَعْرِفَةِ الواحِدِ القَهّارِ. وقِيلَ وقِيلَ، والأظْهَرُ أنَّ المُرادَ إدْخالُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في كُلِّ ما يَدْخُلُ فِيهِ ويُلابِسُهُ مِن مَكانٍ أوْ أمْرٍ، وإخْراجُهُ مِنهُ فَيَكُونُ عامًّا في جَمِيعِ المَوارِدِ والمَصادِرِ، واسْتَظْهَرَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ وفي الكَشْفِ أنَّهُ الوَجْهُ المُوافِقُ لِظاهِرِ اللَّفْظِ والمُطابِقُ لِمُقْتَضى النَّظْمِ فَسابِقُهُ ولا حِقُهُ لا يَخْتَصّانِ بِمَكانٍ دُونَ آخَرَ، وكَفاكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واجْعَلْ لِي﴾ إلَخْ شاهِدَ صِدْقٍ عَلى إيثارِهِ. وقَرَأ قَتادَةُ وأبُو حَيْوَةَ وحُمَيْدٌ وإبْراهِيمُ بْنُ أبِي عَبْلَةَ «مَدْخَلَ» و«مَخْرَجَ» بِفَتْحِ المِيمِ فِيهِما، قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وهُما مَصْدَرانِ مِن دَخَلَ وخَرَجَ لَكِنَّهُما جاءا مِن مَعْنى: أدْخِلْنِي وأخْرِجْنِي السّابِقَيْنِ دُونَ لَفْظِهِما، ومِثْلُ ذَلِكَ: ﴿أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونا اسْمَيْ مَكانٍ وانْتِصابُهُما عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وقالَ غَيْرُهُ مِنَ المُحَقِّقِينَ: هُما مَصْدَرانِ مَنصُوبانِ عَلى تَقْدِيرِ فِعْلَيْنِ ثُلاثِيَّيْنِ إذْ مَصْدَرُ المَزِيدَيْنِ مَضْمُومُ المِيمِ كَما في القِراءَةِ المُتَواتِرَةِ أيْ: أدْخِلْنِي فادْخُلْ مَدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي فاخْرُجْ مَخْرَجَ صِدْقٍ. ﴿واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ أيْ: حُجَّةً تَنْصُرُنِي عَلى مَن خالَفَنِي وهو مُرادُ مُجاهِدٍ بِقَوْلِهِ: حُجَّةً بَيِّنَةً، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّهُ كِتابٌ يَحوِي الحُدُودَ والأحْكامَ وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ أُرِيدَ التَّسَلُّطُ عَلى الكافِرِينَ بِالسَّيْفِ وعَلى المُنافِقِينَ بِإقامَةِ الحُدُودِ، وقَرِيبٌ ما قِيلَ: إنَّ المُرادَ: قَهْرًا وعِزًّا تَنْصُرُ بِهِ الإسْلامَ عَلى غَيْرِهِ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ فَتْحُ مَكَّةَ، وقِيلَ: السُّلْطانُ أحَدُ السَّلاطِينِ المُلُوكِ، فَكَأنَّ المُرادَ الدُّعاءُ بِأنْ يَكُونَ في كُلِّ عَصْرٍ مَلِكٌ يَنْصُرُ دِينَ اللَّهِ تَعالى، قِيلَ: وهو ظاهِرُ ما أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ قَتادَةَ قالَ: أخْرَجَهُ اللَّهُ تَعالى مِن مَكَّةَ مُخْرَجَ صِدْقٍ وأدْخَلَهُ المَدِينَةَ مُدْخَلَ صِدْقٍ، وعَلِمَ نَبِيُّ اللَّهِ أنَّهُ لا طاقَةَ لَهُ بِهَذا الأمْرِ إلّا بِسُلْطانٍ فَسَألَ سُلْطانًا نَصِيرًا لِكِتابِ اللَّهِ تَعالى وحُدُودِهِ وفَرائِضِهِ؛ فَإنَّ السُّلْطانَ عِزَّةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ جَعَلَها بَيْنَ أظْهُرِ عِبادِهِ لَوْلا ذَلِكَ لَأغارَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ وأكَلَ شَدِيدُهم ضَعِيفَهم وفِيهِ نَظَرٌ، وفَعِيلٌ عَلى سائِرِ الأوْجُهِ مُبالِغٌ في فاعِلٍ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في بَعْضِها بِمَعْنى مَفْعُولٍ، والحَقُّ أنَّ المُرادَ مِنَ السُّلْطانِ كُلُّ ما يُفِيدُهُ الغَلَبَةُ عَلى أعْداءِ اللَّهِ تَعالى وظُهُورُ دِينِهِ جَلَّ شَأْنُهُ، ووَصَفَهُ بِ «نَصِيرًا» لِلْمُبالَغَةِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب