الباحث القرآني
﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ أيِ اذْكُرُوا أوْ بَدَلٌ مِن ﴿قَرِيبًا﴾ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِيكُونَ تامَّةً بِالِاتِّفاقِ وناقِصَةً عِنْدَ مَن يُجَوِّزُ أعْمالَ النّاقِصَةِ في الظُّرُوفِ أوْ بِتُبْعَثُونَ مَحْذُوفًا أوْ بِضَمِيرِ المَصْدَرِ المُسْتَتِرِ في يَكُونَ أوْ عَسى العائِدِ عَلى العَوْدِ مَثَلًا بِناءً عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ المُجَوِّزِينَ إعْمالَ ضَمِيرِ المَصْدَرِ كَما في قَوْلِهِ:(p-93)
؎وما الحَرْبُ إلّا ما عَلِمْتُمْ وذُقْتُمْ وما هو عَنْها بِالحَدِيثِ المُرَجَّمِ
وجَعْلُهُ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ بَدَلُ اشْتِمالٍ ولَمْ يُرْفَعْ لِأنَّهُ إذا أُضِيفَ إلى مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ قَدْ يُبْنى عَلى الفَتْحِ تَكَلُّفٌ وادِّعاءُ ظُهُورِهِ مُكابَرَةٌ، والدُّعاءُ قِيلَ: مَجازٌ عَنِ البَعْثِ وكَذا الِاسْتِجابَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ﴾ مَجازٌ عَنِ الِانْبِعاثِ أيْ يَوْمَ يَبْعَثُكم فَتَنْبَعِثُونَ فَلا دُعاءَ ولا اسْتِجابَةَ وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ( كُنْ فَيَكُونُ ) في أنَّهُ لا خِطابَ ولا مُخاطَبَ في المَشْهُورِ، وتَجُوزُ بِالدُّعاءِ والِاسْتِجابَةِ عَنْ ذَلِكَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى السُّرْعَةِ والسُّهُولَةِ لِأنَّ قَوْلَهُ: قُمْ يا فُلانُ أمْرٌ سَرِيعٌ لا بُطْءَ فِيهِ، ومُجَرَّدُ النِّداءِ لَيْسَ كَمُزاوَلَةِ الإيجادِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنا، وعَلى أنَّ المَقْصُودَ الإحْضارُ لِلْحِسابِ والجَزاءِ فَإنَّ دَعْوَةَ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ إنَّما تَكُونُ لِاسْتِخْدامِهِ أوْ لِلتَّفَحُّصِ عَنْ أمْرِهِ والأوَّلُ مُنْتَفٍ لِأنَّ الآخِرَةَ لا تَكْلِيفَ فِيها فَتَعَيَّنَ الثّانِي، وقالَ الإمامُ وأبُو حَيّانَ: يَدْعُوكم بِالنِّداءِ الَّذِي يُسْمِعُكم وهو النَّفْخَةُ الأخِيرَةُ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿يَوْمَ يُنادِ المُنادِ مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ الآيَةَ. ويُقالُ: إنَّ إسْرافِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وفي رِوايَةِ جِبْرائِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ يُنادِي عَلى صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ: أيَّتُها الأجْسامُ البالِيَةُ والعِظامُ النَّخِرَةُ والأجْزاءُ المُتَفَرِّقَةُ عُودِي كَما كُنْتِ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ وابْنُ حِبّانَ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ أنَّهُ قالَ: ««قالَ ﷺ: إنَّكم تُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ بِأسْمائِكم وأسْماءِ آبائِكم فَحَسِّنُوا أسْماءَكُمْ»».
لَعَلَّ هَذا عِنْدَ الدُّعاءِ لِلْحِسابِ وهو بَعْدَ البَعْثِ مِنَ القُبُورِ، واقْتَصَرَ كَثِيرٌ عَلى التَّجَوُّزِ السّابِقِ فَقِيلَ: إنَّ فِيهِ إشارَةً إلى امْتِناعِ الحَمْلِ عَلى الحَقِيقَةِ لِما يَلْزَمُ مِنَ الحَمْلِ عَلَيْها خِطابُ الجَمادِ وهو الأجْزاءُ المُتَفَرِّقَةُ ولَوْ لَمْ تَمْتَنِعْ إرادَةُ الحَقِيقَةِ لَكانَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنِ البَعْثِ والِانْبِعاثِ لا مَجازًا والمُجَوِّزُ لِإرادَتِها يَقُولُ: إنَّ الدَّعْوَةَ بِالأمْرِ التَّكْوِينِيِّ وهو مِمّا يُوَجَّهُ إلى المَعْدُومِ، وقَدْ قالَ جَمْعٌ بِهِ في قَوْلِ كُنْ ولَمْ يَتَجَوَّزُوا في ذَلِكَ، وأمّا أنَّهُ لَوْ لَمْ تَمْتَنِعْ إرادَةُ الحَقِيقَةِ لَكانَ كِنايَةً لا مَجازًا فَأمْرٌ سَهْلٌ كَما لا يَخْفى فَتَدَبَّرْ.
﴿بِحَمْدِهِ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ وهُمُ الكُفّارُ كَما هو الظّاهِرُ، والباءُ لِلْمُلابَسَةِ؛ أيْ: فَتَسْتَجِيبُونَ مُلْتَبِسِينَ بِحَمْدِهِ أيْ حامِدِينَ لَهُ تَعالى عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ، وقِيلَ: المُرادُ مُعْتَرِفِينَ بِأنَّ الحَمْدَ لَهُ عَلى النِّعَمِ لا تُنْكِرُونَ ذَلِكَ لِأنَّ المَعارِفَ هُناكَ ضَرُورِيَّةٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنُ جَرِيرٍ أنَّهُ قالَ: يَخْرُجُونَ مِن قُبُورِهِمْ وهم يَقُولُونَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، ولا بُعْدَ في صُدُورِ ذَلِكَ مِنَ الكافِرِ يَوْمَ القِيامَةِ وإنْ لَمْ يَنْفَعْهُ، وحَمَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ ذَلِكَ عَلى المَجازِ والمُرادُ المُبالَغَةُ في انْقِيادِهِمْ لِلْبَعْثِ كَقَوْلِكَ لِمَن تَأْمُرُهُ بِرُكُوبِ ما يَشُقُّ عَلَيْهِ فَيَتَأبّى ويَمْتَنِعُ: سَتَرْكَبُهُ وأنْتَ حامِدٌ شاكِرٌ؛ يَعْنِي أنَّكَ تُحْمَلُ عَلَيْهِ وتُقْسَرُ قَسْرًا حَتّى إنَّكَ تَلِينُ لِينَ المُسْمِحِ الرّاغِبِ فِيهِ الحامِدِ عَلَيْهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: مُنْقادِينَ لِبَعْثِهِ انْقِيادَ الحامِدِينَ لَهُ، وتَعَلُّقُ الجارِّ بِيَدْعُوكم لَيْسَ بِشَيْءٍ، وعَنِ الطَّبَرِيِّ أنَّ: ﴿بِحَمْدِهِ﴾ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ اعْتِراضَهُ بَيْنَ اسْمِ إنَّ وخَبَرِها في قَوْلِهِ:
؎فَإنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ ∗∗∗ لَبِسْتُ ولا مِن غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ
ويَكُونُ الكَلامُ عَلى حَدِّ قَوْلِكَ لِرَجُلٍ وقَدْ خَصَمْتَهُ في مَسْألَةٍ: أخْطَأْتَ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعالى.
فَكَأنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: عَسى أنْ يَكُونَ البَعْثُ قَرِيبًا يَوْمَ تُدْعَوْنَ فَتَقُومُونَ بِخِلافِ ما تَعْتَقِدُونَ اليَوْمَ وذَلِكَ بِحَمْدِ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلى صِدْقِ خَبَرِي.
ومُلَخَّصُهُ يَكُونُ ذَلِكَ عَلى خِلافِ اعْتِقادِكم والحَمْدُ لِلَّهِ تَعالى، ولا يَخْفى أنَّهُ مَعْنًى مُتَكَلِّفٌ لا يَكادُ يُفْهَمُ مِنَ الكَلامِ ونَحْنُ في غِنًى عَنِ ارْتِكابِهِ والحَمْدُ لِلَّهِ، وقِيلَ: الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ وانْقَطَعَ (p-94)خِطابُ الكافِرِينَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَرِيبًا﴾ فَيَسْتَجِيبُونَ حامِدِينَ لَهُ سُبْحانَهُ عَلى إحْسانِهِ إلَيْهِمْ وتَوْفِيقِهِ إيّاهم لِلْإيمانِ بِالبَعْثِ.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ والطَّبَرانِيُّ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««لَيْسَ عَلى أهْلِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْشَةٌ في قُبُورِهِمْ ولا في مَنشَرِهِمْ وكَأنِّي بِأهْلِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَنْفُضُونَ التُّرابَ عَنْ رُؤُوسِهِمْ ويَقُولُونَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ»».
وفِي رِوايَةٍ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا: ««لَيْسَ عَلى أهْلِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْشَةٌ عِنْدَ المَوْتِ ولا في القُبُورِ ولا في الحَشْرِ وكَأنِّي بِأهْلِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ قَدْ خَرَجُوا مِن قُبُورِهِمْ يَنْفُضُونَ رُؤُوسَهم مِنَ التُّرابِ يَقُولُونَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ»».
وقِيلَ: الخِطابُ لِلْفَرِيقَيْنِ وكُلُّهم يَقُولُونَ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ.
﴿وتَظُنُّونَ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ عُطِفَ عَلى (تَسْتَجِيبُونَ) وإلَيْهِ ذَهَبَ الحُوفِيُّ وغَيْرُهُ، وقالَ أبُو البَقاءِ: هو بِتَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: وأنْتُمْ تَظُنُّونَ ﴿إنْ لَبِثْتُمْ﴾ أيْ: ما لَبِثْتُمْ في القُبُورِ ﴿إلا قَلِيلا﴾ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ أوْ ما لَبِثْتُمْ في الدُّنْيا كَما رَوى غَيْرُ واحِدٍ عَنْ قَتادَةَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: (يَسْتَقِلُّونَ) لُبْثَهم بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ فَإنَّهُ يُزالُ عَنْهُمُ العَذابُ في ذَلِكَ البَيْنِ؛ ولِذا يَقُولُونَ: ﴿مَن بَعَثَنا مَن مَرْقَدِنا﴾ وقِيلَ: يَسْتَقِلُّونَ لُبْثَهم في عَرْصَةِ القِيامَةِ لِما أنَّ عاقِبَةَ أمْرِهِمُ الدُّخُولُ إلى النّارِ، وهَذا في غايَةِ البُعْدِ كَما لا يَخْفى، والظَّنُّ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى بابِهِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى اليَقِينِ وهو مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ بِ «إنْ» النّافِيَةِ وقَلَّ مَن ذَكَرَها مِن أدَواتِ التَّعْلِيقِ، قالَهُ أبُو حَيّانَ، وانْتِصابُ: ( قَلِيلًا ) عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِزَمانٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: إلّا زَمانًا قَلِيلًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: لُبْثًا قَلِيلًا، ودَلالَةُ الفِعْلِ عَلى مَصْدَرِهِ دَلالَةٌ قَوِيَّةٌ
{"ayah":"یَوۡمَ یَدۡعُوكُمۡ فَتَسۡتَجِیبُونَ بِحَمۡدِهِۦ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثۡتُمۡ إِلَّا قَلِیلࣰا"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











