الباحث القرآني
﴿مَن عَمِلَ صالِحًا﴾ أيْ عَمَلًا صالِحًا أيَّ عَمَلٍ كانَ، وهَذا- كَما قِيلَ- شُرُوعٌ في تَحْرِيضِ كافَّةِ المُؤْمِنِينَ عَلى كُلِّ عَمَلٍ صالِحٍ غَبَّ تَرْغِيبِ طائِفَةٍ مِنهم في الثَّباتِ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِن عَمَلٍ صالِحٍ مَخْصُوصٍ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ الأجْرِ المَوْفُورِ بِهِمْ وبِعَمَلِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى﴾ دَفْعٌ لِتَوَهُّمِ تَخْصِيصِ ﴿مَن﴾ بِالذُّكُورِ لِتَبادُرِهِمْ مِن ظاهِرِ لَفْظِ ( مَن ) فَإنَّهُ مُذَكَّرٌ وعادَ عَلَيْهِ ضَمِيرُهُ وإنْ شَمَلَ النَّوْعَيْنِ وضْعًا عَلى الأصَحِّ، واسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ مِن قَوْلِهِ ﷺ: ««مَن جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاءَ لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ»» وقَوْلِ أُمِّ سَلَمَةَ: ««فَكَيْفَ تَصْنَعُ النِّساءُ بِذِيوُلِهِنَّ»» الحَدِيثَ.
فَإنَّ أُمَّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها فَهِمَتْ دُخُولَ النِّساءِ في ( مَن ) وأقَرَّها عَلى ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وبِأنَّهم أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ لَوْ قالَ: مَن دَخَلَ دارِي فَهو حُرٌّ فَدَخَلَها الإماءُ عَتَقْنَ، وبَعْضُهم يَسْتَدِلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا بِهَذِهِ الآيَةِ إذْ لَوْلا تَناوُلُهُ الأُنْثى وضْعًا لَما صَحَّ أنْ يُبَيِّنَ بِالنَّوْعَيْنِ. وفي الكَشْفِ كانَ الظّاهِرُ تَناوُلَهُ لِلذُّكُورِ مِن حَيْثُ إنَّ الإناثَ لا يَدْخُلْنَ في أكْثَرِ الأحْكامِ والمُحاوَراتِ وإنْ كانَ التَّناوُلُ عَلى طَرِيقِ التَّعْمِيمِ والتَّغْلِيبِ حاصِلًا لَكِنْ لَمّا أُرِيدَ التَّنْصِيصُ لِيَكُونَ أغْبَطَ لِلْفَرِيقَيْنِ ونَصًّا في تَناوُلِهِما بَيَّنَ بِذِكْرِ النَّوْعَيْنِ اه، والقَوْلُ الأصَحُّ أنَّ التَّناوُلَ لا يَحْتاجُ إلى التَّغْلِيبِ، وتَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ في كِتابِ الأُصُولِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ ( عَمِلَ ) وقُيِّدَ بِهِ إذْ لا اعْتِدادَ بِأعْمالِ الكَفَرَةِ الصّالِحَةِ في اسْتِحْقاقِ الثَّوابِ إجْماعًا، واخْتُلِفَ في تَرَتُّبِ تَخْفِيفِ العِقابِ عَلَيْها. فَقالَ بَعْضُهُمْ: لا يَتَرَتَّبُ أيْضًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُوا العَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ .
وقالَ الإمامُ: إنَّ إفادَةَ العَمَلِ الصّالِحِ لِتَخْفِيفِ العِقابِ غَيْرُ مَشْرُوطَةٍ بِالإيمانِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ وحَدِيثِ أبِي طالِبٍ أنَّهُ أخَفُّ النّاسِ عَذابًا بِالمَحَبَّةِ وحِمايَتِهِ النَّبِيَّ ﷺ. وفي البَحْرِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ مُخَصَّصٌ بِهَذِهِ الآيَةِ ونَحْوِها أوْ يُرادُ- بِمِثْقالِ ذَرَّةٍ- مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِن إيمانٍ كَما جاءَ فِيمَن يَخْرُجُ مِنَ النّارِ مِن عُصاةِ المُؤْمِنِينَ، وقالَ الكِرْمانِيُّ: إنَّ تَخْفِيفَ العَذابِ عَنْ أبِي طالِبٍ لَيْسَ جَزاءً لِعَمَلِهِ بَلْ هو لِرَجاءِ غَيْرِهِ أوْ هو مِن خَصائِصِ نَبِيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: الإيمانُ شَرْطٌ لِتَرَتُّبِ التَّخْفِيفِ عَلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ إذا كانَتْ مِمّا يَتَوَقَّفُ صِحَّتُها عَلى النِّيَّةِ الَّتِي لا تَصِحُّ مِن كافِرٍ ولَيْسَ شَرْطًا لِلتَّرَتُّبِ عَلَيْها إذا لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَمامُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ، وإيثارُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِإفادَةِ وُجُوبِ دَوامِ الإيمانِ ومُقارَنَتِهِ لِلْعَمَلِ الصّالِحِ في تَرَتُّبِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ إلَخْ، والمُرادُ بِالحَياةِ الطَّيِّبَةِ الحَياةُ الَّتِي تَكُونُ في الجَنَّةِ إذْ هُناكَ حَياةٌ بِلا مَوْتٍ وغِنًى بِلا فَقْرٍ وصِحَّةٌ بِلا سَقَمٍ ومُلْكٌ بِلا هَلْكٍ وسَعادَةٌ بِلا شَقاوَةٍ، أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما عَنِ الحَسَنِ قالَ: ما تَطِيبُ الحَياةُ لِأحَدٍ إلّا في الجَنَّةِ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ، ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ مَن قالَ:
؎لا طِيبَ لِلْعَيْشِ ما دامَتْ مُنَغِّصَةً لِذاتِهِ بِادِّكارِ المَوْتِ والهَرَمِ
وقالَ شَرِيكٌ: هي حَياةٌ تَكُونُ في البَرْزَخِ فَقَدْ جاءَ ««القَبْرُ رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الجَنَّةِ أوْ حُفْرَةٌ مِن حُفَرٍ النّارِ»».
(p-227)وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: هي في الدُّنْيا وأُرِيدَ بِها حَياةٌ تَصْحَبُها القَناعَةُ والرِّضا بِما قَسَمَهُ اللَّهُ تَعالى لَهُ وقَدَّرَهُ، فَقَدْ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ فَسَّرَها بِذَلِكَ وقالَ: ««كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَدْعُو اللَّهُمَّ قَنِّعْنِي بِما رَزَقَتْنِي وبارِكْ لِي فِيهِ واخْلُفْ عَلى كُلِّ غائِبَةٍ لِي بِخَيْرٍ»».
وجاءَ القَناعَةُ مالٌ لا يَنْفَدُ. وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: هي حَياةٌ تَصْحَبُها حَلاوَةُ الطّاعَةِ، وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: الحَياةُ الطَّيِّبَةُ الرِّزْقِ الحَلالِ، ورُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ. ووَجَّهَ بَعْضُهم طِيبَ هَذِهِ الحَياةِ بِأنَّهُ لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْها عِقابٌ بِخِلافِ الحَياةِ بِالرِّزْقِ الحَرامِ فَقَدْ جاءَ ««أيُّما لَحْمٍ نَبَتَ مَن سُحْتِ فالنّارُ أوْلى بِهِ»».
وهُوَ كَما تَرى، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ وأوْلى الأقْوالِ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في الدُّنْيا تَفْسِيرُها بِما يَصْحَبُهُ القَناعَةُ.
قالَ الواحِدِيُّ: إنَّ تَفْسِيرَها بِذَلِكَ حَسَنٌ مُخْتارٌ فَإنَّهُ لا يَطِيبُ في الدُّنْيا إلّا عَيْشُ القانِعِ وأمّا الحَرِيصُ فَإنَّهُ أبَدًا في الكَدِّ والعَناءِ، وقالَ الإمامُ: إنَّ عَيْشَ المُؤْمِنِ في الدُّنْيا أطْيَبُ مِن عَيْشِ الكافِرِ لِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ أنَّهُ لَمّا عَرَفَ أنَّ رِزْقَهُ إنَّما حَصَلَ بِتَدْبِيرِ اللَّهِ تَعالى وأنَّهُ سُبْحانَهُ مُحْسِنٌ كَرِيمٌ لا يَفْعَلُ إلّا الصَّوابَ كانَ راضِيًا بِكُلِّ ما قَضاهُ وقَدَّرَهُ وعَرَفَ أنَّ مَصْلَحَتَهُ في ذَلِكَ، وأمّا الجاهِلُ فَلا يَعْرِفُ هَذِهِ الأُصُولَ فَكانَ أبَدًا في الحُزْنِ والشَّقاءِ.
الثّانِي أنَّ المُؤْمِنَ يَسْتَحْضِرُ أبَدًا في عَقْلِهِ أنْواعَ المَصائِبِ والمِحَنِ ويُقَدِّرُ وُقُوعَها ويَجِدُ نَفْسَهُ راضِيَةً بِذَلِكَ فَعِنْدَ الوُقُوعِ لا يَسْتَعْظِمُها بِخِلافِ الجاهِلِ فَإنَّهُ غافِلٌ عَنْ تِلْكَ المَعارِفِ فَعِنْدَ وُقُوعِ المَصائِبِ يَعْظُمُ تَأْثِيرُها في قَلْبِهِ.
الثّالِثُ أنَّ المُؤْمِنَ مُنْشَرِحٌ بِنُورِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى والقَلْبُ إذا كانَ مَمْلُوءًا بِالمَعْرِفَةِ لَمْ يَتَّسِعْ لِلْأحْزانِ الواقِعَةِ بِسَبَبِ أحْوالِ الدُّنْيا وأمّا الجاهِلُ فَقَلْبُهُ خالٍ عَنِ المَعْرِفَةِ مُتَفَرِّغٌ لِلْأحْزانِ مِنَ المَصائِبِ الدُّنْيَوِيَّةِ، الرّابِعُ أنَّ المُؤْمِنَ عارِفٌ أنَّ خَيْراتِ الحَياةِ الجُسْمانِيَّةِ خَسِيسَةٌ فَلا يَعْظُمُ فَرَحُهُ بِوِجْدانِها ولا غَمُّهُ بِفِقْدانِها والجاهِلُ لا يَعْرِفُ سَعادَةً أُخْرى تُغايِرُها فَيَعْظُمُ فَرَحُهُ بِوِجْدانِها وغَمُّهُ بِفِقْدانِها. الخامِسُ أنَّ المُؤْمِنَ يَعْلَمُ أنَّ خَيْراتِ الدُّنْيا واجِبَةُ التَّغَيُّرِ سَرِيعَةُ الزَّوالِ ولَوْلا تَغَيُّرُها وانْقِلابُها ما وصَلَتْ إلَيْهِ فَعِنْدَ وُصُولِها إلَيْهِ لا يَتَعَلَّقُ بِها قَلْبُهُ ولا يُعانِقُها مُعانَقَةَ العاشِقِ فَلا يُحْزِنُهُ فَواتُها والجاهِلُ بِخِلافٍ اه، ولِلْبَحْثِ فِيهِ مَجالٌ. وأُورِدَ عَلى التَّفْسِيرِ المُخْتارِ أنَّ بَعْضَ مَن عَمِلَ صالِحًا وهو مُؤْمِنٌ لَمْ يُرْزَقِ القَناعَةَ بَلْ قَدِ ابْتُلِيَ بِالقَنُوعِ، وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ بِالمُؤْمِنِ مَن كَمُلَ إيمانُهُ أوْ يُقالُ: المُرادُ- بِمَن عَمِلَ صالِحًا- مَن كانَ جَمِيعُ عَمَلِهِ صالِحًا.
وقالَ البَيْضاوِيُّ في بَيانِ تَرَتُّبِ إحْيائِهِ حَياةً طَيِّبَةً: إنَّهُ إنْ كانَ مُعْسِرًا فَظاهِرٌ وإنْ كانَ مُوسِرًا فَطِيبُ عَيْشِهِ بِالقَناعَةِ والرِّضى بِالقِسْمَةِ وتَوَقُّعِ الأجْرِ العَظِيمِ في الآخِرَةِ أيْ عَلى تَخَلُّفِ بَعْضِ مُراداتِهِ عَنْهُ وضَنْكِ عَيْشِهِ فَقالَ الخَفاجِيُّ: إنَّ هَذِهِ الأُمُورَ لا بُدَّ مِن وُجُودِ بَعْضِها في المُؤْمِنِ والأخِيرُ- يَعْنِي تَوَقُّعَ الأجْرِ في الآخِرَةِ- عامٌّ شامِلٌ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ فَلا يَرُدُّ عَلَيْهِ أنَّ هَذا لا يُوجَدُ في كُلِّ مَن عَمِلَ صالِحًا حَتّى يُؤَوَّلَ المُؤْمِنُ بِمَن كَمَلُ إيمانُهُ إلى آخِرِ ما سَمِعْتَ. وتُعِقِّبَ بِأنَّ القَناعَةَ هي الرِّضا بِالقَسْمِ كَما في القامُوسِ وغَيْرِهِ، وتَوَقُّعُ الأجْرِ العَظِيمِ لا يُوجَدُ بِدُونِ ذَلِكَ وكَيْفَ يَحْصُلُ الأجْرُ عَلى تَخَلُّفِ المُرادِ وضَنْكِ العَيْشِ مَعَ الجَزَعِ وعَدَمِ الرِّضا، وكَلامُهُ ظاهِرٌ في تَحَقُّقِ هَذا التَّوَقُّعِ وإنْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ قَناعَةٌ ورِضًا ولا يَكادُ يَقَعُ هَذا مِن مُؤْمِنٍ عارِفٍ فَلا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ.
وبَحَثَ بَعْضُهم فِيهِ أيْضًا بِأنَّ كَمالَ الإيمانِ لا يَكُونُ بِدُونِ الرِّضا وكَذا كَوْنُ جَمِيعِ الأعْمالِ صالِحَةً لا يُوجَدُ بِدُونِهِ لِأنَّ الأعْمالَ تَشْمَلُ القَلْبِيَّةَ والقالَبِيَّةَ والرِّضا مِنَ النَّوْعِ الأوَّلِ. والمُرادُ مِن ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ (p-228)لَنُعْطِيَنَّهُ ما تَطِيبُ بِهِ حَياتُهُ. فَيُؤَوَّلُ مَعْنى الآيَةِ حِينَئِذٍ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ القَناعَةُ والرِّضا مَن رَضِيَ بِالقِسْمَةِ وفَعَلَ كَذا وكَذا وهو مُؤْمِنٌ أوْ مَن عَمِلَ صالِحًا وهو راضٍ بِالقِسْمَةِ مُتَّصِفٌ بِكَذا وكَذا مِمّا فِيهِ كَمالُ الإيمانِ فَلَنُعْطِيَنَّهُ الرِّضا بِالقِسْمَةِ الَّذِي تَطِيبُ بِهِ حَياتُهُ ويَتَضَمَّنُ مَن رَضِيَ بِالقِسْمَةِ فَلَنُعْطِيَنَّهُ الرِّضا بِالقِسْمَةِ الَّذِي تَطِيبُ بِهِ حَياتُهُ وهو كَما تَرى وفِيهِ ما لا يَخْفى. نَعَمْ تَفْسِيرُ الحَياةِ الطَّيِّبَةِ بِما يَكُونُ في الجَنَّةِ سالِمٌ عَنْ هَذا القِيلِ والقالِ، ويُرادُ بِها ما سَلَمَتْ مِن تَوَهُّمِ المَوْتِ والهَرَمِ وحُلْوِ الألَمِ والسَّقَمِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ إشارَةً إلى دَرْءِ المَفاسِدِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ إشارَةً إلى جَلْبِ المَصالِحِ ولِكَوْنِ الأوَّلِ أهَمَّ قَدَمٍ فَلْيُتَأمَّلْ، وكَأنَّ المُرادَ ولَنَجْزِيَنَّهم إلَخْ حَسْبَما يُفْعَلُ بِالصّابِرِينَ فَلَيْسَ في الآيَةِ شائِبَةُ تَكْرارٍ كَما زَعَمَ الطَّبَرْسِيُّ، والجَمْعُ في الضَّمائِرِ العائِدَةِ إلى المَوْصُولِ لِمُراعاةِ جانِبِ المَعْنى كَما أنَّ الإفْرادَ فِيما سَلَفَ لِرِعايَةِ جانِبِ اللَّفْظِ، وإيثارُ ذَلِكَ عَلى العَكْسِ بِناءً عَلى كَوْنِ الإحْياءِ حَياةً طَيِّبَةً في الدُّنْيا وجَزاءَ الأجْرِ في الآخِرَةِ لِما أنَّ وُقُوعَ الجَزاءِ بِطَرِيقِ الِاجْتِماعِ المُناسِبِ لِلْجَمْعِيَّةِ ووُقُوعِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الِافْتِراقِ والتَّعاقُبِ المُلائِمِ لِلْأفْرادِ، وقِيلَ بِناءً عَلى كَوْنِ ذَلِكَ في الآخِرَةِ: إنَّ الجَمْعَ والإفْرادَ لِما تَقَدَّمَ، وكَذا إيثارُ ذَلِكَ عَلى العَكْسِ فِيما عَدا ضَمِيرُ «لَنُحْيِيَنَّهُ» وإمّا في ضَمِيرِهِ فَلِما أنَّ الإحْياءَ حَياةً طَيِّبَةً بِمَعْنى ما سَلِمَتْ مِمّا تَقَدَّمَ أمْرٌ واحِدٌ في الجَمِيعِ لا يَتَفاوَتُ فِيهِ أهْلُ الجَنَّةِ فَكَأنَّهم في ذَلِكَ شَيْءٌ واحِدٌ، ولَمّا لَمْ يَكُنِ الجَزاءُ كَذَلِكَ وكانَ أهْلُ الجَنَّةِ فِيهِ مُتَفاوِتِينَ جِيءَ بِضَمِيرِ الجَمْعِ مَعَهُ فَتَأمَّلْ كُلَّ ذَلِكَ. ورُوِيَ عَنْ نافِعٍ أنَّهُ قَرَأ «ولَيَجْزِيَنَّهُمْ» بِالياءِ عَلى الِالتِفاتِ مِنَ التَّكَلُّمِ إلى الغَيْبَةِ.
قالَ أبُو حَيّانَ: ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ قَسَمٍ ثانٍ لا مَعْطُوفًا عَلىَ ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ﴾ فَيَكُونُ مِن عَطْفِ جُمْلَةٍ قَسَمِيَّةٍ عَلى مِثْلِها وكِلْتاهُما مَحْذُوفَتانِ، ولا يَكُونُ مِن عَطْفِ جَوابٍ عَلى مِثْلِهِ لِتَغايُرِ الإسْنادِ، وإفْضاءُ الثّانِي إلى إخْبارِ المُتَكَلِّمِ عَنْ نَفْسِهِ إخْبارُ الغائِبِ وذَلِكَ لا يَجُوزُ، وعَلى هَذا لا يَجُوزُ زَيْدٌ قالَ لَأضْرِبَنَّ هِنْدَ أوْ لَيَنْفِيَنَّها تُرِيدُ ولْيَنْفِيَنَّها زَيْدٌ فَإنْ جَعَلْتَهُ عَلى إضْمارِ قَسَمٍ ثانٍ جازَ أيْ وقالَ زَيْدٌ لَيَنْفِيَنَّها لِأنَّ في هَذا التَّرْكِيبِ حِكايَةَ المَعْنى وحِكايَةَ اللَّفْظِ، ومِنَ الثّانِي ﴿ولَيَحْلِفُنَّ إنْ أرَدْنا إلا الحُسْنى﴾ ومِنَ الأوَّلِ ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا﴾ ولَوْ حَكى اللَّفْظَ قِيلَ ما قُلْنا اه. واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الإيمانَ مُغايِرٌ لِلْعَمَلِ الصّالِحِ مُغايِرَةَ الشَّرْطِ لِلْمَشْرُوطِ.
{"ayah":"مَنۡ عَمِلَ صَـٰلِحࣰا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنࣱ فَلَنُحۡیِیَنَّهُۥ حَیَوٰةࣰ طَیِّبَةࣰۖ وَلَنَجۡزِیَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُوا۟ یَعۡمَلُونَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











