الباحث القرآني
﴿تاللَّهِ لَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ﴾ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَمّا كانَ يَنالُهُ مِن جَهالاتِ قَوْمِهِ الكَفَرَةِ ووَعِيدٌ لَهم عَلى ذَلِكَ، ولا يَخْفى ما في ذَلِكَ مِن عَظِيمِ التَّأْكِيدِ أيْ أرْسَلْنا رُسُلًا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِ أُمَّتِكَ أوْ مِن قَبْلِ إرْسالِكَ إلى هَؤُلاءِ فَدَعَوْهم إلى الحَقِّ ﴿فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾ القَبِيحَةَ فَلَمْ يَتْرُكُوها ولَمْ يَمْتَثِلُوا دَعْوَةَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في نِسْبَةِ التَّزْيِينِ إلى الشَّيْطانِ ﴿فَهُوَ ولِيُّهُمُ﴾ أيْ قَرِينُ الأُمَمِ وبِئْسَ القَرِينُ أوْ مُتَوَلِّي إغْوائِهِمْ وصَرْفِهِمْ عَنِ الحَقِّ ﴿اليَوْمَ﴾ أيْ يَوْمَ زَيَّنَ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فِيهِ، وهو وإنْ كانَ ماضِيًا واليَوْمُ المُعَرَّفُ مَعْرُوفٌ في زَمانِ الحالِ كالآنَ لَكِنْ صُوِّرَ بِصُورَةِ الحالِ لِيَسْتَحْضِرَ السّامِعُ تِلْكَ الصُّورَةَ العَجِيبَةَ ويَتَعَجَّبَ مِنها، وسُمِّيَ مِثْلُ ذَلِكَ حِكايَةَ الحالِ الماضِيَةِ وهو اسْتِعارَةٌ مِنَ الحُضُورِ الخارِجِيِّ لِلْحُضُورِ الذِّهْنِيِّ أوِ المُرادُ بِاليَوْمِ مُدَّةُ الدُّنْيا لِأنَّها كالوَقْتِ الحاضِرِ بِالنِّسْبَةِ لِلْآخِرَةِ وهي شامِلَةٌ لِلْماضِي والآتِي وما بَيْنَهُما أيْ فَهو ولِيُّهم في الدُّنْيا ﴿ولَهُمْ﴾ في الأُخْرى ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾ وهو عَذابُ النّارِ، وقَدْ ورَدَ إطْلاقُ اليَوْمِ عَلى مُدَّتِها كَثِيرًا فَهو مَجازٌ مُتَعارَفٌ ولَيْسَ فِيهِ حِكايَةٌ لِما مَضى أوْ يَوْمُ القِيامَةِ الَّذِي فِيهِ عَذابُهم لَكِنْ صُوِّرَ بِصُورَةِ الحالِ اسْتِحْضارًا لَهُ كَما في الوَجْهِ الأوَّلِ إلّا أنَّهُ حِكايَةٌ آتِيَةٌ وفي الأوَّلِ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ ولَيْسَ مِن مَجازٍ الأوَّلُ، والوَلِيُّ عَلى هَذا بِمَعْنى النّاصِرِ أيْ لا ناصِرَ لَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ غَيْرُهُ وهو نَفْيٌ لِلنّاصِرِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ:
؎وبَلْدَةٍ لَيْسَ بِها أنِيسُ إلّا اليَعافِيرُ وإلّا العِيسُ
ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المُتَوَلِّي لِلْإغْواءِ إذا لا إغْواءَ ثَمَّةَ ولا بِمَعْنى القَرِينِ لِأنَّهُ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ، وجَوَّزَ بَعْضُهم بِاعْتِبارِ أنَّهُ مَعَهم في النّارِ في الجُمْلَةِ ولا يَضُرُّ اخْتِلافُهم في الدَّرَكاتِ، والظّاهِرُ أنَّ ضَمائِرَ الجَمْعِ كُلَّها لِلْأُمَمِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ في بَعْضِها، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ ( ولِيُّهُمُ ) المُضافَ إلَيْهِ لِقُرَيْشٍ لا لِلْأُمَمِ (واليَوْمَ) بِمَعْنى الزَّمانِ الَّذِي وقَعَ فِيهِ الخِطابُ أيْ زَيَّنَ الشَّيْطانُ لِلْكَفَرَةِ المُتَقَدِّمِينَ أعْمالَهم فَهو ولِيُّ هَؤُلاءِ لِأنَّهم مِنهم.
وأنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْمُتَقَدِّمِينَ، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ ولِيُّ أمْثالِهِمْ، والمُرادُ مِنَ الأمْثالِ قُرَيْشٌ.
وتَعَقَّبَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ بِأنَّ فِيهِ بُعْدًا لِاخْتِلافِ الضَّمائِرِ مِن غَيْرِ داعٍ إلَيْهِ ولا إلى تَقْدِيرِ المُضافِ. ورُدَّ بِأنَّ لَفَظَ اليَوْمِ داعٍ إلَيْهِ، وقالَ الطَّيِّبِيُّ: إنَّ الوَجْهَ وعَلَيْهِ النَّظْمُ الفائِقُ لِأنَّ في تَصْدِيرِ القَسَمِيَّةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: (p-174)( تاللَّهَ) بَعْدَ إنْكارِهِمُ الرِّسالَةَ وتَعْدادِ قَبائِحِهِمْ الإشْعارُ بِأنَّ ما ذُكِرَ كالتَّسْلِيَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ الأُمَمَ الخالِيَةَ مَعَ الرِّسالَةِ السّالِفَةِ لَمْ تَزَلْ عَلى هَذِهِ الوَتِيرَةِ فَلَكَ أُسْوَةٌ بِالرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وقَوْمُكَ خَلَفٌ لِتِلْكَ الأُمَمِ فَلا تَهْتَمَّ لِذَلِكَ فَإنَّ رَبَّكَ يَنْتَقِمُ لَكَ مِنهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ فاشْتَغِلْ أنْتَ بِتَبْلِيغِ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ وتَقْرِيرِ أنْواعِ الدَّلائِلِ المَنصُوبَةِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ وبِالتَّنْبِيهِ عَلى إقامَةِ الشُّكْرِ عَلى نِعَمِ اللَّهِ تَعالى المُتَظاهِرَةِ اه.
وقالَ في الكَشْفِ: لا تَرْجِيحَ لِهَذا الوَجْهِ مِن حَيْثُ التَّسَلِّي إذِ الكُلُّ مُفِيدٌ لِذَلِكَ عَلى وجْهٍ بَيِّنٍ وإنَّما التَّرْجِيحُ لِلْوَجْهِ الصّائِرِ إلى اسْتِحْضارِ الحالِ لِما فِيهِ مِن مَزِيدِ التَّشَفِّي اه، والحَقُّ أنَّ ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرُ ظاهِرٍ وما قِيلَ: إنَّ لَفْظَ ( اليَوْمَ ) داعٍ إلَيْهِ في حَيِّزِ المَنعِ، وقُصارى ما يُقالُ: وُجُودُ القَرِينَةِ المُصَحِّحَةِ لا المُرَجِّحَةِ هَذا. وذُكِرَ في الكَشْفِ في بَيانِ رَبْطِ الآياتِ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ويَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ﴾ إلى هَذا المَوْضِعِ فَنٌّ آخَرُ مِن كُفْرانِهِمْ وتَعْدادِ قَبائِحِهِمْ، وجازَ أنْ يَكُونَ مِن تَتِمَّةِ سابِقِهِ عَلى مِنوالِ ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ إلّا أنَّهُ بَنى عَلى الغَيْبَةِ دَلالَةً عَلى أنَّهُ فَنٌّ آخَرُ، وهَذا قَرِيبُ المُتَناوَلِ، وجازَ أنْ يَجْعَلَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ﴾ فَإنَّ ما وقَعَ مِنَ الكَلامِ بَعْدَهُ مِن تَتِمَّتِهِ اعْتِراضًا واسْتِطْرادًا كَأنَّهُ قِيلَ: ذاكَ مُعْتَقَدُهم في المَعادِ وهَذا في المُبْتَدَأِ وهم فِيما بَيْنَ ذَلِكَ مُتَدَيِّنُونَ بِهَذا الدِّينِ القَوِيمِ ومَعَ اخْتِلافِ العَقِيدَةِ في المَبْدَأِ والمَعادِ يَدَّعُونَ أنَّ لَهُمُ الحُسْنى فَيَحِقُّ لَهم ضِدُّ ذَلِكَ حَقًّا ثُمَّ قالَ:
{"ayah":"تَٱللَّهِ لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَاۤ إِلَىٰۤ أُمَمࣲ مِّن قَبۡلِكَ فَزَیَّنَ لَهُمُ ٱلشَّیۡطَـٰنُ أَعۡمَـٰلَهُمۡ فَهُوَ وَلِیُّهُمُ ٱلۡیَوۡمَ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِیمࣱ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











