الباحث القرآني
﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ أيْ أيُّ شَيْءٍ يُلابِسُكم ويُصاحِبُكم مِن نِعْمَةٍ أيَّ نِعْمَةٍ كانَتْ فَهي مِنهُ تَعالى- فَما- مَوْصُولَةٌ مُبْتَدَأٌ مُتَضَمِّنَةٌ مَعْنى الشَّرْطِ ومِنَ اللَّهِ خَبَرُها والفاءُ زائِدَةٌ في الخَبَرِ لِذَلِكَ التَّضَمُّنِ (ومِن نِعْمَةٍ) بَيانٌ لِلْمَوْصُولِ ﴿وبُكْمٌ﴾ صِلَتُهُ، وأجازَ الفَرّاءُ وتَبِعَهُ الحَوْفِيُّ أنْ تَكُونَ ما شَرْطِيَّةً وفِعْلُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ أيْ وما يَكُنْ بِكم مِن نِعْمَةٍ إلَخْ. واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لا يُحْذَفُ فِعْلُ الشَّرْطِ إلّا بَعْدَ إنْ خاصَّةً في مَوْضِعَيْنِ بابِ الِاشْتِغالِ نَحْوَ ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأجِرْهُ﴾ [التَّوْبَةِ: 6] وأنْ تَكُونَ إنِ الشَّرْطِيَّةُ مَتْلُوَّةً بِلا النّافِيَةِ وقَدْ دَلَّ عَلى الشَّرْطِ ما قَبْلَهُ كَقَوْلِهِ:
؎فَطَلِّقْها فَلَسْتَ لَها بِكُفْءٍ وإلّا يَعْلُ مَفْرِقَكَ الحُسامُ
وحَذْفُهُ في غَيْرِ ما ذُكِرَ ضَرُورَةٌ كَقَوْلِهِ:
؎قالَتْ بَناتُ العَمِّ يا سَلْمى وإنْ ∗∗∗ كانَ فَقِيرًا مُعْدَمًا قالَتْ وإنْ
وقَوْلُهُ:
أيْنَما الرِّيحُ تُمِيلُها تَمِلْ وأُجِيبُ بِأنَّ الفَرّاءَ لا يُسَلِّمُ هَذا فَما أجازَهُ مَبْنِيٌّ عَلى مَذْهَبِهِ. واسْتَشْكَلَ أمْرُ الشَّرْطِيَّةِ عَلى الوَجْهَيْنِ مِن حَيْثُ إنَّ الشَّرْطَ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِلْجَزاءِ كَما تَقُولُ: إنْ تَسْلَمْ تَدْخُلِ الجَنَّةَ فَإنَّ الإسْلامَ سَبَبٌ لِدُخُولِ الجَنَّةِ وهُنا عَلى العَكْسِ، فَإنَّ الأوَّلَ وهو اسْتِقْرارُ النِّعْمَةِ بِالمُخاطَبِينَ لا يَسْتَقِيمُ أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِلثّانِي وهو كَوْنُها مِنَ اللَّهِ مِن جِهَةِ كَوْنِهِ فَرْعًا عَنْهُ. وأجابَ في إيضاحِ المُفَصِّلِ بِأنَّ الآيَةَ جِيءَ بِها لِإخْبارِ قَوْمٍ اسْتَقَرَّتْ بِهِمْ نِعَمٌ جَهِلُوا مُعْطِيَها أوْ شَكُّوا فِيهِ أوْ فَعَلُوا ما يُؤَدِّي إلى أنْ يَكُونُوا شاكِّينَ فاسْتِقْرارُها (p-165)مَجْهُولَةً أوْ مَشْكُوكَةً سَبَبٌ لِلْإخْبارِ بِكَوْنِها مِنَ اللَّهِ تَعالى فَيَتَحَقَّقُ أنَّ الشَّرْطَ والمَشْرُوطَ فِيها عَلى حَسَبِ المَعْرُوفِ مِن كَوْنِ الأوَّلِ سَبَبًا والثّانِيَ مُسَبَّبًا، وقَدْ وهِمَ مَن قالَ: إنَّ الشَّرْطَ قَدْ يَكُونُ مُسَبَّبًا. وفي الكَشْفِ أنَّ الشَّرْطَ والجَزاءَ لَيْسا عَلى الظّاهِرِ فَإنَّ الأوَّلَ لَيْسَ سَبَبًا لِلثّانِي بَلِ الأمْرُ بِالعَكْسِ لَكِنَّ المَقْصُودَ مِنهُ تَذْكِيرُهم وتَعْرِيفُهم فالِاتِّصالُ سَبَبُ العِلْمِ بِكَوْنِها مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهَذا أوْلى مِمّا قَدَّرَهُ ابْنُ الحاجِبِ مِن أنَّهُ سَبَبُ الإعْلامِ بِكَوْنِها مِنهُ لِأنَّهُ في قَوْمٍ اسْتَقَرَّتْ بِهِمُ النِّعَمُ وجَهِلُوا مُعْطِيَها أوْ شَكُّوا فِيهِ، ألا تَرى إلى ما بُنِيَ عَلَيْهِ بَعْدَ كَيْفَ دَلَّ عَلى أنَّهم عالِمُونَ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ المُنْعِمُ ولَكِنْ يُضْطَرُّونَ إلَيْهِ عِنْدَ الإلْجاءِ ويَكْفُرُونَ بَعْدَ الإنْجاءِ انْتَهى. وفِيهِ أنَّهُ يَدْفَعُ ما ذَكَرَهُ بِأنَّ عِلْمَهم نَزَلَ لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِهِ وفِعْلَهم ما يُنافِيهِ مَنزِلَةَ الجَهْلِ فَأُخْبِرُوا بِذَلِكَ كَما تَقُولُ لِمَن تُوَبِّخُهُ: أما أعْطَيْتُكَ كَذا أما وأما ﴿ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ﴾ مِساسًا يَسِيرًا ﴿فَإلَيْهِ تَجْأرُونَ﴾ تَتَضَرَّعُونَ في كَشْفِهِ لا إلى غَيْرِهِ كَما يُفِيدُ تَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ، والجُؤارُ في الأصْلِ صِياحُ الوَحْشِ واسْتُعْمِلَ في رَفْعِ الصَّوْتِ بِالدُّعاءِ والِاسْتِغاثَةِ، قالَ الأعْشى يَصِفُ راهِبًا:
؎يُداوِمُ مِن صَلَواتِ المَلِيكِ ∗∗∗ طَوْرًا سُجُودًا وطَوْرًا جُؤارًا
وقَرَأ الزُّهْرِيُّ «تَجَرُونَ» بِحَذْفِ الهَمْزَةِ وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى الجِيمِ، وفي ذِكْرِ المِساسِ المُنْبِئِ عَنْ أدْنى إصابَةٍ وإيرادِهِ بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ المُؤْذِنَةِ بِالحُدُوثِ مَعَ ثُمَّ الدّالَّةِ عَلى وُقُوعِهِ بَعْدَ بُرْهَةٍ مِنَ الدَّهْرِ وتَحْلِيَةِ ( الضُّرُّ ) بِلامِ الجِنْسِ المُفِيدَةِ لِمَساسٍ أدْنى ما يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الجِنْسِ مَعَ إيرادِهِ النِّعْمَةَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ المُؤْذِنَةِ بِالدَّوامِ والتَّعْبِيرِ عَنْ مُلابَسَتِها لِلْمُخاطَبِينَ بِباءِ المُصاحَبَةِ وإيرادِ ما المُعْرِبَةِ عَنِ العُمُومِ عَلى احْتِمالَيْها ما لا يَخْفى مِنَ الجَزالَةِ والفَخامَةِ.
ولَعَلَّ إيرادَ «إذا» دُونَ- أنْ- لِلتَّوَسُّلِ بِهِ إلى تَحَقُّقِ وُقُوعِ الجَوابِ قالَهُ المَوْلى أبُو السُّعُودِ، وفِيهِ ما يُعْرَفُ مَعَ الجَوابِ عَنْهُ بِأدْنى تَأمُّلٍ، وكانَ الظّاهِرُ عَلى ما قِيلَ أنْ يُقالَ بَعْدَ ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾: وما يُصِيبُكم ضُرٌّ إلّا مِنهُ لِيَقْوى إنْكارُ اتِّقاءِ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ لَكِنْ ذَكَرَ النَّفْعِ الَّذِي يُفْهَمُ بِواسِطَتِهِ الضُّرُّ واقْتَصَرَ عَلَيْهِ إشارَةً إلى سَبْقِ رَحْمَتِهِ وعُمُومِها وبِمُلاحَظَةِ هَذا المَعْنى قِيلَ: يَظْهَرُ ارْتِباطُ «وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ» بِما قَبْلَهُ، وسَيَأْتِي قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ لِلَّهِ تَعالى نِعْمَةً عَلى الكافِرِ وعَلى أنَّ الإيمانَ مَخْلُوقٌ لَهُ تَعالى.
{"ayah":"وَمَا بِكُم مِّن نِّعۡمَةࣲ فَمِنَ ٱللَّهِۖ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَیۡهِ تَجۡـَٔرُونَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











