الباحث القرآني
﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ نَعْتٌ لِلْمُتَّقِينَ وجُوِّزَ قَطْعُهُ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿طَيِّبِينَ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِهِمْ، ومَعْناهُ عَلى ما رُوِيَ عَنْ أبِي مُعاذٍ طاهِرِينَ مِن دَنَسِ الشِّرْكِ وهو المُناسِبُ لِجَعْلِهِ في مُقابَلَةِ ﴿ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ في وصْفِ الكَفَرَةِ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِالظُّلْمِ أعْظَمُ أنْواعِهِ وهو الشِّرْكُ لَكِنْ قِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ ذِكْرَ الطِّهارَةِ عَنِ الشِّرْكِ وحْدَهُ لا فائِدَةَ فِيهِ بَعْدَ وصْفِهِمْ بِالتَّقْوى.
وأُجِيبُ بِأنَّ فائِدَةَ ذَلِكَ الإشارَةُ إلى أنَّ الطَّهارَةَ عَنِ الشِّرْكِ هي الأصْلُ الأصِيلُ. وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ بَعْدَ تَفْسِيرِ الظُّلْمِ بِالكُفْرِ وتَفْسِيرِ طَيِّبَيْنِ بِطاهِرِينَ عَنْ دَنَسِ الظُّلْمِ وجَعْلِهِ حالًا قالَ: وفائِدَتُهُ الإيذانُ بِأنَّ مَلاكَ الأمْرِ في التَّقْوى هو الطَّهارَةُ عَمّا ذُكِرَ إلى وقْتِ تَوَفِّيهِمْ، فَفِيهِ حَثٌّ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى الِاسْتِمْرارِ عَلى ذَلِكَ ولِغَيْرِهِمْ عَلى تَحْصِيلِهِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: المُرادُ- بِطَيِّبِينَ- زاكِيَةٌ أقْوالُهم وأفْعالُهُمْ، وهو مُرادُ مَن قالَ: طاهِرِينَ مِن ظُلْمِ أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ والمَعاصِي وإلى هَذا ذَهَبَ الرّاغِبُ حَيْثُ قالَ: الطَّيِّبُ مِنَ الإنْسانِ مَن تَعَرّى مِن نَجاسَةِ الجَهْلِ والفِسْقِ وقَبائِحِ الأعْمالِ وتَحَلّى بِالعِلْمِ والإيمانِ ومَحاسِنِ الأعْمالِ وإيّاهم قَصَدَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾ .
وانْتُصِرَ لِذَلِكَ بِأنَّ وصْفَهم بِأنَّهم مُتَّقُونَ مَوْعُودُونَ بِالجَنَّةِ في مُقابَلَةِ الأعْمالِ يَقْتَضِي ما ذُكِرَ، وحَمَلُوا الظُّلْمَ فِيما مَرَّ عَلى ما يَعُمُّ الكُفْرَ والمَعاصِيَ لِأنَّ ذَلِكَ مُجابٌ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾ فَلا تَفُوتُ المُناسَبَةُ في جَعْلِ هَذا مُقابِلًا لِذاكَ لَكِنْ في الِاسْتِدْلالِ بِما ذُكِرَ في الجَوابِ عَلى إرادَةِ العامِّ ما لا يَخْفى، والكَثِيرُ عَلى تَفْسِيرِ الطَّيِّبِ بِالطّاهِرِ عَنْ قاذُوراتِ الذُّنُوبِ مُطابِقُ الَّذِي لا خُبْثَ فِيهِ، وقِيلَ: المَعْنى فَرِحِينَ بِبِشارَةِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إيّاهم أوْ بِقَبْضِ أرْواحِهِمْ لِتَوَجُّهِ نُفُوسِهِمْ بِالكُلِّيَّةِ إلى حَضْرَةِ القُدْسِ، فالمُرادُ بِالطَّيِّبِ طَيِّبُ النَّفْسِ وطَيِّبُها عِبارَةٌ عَنِ القَبُولِ مَعَ انْشِراحِ الصَّدْرِ ﴿يَقُولُونَ﴾ حالٌ مِنَ المَلائِكَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ «الَّذِينَ» مُبْتَدَأً خَبَرُهُ هَذِهِ الجُمْلَةُ أيْ قائِلِينَ أوْ قائِلُونَ لَهُمْ:
﴿سَلامٌ عَلَيْكُمُ﴾ لا يَحِيقُكم بَعْدُ مَكْرُوهٌ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: ورَوى نَحْوَهُ البَيْهَقِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ: إذا اسْتُدْعِيَتْ نَفْسُ المُؤْمِنِ جاءَهُ مَلَكُ المَوْتِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ يا ولِيَّ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلامَ وبَشَّرَهُ بِالجَنَّةِ ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ الَّتِي أعَدَّها اللَّهُ تَعالى لَكم ووَعَدَكم إيّاها وكَأنَّها إنَّما لَمْ تُوصَفْ لِشُهْرَةِ أمْرِها.
وفِي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ اللّامُ لِلْعَهْدِ أيْ ( جَنّاتُ عَدْنٍ ) إلَخْ ولِذَلِكَ جُرِّدَتْ عَنِ النَّعْتِ وهو كَما تَرى، والمُرادُ دُخُولُهم فِيها بَعْدَ البَعْثِ بِناءً عَلى أنَّ المُتَبادِرَ الدُّخُولُ بِالأرْواحِ والأبْدانِ والمَقْصُودُ مِنَ الأمْرِ بِذَلِكَ قَبْلَ مَجِيءِ وقَتِهِ البِشارَةُ بِالجَنَّةِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ الدُّخُولُ حِينَ التَّوَفِّي بِناءً عَلى حَمْلِ الدُّخُولِ عَلى الدُّخُولِ بِالأرْواحِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ خَبَرُ: ««القَبْرُ رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الجَنَّةِ»».
وكَوْنُ البِشارَةِ بِذَلِكَ دُونَ البِشارَةِ بِدُخُولِ الجَنَّةِ عَلى المَعْنى الأوَّلِ لا يَمْنَعُ عَنْ ذَلِكَ عَلى أنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ البِشارَةَ بِدُخُولِ الجَنَّةِ بِالأرْواحِ مُتَضَمِّنَةٌ لِلْبِشارَةِ بِدُخُولِها بِالأرْواحِ والأبْدانِ عِنْدَ وقْتِهِ، وكَوْنُ هَذا القَوْلِ كَسابِقِهِ عِنْدَ قَبْضِ الأرْواحِ هو المَرْوِيَّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وجَماعَةٍ (p-134)مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقالَ مُقاتِلٌ والحَسَنُ: إنَّ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ، والمُرادُ مِنَ التَّوَفِّي وفاةُ الحَشْرِ أعْنِي تَسْلِيمَ أجْسادِهِمْ وإيصالَها إلى مَوْقِفِ الحَشْرِ مَن تَوَفّى الشَّيْءَ إذا أخَذَهُ وافِيًا، وجُوِّزَ حَمْلُ التَّوَفِّي عَلى المَعْنى المُتَعارَفِ مَعَ كَوْنِ القَوْلِ يَوْمَ القِيامَةِ إمّا بِجَعْلِ ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ يَقُولُونَ مُبْتَدَأً وخَبَرًا أوْ بِجَعْلِ يَقُولُونَ حالًا مُقَدَّرَةً مِنَ المَلائِكَةِ (والَّذِينَ) عَلى حالِهِ أوَّلًا وحالُ ذَلِكَ لا يَخْفى ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ بِسَبَبِ ثَباتِكم عَلى التَّقْوى والطّاعَةِ بِالَّذِي كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ مِن ذَلِكَ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ العادِيَّةِ، وهي فِيما في الصَّحِيحَيْنِ مِن قَوْلِهِ ﷺ: ««لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ أحَدُكم بِعَمَلِهِ»». الحَدِيثَ، لِلسَّبَبِيَّةِ الحَقِيقِيَّةِ فَلا تَعارُضَ بَيْنَ الآيَةِ والحَدِيثِ، وبَعْضُهم جَعَلَ الباءَ لِلْمُقابَلَةِ دَفْعًا لِلتَّعارُضِ
{"ayah":"ٱلَّذِینَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَـٰۤىِٕكَةُ طَیِّبِینَ یَقُولُونَ سَلَـٰمٌ عَلَیۡكُمُ ٱدۡخُلُوا۟ ٱلۡجَنَّةَ بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











