الباحث القرآني

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أمَرَ نَبِيَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ صَرِيحًا بِما نُدِبَ إلَيْهِ غَيْرُهُ تَعْرِيضًا مِنَ الصَّبْرِ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْلى النّاسِ بِعَزائِمِ الأُمُورِ لِزِيادَةِ عِلْمِهِ بِشُؤُونِهِ سُبْحانَهُ ووُثُوقِهِ بِهِ تَعالى فَقالَ تَعالى: ﴿واصْبِرْ﴾ عَلى ما أصابَكَ مِن جِهَتِهِمْ مِن فُنُونِ الآلامِ والأذِيَّةِ وعايَنْتَ مِن إعْراضِهِمْ بَعْدَ الدَّعْوَةِ عَنِ الحَقِّ بِالكُلِّيَّةِ ﴿وما صَبْرُكَ إلا بِاللَّهِ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأشْياءِ أيْ وما صَبْرُكَ مُلابِسًا ومَصْحُوبًا بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى والِاسْتِغْراقِ بِمُراقَبَةِ شُؤُونِهِ والتَّبَتُّلِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِمَجامِعِ الهِمَّةِ، وفِيهِ مِن تَسْلِيَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وتَهْوِينِ مَشاقِّ الصَّبْرِ عَلَيْهِ وتَشْرِيفِهِ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ أوْ إلّا بِمَشِيئَتِهِ المَبْنِيَّةِ عَلى حِكَمٍ بالِغَةٍ مُسْتَتْبَعَةٍ لِعَواقِبَ حَمِيدَةٍ فالتَّسْلِيَةُ مِن حَيْثُ اشْتِمالُهُ عَلى غاياتٍ جَلِيلَةٍ قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ. وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: أيْ إلّا بِتَوْفِيقِهِ ومَعُونَتِهِ فالتَّسْلِيَةُ مِن حَيْثُ تَيْسِيرُ الصَّبْرِ وتَسْهِيلُهُ ولَعَلَّ ذَلِكَ أظْهَرُ مِمّا تَقَدَّمَ. ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ عَلى الكافِرِينَ وكُفْرِهِمْ بِكَ وعَدَمِ مُتابَعَتِهِمْ لَكَ نَحْوَ ﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ وقِيلَ: عَلى المُؤْمِنِينَ وما فُعِلَ بِهِمْ مِنَ المُثْلَةِ يَوْمَ أُحُدٍ ﴿ولا تَكُ في ضَيْقٍ﴾ بِفَتْحِ الضّادِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِكَسْرِها ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ نافِعٍ، ولا يَصِحُّ عَلى ما قالَ أبُو حَيّانَ عَنْهُ وهُما لُغَتانِ كالقَوْلِ والقِيلِ أيْ (p-259)لا تَكُنْ في ضِيقِ صَدْرٍ وحَرَجٍ وفِيهِ اسْتِعارَةٌ لا تُخْفى ولا داعِيَ إلى ارْتِكابِ القَلْبِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الضَّيْقُ بِالفَتْحِ مُخَفَّفٌ ضَيِّقٌ كَهَيِّنٍ، وهَيِّنٌ أيْ لا تَكُ في أمْرٍ ضَيِّقٍ. ورَدَّهُ أبُو عَلِيٍّ كَما في البَحْرِ بِأنَّ الصِّفَةَ غَيْرُ خاصَّةٍ بِالمَوْصُوفِ فَلا يَجُوزُ ادِّعاءُ الحَذْفِ ولِذَلِكَ جازَ مَرَرْتُ بِكاتِبٍ وامْتَنَعَ بِآكِلٍ. وتُعِقِّبَ بِالمَنعِ لِأنَّهُ إذا كانَتِ الصِّفَةُ عامَّةً وقُدِّرَ مَوْصُوفٌ عامٌّ فَلا مانِعَ مِنهُ ﴿مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ أيْ مِن مَكْرِهِمْ بِكَ فِيما يُسْتَقْبَلُ فالأوَّلُ كَما في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ نَهْيٌ عَنِ التَّألُّمِ بِمَطْلُوبٍ مِن جِهَتِهِمْ فاتَ والثّانِي نَهْيٌ عَنِ التَّألُّمِ بِمَحْذُورٍ مِن جِهَتِهِمْ آتٍ، وفِيهِ أنَّ النَّهْيَ عَنْهُما مَعَ أنَّ انْتِفاءَهُما لِمَن لَوازِمِ الصَّبْرِ المَأْمُورِ بِهِ لِزِيادَةِ التَّأْكِيدِ وإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِشَأْنِ التَّسْلِيَةِ وإلّا فَهَلْ يَخْطُرُ بِبالِ مَن تَوَجَّهَ إلى اللَّهِ تَعالى بِشَراشِرِهِ مُتَنَزِّهًا عَنْ كُلِّ ما سِواهُ سُبْحانَهُ مِنَ الشَّواغِلِ شَيْءٌ مَطْلُوبٌ فَيَنْهى عَنِ الحُزْنِ بِفَواتِهِ، وقِيلَ: يَمْكُرُونَ بِمَعْنى مَكَرُوا، وإنَّما عَبَّرَ بِالمُضارِعِ اسْتِحْضارًا لِلصُّورَةِ الماضِيَةِ، والأوَّلُ نَهْيٌ عَنِ الحُزْنِ عَلى سُوءِ حالِهِمْ في أنْفُسِهِمْ مِنِ اتِّصافِهِمْ بِالكُفْرِ والإعْراضِ عَنِ الدَّعْوَةِ والثّانِي نَهْيٌ عَنِ الحُزْنِ عَلى سُوءِ حالِهِمْ مَعَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن إيذائِهِمْ لَهُ بِالتَّمْثِيلِ بِأحْبابِهِ ونَحْوِهِ والمُرادُ مِنَ النَّهْيَيْنِ مَحْضُ التَّسْلِيَةِ لا حَقِّيَّةُ النَّهْيِ، وأنْ تَعْلَمَ أنَّ الظّاهِرَ إبْقاءُ المُضارِعِ عَلى حَقِيقَتِهِ فَتَأمَّلْ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب