الباحث القرآني

﴿ادْعُ﴾ أيْ مَن بُعِثْتَ إلَيْهِمْ مِنَ الأُمَّةِ قاطِبَةً فَحُذِفَ المَفْعُولُ دَلالَةً عَلى التَّعْمِيمِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ افْعَلِ الدَّعْوَةَ تَنْزِيلًا لَهُ مَنزِلَةَ اللّازِمِ لِلْقَصْدِ إلى إيجادِ نَفْسِ الفِعْلِ إشْعارًا بِأنَّ عُمُومَ الدَّعْوَةِ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ وإنَّما المَقْصُودُ الأمْرُ بِإيجادِها عَلى وجْهٍ مَخْصُوصٍ. وتُعِقِّبَ بِأنَّ ذَلِكَ لا يُناسِبُ المَقامَ كَما لا يُناسِبُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وجادِلْهُمْ﴾ . ﴿إلى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ إلى الإسْلامِ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ تارَةً بِالصِّراطِ المُسْتَقِيمِ وأُخْرى بِمِلَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ النَّبِيِّ ﷺ ما لا يَخْفى. ﴿بِالحِكْمَةِ﴾ بِالمَقالَةِ المُحْكَمَةِ وهي الحُجَّةُ القَطْعِيَّةُ المُزِيحَةُ لِلشُّبَهِ وقَرِيبٌ مِن هَذا ما في البَحْرِ أنَّها الكَلامُ الصَّوابُ الواقِعُ مِنَ النَّفْسِ أجْمَلَ مَوْقِعٍ ﴿والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ﴾ وهي الخِطاباتُ المُقْنِعَةُ والعِبَرُ النّافِعَةُ الَّتِي لا يَخْفى عَلَيْهِمْ أنَّكَ تُناصِحُهم بِها ﴿وجادِلْهُمْ﴾ ناظِرْ مُعانَدِيهِمْ ﴿بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي هي أحْسَنُ طُرُقِ المُناظَرَةِ والمُجادَلَةِ مِنَ الرِّفْقِ واللِّينِ واخْتِيارُ الوَجْهِ الأيْسَرِ واسْتِعْمالُ المُقَدِّماتِ المَشْهُورَةِ تَسْكِينًا لِشَغَبِهِمْ وإطْفاءً لِلَهَبِهِمْ كَما فَعَلَهُ الخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ. واسْتَدَلَّ- كَما قِيلَ- أرْبابُ المَعْقُولِ بِالآيَةِ عَلى أنَّ المُعْتَبَرَ في الدَّعْوَةِ مِن بَيْنِ الصِّناعاتِ الخَمْسِ إنَّما هو البُرْهانُ والخَطابَةُ والجَدَلُ حَيْثُ اقْتَصَرَ في الآيَةِ عَلى ما يُشِيرُ إلَيْها، وإنَّما تَفاوَتَتْ طُرُقُ دَعْوَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِتَفاوُتِ مَراتِبِ النّاسِ، فَمِنهم خَواصٌّ وهم أصْحابُ نُفُوسٍ مُشْرِقَةٍ قَوِيَّةِ الِاسْتِعْدادِ لِإدْراكِ المَعانِي قَوِيَّةِ الِانْجِذابِ إلى المَبادِئِ العالِيَةِ مائِلَةٍ إلى تَحْصِيلِ اليَقِينِ عَلى اخْتِلافِ مَراتِبِهِ وهَؤُلاءِ يَدْعُونَ بِالحِكْمَةِ بِالمَعْنى السّابِقِ. ومِنهم عَوامٌّ أصْحابُ نُفُوسٍ كَدِرَةٍ ضَعِيفَةِ الِاسْتِعْدادِ شَدِيدَةِ الإلْفِ بِالمَحْسُوساتِ قَوِيَّةِ التَّعَلُّقِ بِالرُّسُومِ والعاداتِ قاصِرَةٍ عَنْ دَرَجَةِ البُرْهانِ لَكِنْ لا عِنادَ عِنْدَهم وهَؤُلاءِ يَدْعُونَ بِالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ بِالمَعْنى المُتَقَدِّمِ. ومِنهم مَن يُعانِدُ ويُجادِلُ بِالباطِلِ لِيُدْحِضَ بِهِ الحَقَّ لِما غَلَبَ عَلَيْهِ مِن تَقْلِيدِ الأسْلافِ ورَسَخَ فِيهِ مِنَ العَقائِدِ الباطِلَةِ فَصارَ بِحَيْثُ لا تَنْفَعُهُ المَواعِظُ والعِبَرُ بَلْ لا بُدَّ مِن إلْقامِهِ الحَجَرَ بِأحْسَنِ طُرُقِ الجِدالِ لِتَلِينَ عَرِيكَتُهُ وتَزُولَ شَكِيمَتُهُ وهَؤُلاءِ الَّذِينَ أُمِرَ ﷺ بِجِدالِهِمْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ، وإنَّما لَمْ تُعْتَبَرِ المُغالَطَةُ والشِّعْرُ لِأنَّ فائِدَةَ المُغالَطَةِ تَغْلِيطُ الخَصْمِ والِاحْتِرازُ عَنْ تَغْلِيطِهِ إيّاهُ ومَرْتَبَةُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تُنافِي أنْ يَغْلَطَ وتَتَعالى أنْ يَغْلَطَ، والشِّعْرُ وإنْ كانَ مُفِيدًا لِلْخَواصِّ والعَوّامِ فَإنَّ النّاسَ في بابِ الإقْدامِ والإحْجامِ أطْوَعُ لِلتَّخْيِيلِ مِنهم لِلتَّصْدِيقِ إلّا أنَّ مَدارَهُ عَلى الكَذِبِ ومِن ثَمَّةَ قِيلَ: الشِّعْرُ أكْذَبُهُ أعْذَبُهُ فَلا يَلِيقُ بِالصّادِقِ المَصْدُوقِ كَما يَشْهَدُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وما يَنْبَغِي لَهُ﴾ لا يُقالُ: الشِّعْرُ الَّذِي هو أحَدُ الصِّناعاتِ قِياسٌ مُؤَلَّفٍ مِن مُقَدِّماتٍ مُخَيَّلَةٍ والشِّعْرُ الَّذِي مَدارُهُ عَلى الكَذِبِ وهو الكَلامُ المَوْزُونُ المُقَفّى وهو الَّذِي نَفى تَعْلِيمَهُ عَنْهُ ﷺ لِما قِيلَ: كَوْنُ الشِّعْرِ مَذْمُومًا لَيْسَ لِكَوْنِهِ كَلامًا مَوْزُونًا مُقَفًّى بَلْ لِاشْتِمالِهِ عَلى تَخَيُّلاتٍ كاذِبَةٍ فَهُما مِن وادٍ واحِدٍ ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ، وقَدْ ذَهَبَ (p-255)غَيْرُ واحِدٍ إلى أنَّ فِيها إشارَةً إلى تَفاوُتِ مَراتِبِ المَدْعُوِّينَ إلّا أنَّهُ خالَفَ في بَعْضِ ما تَقَدَّمَ، فَفي الكَشْفِ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ أنَّ كَلامَ الزَّمَخْشَرِيِّ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَنْبَغِي أنْ يَجْمَعَ في الدَّعْوَةِ بَيْنَ الثَّلاثِ فَيَكُونُ الكَلامُ في نَفْسِهِ حَسَنَ التَّأْلِيفِ مُنْتِجًا لِما عُلِّقَ بِهِ مِنَ الغَرَضِ ومَعَ ذَلِكَ مَقْصُودًا بِهِ المُناصَحَةُ لِمَن خُوطِبَ بِهِ ويَكُونُ المُتَكَلِّمُ حَسَنَ الخُلُقِ في ذَلِكَ مُعَلِّمًا ناصِحًا شَفِيقًا رَفِيقًا ما نَصُّهُ: والأحْسَنُ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ المُحَقِّقُونَ أنَّهُ تَعْمِيمٌ لِلدَّعْوَةِ حَسَبَ مَراتِبِ المَدْعُوِّينَ في الفَهْمِ والِاسْتِعْدادِ، فَمَن دَعى بِلِسانِ الحِكْمَةِ لِيُفادَ اليَقِينُ العِيانِيُّ أوِ البُرْهانِيُّ هُمُ السّابِقُونَ، ومَن دَعى بِالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وهي الإقْناعاتُ الحِكَمِيَّةُ لا الخِطاباتُ المَشْهُورَةُ طائِفَةٌ دُونَ هَؤُلاءِ، ومَن دَعى بِالمُجادَلَةِ الحَسَنَةِ هم عُمُومُ أهْلِ الإسْلامِ والكُفّارُ أيْضًا اه، ولا أرى ما يُوجِبُ نَفْيَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ الخِطاباتِ المَشْهُورَةَ، وكَوْنُها مُرَكَّبَةً مِن مُقَدِّماتٍ مَظْنُونَةٍ أوْ مَقْبُولَةٍ مِن شَخْصٍ مُعْتَقِدٍ فِيهِ ولا يَلِيقُ بِالنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ اسْتِعْمالُ الظَّنِّيّاتِ أوْ أخْذُ كَلامِ الغَيْرِ والدَّعْوَةُ بِهِ هو المُوجِبُ لِذَلِكَ لا يَخْفى ما فِيهِ فَتَدَبَّرْهُ. وذَكَرَ الإحْسائِيُّ رَئِيسُ الفِرْقَةِ الطّاهِرَةِ في زَمانِنا المُسَمّاةِ بِالكَشْفِيَّةِ في كِتابِهِ شَرْحِ الفَوائِدِ ما مُحَصِّلُهُ أنَّ المَدْعُوِّينَ مِنَ المُكَلَّفِينَ ثَلاثَةُ أنْواعٍ، وكَذا الأدِلَّةُ الَّتِي أشارَتْ إلَيْها الآيَةُ فَإنْ كانُوا مِنَ الحُكَماءِ العُقَلاءِ والعُلَماءِ النُّبَلاءِ فَدَعْوَتُهم إلى الحَقِّ الَّذِي يُرِيدُهُ اللَّهُ تَعالى مِنهم مَن مَعْرِفَتِهِ بِدَلِيلِ الحِكْمَةِ وهو الدَّلِيلُ الذَّوْقِيُّ العِيانِيُّ الَّذِي يَلْزَمُ مِنهُ العِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِالمُسْتَدِلِّ عَلَيْهِ لِأنَّهُ نَوْعٌ مِنَ المُعايَنَةِ كَقَوْلِنا في رَدِّ مَن زَعَمَ أنَّ حَقائِقَ الأشْياءِ كانَتْ كامِنَةً في ذاتِهِ تَعالى بِنَحْوٍ أشْرَفَ ثُمَّ أفاضَها إنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لِذاتِهِ سُبْحانَهُ قَبْلَ الإفاضَةِ حالٌ مُغايِرٌ لِما بَعْدَها سَواءٌ كانَ التَّغَيُّرُ في نَفْسِ الذّاتِ أوْ فِيما هو في الذّاتِ فَإنْ حَصَلَ التَّغَيُّرُ في الذّاتِ لَزِمَ حُدُوثُها وإنْ حَصَلَ فِيما هو في الذّاتِ- أعْنِي حَقائِقَ الأشْياءِ الكامِنَةِ- لَزِمَ أنْ تَكُونَ الذّاتُ مَحَلًّا لِلْمُتَغَيِّرِ المُخْتَلِفِ ويَلْزَمُ مِن ذَلِكَ حُدُوثُها. وكَقَوْلِنا في إثْباتِ أنَّهُ سُبْحانَهُ أظْهَرُ مِن كُلِّ شَيْءٍ: إنَّ كُلَّ أثَرٍ يُشابِهُ صِفَةً مُؤَثِّرَةً وأنَّهُ قائِمٌ بِفِعْلِهِ قِيامَ صُدُورٍ كالأشِعَّةِ بِالنَّيِّراتِ والكَلامِ بِالمُتَكَلِّمِ، فالأشْياءُ هي ظُهُورُ الواجِبِ بِها لَها لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَظْهَرُ بِذاتِهِ وإلّا لاخْتَلَفَتْ حالَتاهُ، ولا يَكُونُ شَيْءٌ أشَدَّ ظُهُورًا مِنَ الظّاهِرِ في ظُهُورِهِ لِأنَّ الظّاهِرَ أظْهَرُ مِن ظُهُورِهِ وإنْ كانَ لا يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ إلى مَعْرِفَتِهِ إلّا بِظُهُورِهِ مِثْلَ القِيامِ فَإنَّ القائِمَ أظْهَرُ في القِيامِ مِنَ القِيامِ والقاعِدَ أظْهَرُ في القُعُودِ مِنَ القُعُودِ وإنْ كانَ لا يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ إلى مَعْرِفَتِهِما إلّا بِالقِيامِ والقُعُودِ فَتَقُولُ: يا قائِمُ ويا قاعِدُ، والمَعْنى لَكَ إنَّما هو القائِمُ والقاعِدُ لا القِيامُ والقُعُودُ لِأنَّهُ بِظُهُورِهِ لَكَ بِذَلِكَ غَيْبٌ عَلَيْكَ مُشاهَدَتُهُ وإنِ التَفَتَ إلَيْهِ احْتَجَبَ عَنْكَ القائِمُ والقاعِدُ، وهو آلَةٌ لِمَعْرِفَةِ المَعارِفِ الحَقِّيَّةِ كالتَّوْحِيدِ وما يَلْحَقُ بِهِ، ومُسْتَنَدُهُ الفُؤادُ وهو نُورُ اللَّهِ تَعالى المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﷺ: ««اتَّقُوا فِراسَةَ المُؤْمِنِ فَإنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ تَعالى»» والنَّقْلُ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ، وشَرْطُهُ الَّذِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ فَتْحُ بابِ النُّورِ ثَلاثَةُ أشْياءَ. أحَدُها أنْ تُنْصِفَ رَبَّكَ وتَقْبَلَ مِنهُ سُبْحانَهُ قَوْلَهُ ولا تَتَّبِعَ شَهْوَةَ نَفْسِكَ. وثانِيها أنْ تَقِفَ عِنْدَ بَيانِكَ وتَبَيُّنِكَ وتَبْيِينِكَ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُولا﴾ وثالِثُها أنْ تَنْظُرَ في تِلْكَ الأحْوالِ أعْنِي البَيانَ وما بَعْدَهُ بِعَيْنِهِ تَعالى وهي العَيْنُ الَّتِي هي وصْفُ نَفْسِهِ لَكَ أعْنِي وجُودَكَ مِن حَيْثُ كَوْنُهُ أثَرًا ونُورًا لا بِعَيْنِكَ الَّتِي هي أنْتَ مِن حَيْثُ- إنَّكَ أنْتَ- أنْتَ فَإنَّكَ لا تَعْرِفُ بِهَذِهِ العَيْنِ إلّا الحادِثاتِ المُحْتاجَةَ الفانِيَةَ. وإنْ كانُوا مِنَ العُلَماءِ ذَوِي الألْبابِ وأرْبابِ القُلُوبِ فَدَعْوَتُهم إلى الحَقِّ الَّذِي يُرِيدُهُ سُبْحانَهُ مِنهم مِنَ اليَقِينِ الحَقِيقِيِّ في اعْتِقاداتِهِمْ بِدَلِيلِ المَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وهي الدَّلِيلُ العَقْلِيُّ اليَقِينِيُّ الَّذِي يَلْزَمُ مِنهُ اليَقِينُ في الإيمانِ بِهِ (p-256)سُبْحانَهُ وبِغَيْرِهِ مِمّا أمَرَهم بِالإيمانِ بِهِ وهو آلَةٌ لِعِلْمِ الطَّرِيقَةِ وتَهْذِيبِ الأخْلاقِ وعِلْمِ اليَقِينِ والتَّقْوى، وهَذِهِ العُلُومُ وإنْ كانَتْ قَدْ تُسْتَفادُ مِن غَيْرِهِ ولَكِنْ بِدُونِ مُلاحَظَتِهِ لا يُوقَفُ عَلى اليَقِينِ والِاطْمِئْنانِ الَّذِي هو أصْلُ عِلْمِ الأخْلاقِ، ومُسْتَنَدُهُ القَلْبُ والنَّقْلُ، وشَرْطُ صِحَّتِهِ والِانْتِفاعِ بِهِ اتِّصافُ عَقْلِكَ بِهِ بِأنْ تَلْزَمَ ما ألْزَمَكَ بِهِ ولا تَظْلِمَهُ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مِن أضَلُّ مِمَّنْ هو في شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ إنْ اللَّهِ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصى كَثْرَةً، وإنْ كانُوا مِنَ العُلَماءِ أصْحابِ الرُّسُومِ كالمُتَكَلِّمِينَ ونَظائِرِهِمْ فَدَعْوَتُهم إلى الحَقِّ الَّذِي يُرِيدُهُ سُبْحانَهُ مِنهم مِنَ اليَقِينِ الرَّسْمِيِّ بِمُقْتَضى طَبِيعَتِهِمُ القاصِرَةِ بِدَلِيلِ المُجادَلَةِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ وهي الدَّلِيلُ العِلْمِيُّ القَطْعِيُّ الَّذِي يَلْزَمُ مِنهُ العِلْمُ فِيما ذَكَرَ وهو آلَةٌ لِعِلْمِ الشَّرِيعَةِ، ومُسْتَنَدُهُ العِلْمُ والنَّقْلُ، وشَرْطُهُ إنْصافُ الخَصْمِ بِأنْ يُقِيمَهُ عَلى النَّحْوِ المُقَرَّرِ في عِلْمِ المِيزانِ، وقَدْ ذَكَرَهُ العُلَماءُ في كُتُبِهِمُ الأُصُولِيَّةِ والفُرُوعِيَّةِ بَلْ لا يَكادُ يُسْمَعُ مِنهم غَيْرُ هَذا الدَّلِيلِ وهو مَحِلُّ المُناقِشاتِ والمُعارَضاتِ، وأمّا الدَّلِيلانِ الأوَّلانِ فَلَيْسَ فِيهِما مُناقَشَةٌ ولا مُعارَضَةٌ فَإذا اعْتَرَضَ عَلَيْهِما مُعْتَرِضٌ فَقَدِ اعْتَرَضَ فِيهِما بِغَيْرِهِما اه. المُرادُ مِنهُ وهو كَما تَرى، وإنَّما ذَكَرْتُهُ لِتَعْلَمَ حالَ المَرْءُوسِ مِن حالِ الرَّئِيسِ، ولَقَدْ رَأيْتُ مَشايِخَ هَذِهِ الطّائِفَةِ يَتَكَلَّمُونَ بِما هو كَشَوْكِ القَنافِذِ ويَحْسُبُونَهُ كَرِيشِ الطَّواوِيسِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ القُرْآنُ المَجِيدُ فَإنَّهُ جامِعٌ لِكِلا الأمْرَيْنِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ادْعُ بِالقُرْآنِ الَّذِي هو حِكْمَةٌ ومَوْعِظَةٌ حَسَنَةٌ وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، ومِنهُ أنَّ الحِكْمَةَ النُّبُوَّةُ ولَيْسَ مِنَ الحِكْمَةِ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ المُجادَلَةَ الحَسَنَةَ بِالإعْراضِ عَنْ أذاهم وادَّعى أنَّ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّها مُحْكَمَةٌ وأنَّ مَعْنى الآيَةِ ما تَقَدَّمَ، ولِكَوْنِ الحِكْمَةِ أعْلى الدَّلائِلِ وأشْرافِها والمَدْعُوِّينَ بِهِ الكامِلِينَ الطّالِبِينَ لِلْمَعارِفِ الإلَهِيَّةِ والعُلُومِ الحَقِيقِيَّةِ وقَلِيلٌ ما هم جِيءَ بِها أوَّلًا، ولِكَوْنِ الجَدَلِ أدْنى الدَّلائِلِ إذْ لَيْسَ المَقْصُودُ مِنهُ سِوى إلْزامِ الخَصْمِ وإفْحامِهِ ولا يُسْتَعْمَلُ إلّا مَعَ النّاقِصِينَ الَّذِينَ تَغْلِبُ عَلَيْهِمُ المُشاغَبَةُ والمُخاصَمَةُ ولَيْسُوا بِصَدَدِ تَحْصِيلِ هاتَيْكَ العُلُومِ ذُكِرَ أخِيرًا، ولِكَوْنِ المَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ دُونَ الحُجَّةِ وفَوْقَ الجَدَلِ والمَدْعُوِّينَ بِها المُتَوَسِّطِينَ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا في الكَمالِ حَدَّ الحُكَماءِ المُحَقِّقِينَ ولَمْ يَكُونُوا في النُّقْصانِ بِمَرْتَبَةِ أُولَئِكَ المُشاغِبِينَ وسَطَتْ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، وكَأنَّهُ إنَّما لَمْ يَقُلِ: ادْعُ إلى سَبِيلٍ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ والجِدالِ الأحْسَنِ لِما أنَّ الجِدالَ لَيْسَ مِن بابِ الدَّعْوَةِ بَلِ المَقْصُودُ مِنهُ غَرَضٌ آخَرُ مُغايِرٌ لَها وهو الإلْزامُ والإفْحامُ كَما قالَهُ الإمامُ فَلْيُفْهَمْ. ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ الَّذِي أمَرَكَ بِدَعْوَةِ الخَلْقِ إلَيْهِ وأعْرَضَ عَنْ قَبُولِهِ. ﴿وهُوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ إلَيْهِ وهو تَعْلِيلٌ لِما ذُكِرَ أوَّلًا مِنَ الأمْرَيْنِ كَأنَّهُ قِيلَ: اسْلُكْ في الدَّعْوَةِ والمُناظَرَةِ الطَّرِيقَةَ المَذْكُورَةَ وما عَلَيْكَ غَيْرَ ذَلِكَ وأمّا حُصُولُ الهِدايَةِ والضَّلالِ والمُجازاةِ عَلَيْهِما فَإلى اللَّهِ سُبْحانَهُ لا إلى غَيْرِهِ إذْ هو أعْلَمُ بِمَن يَبْقى عَلى الضَّلالِ وبِمَن يَهْتَدِي إلَيْهِ فَيُجازِي كُلًّا مِنهُما ما يَسْتَحِقُّهُ كَذا قِيلَ. واعْتُرِضَ بِأنَّ دَلالَةَ الآيَةِ عَلى المُجازاةِ مُسَلَّمَةٌ وأمّا أنَّ حُصُولَ الهِدايَةِ والضَّلالَةِ لَيْسَ لِغَيْرِهِ تَعالى فالآيَةُ لا تَدُلُّ عَلَيْهِ أصْلًا. وأُجِيبَ بِأنَّهُ إذا انْحَصَرَ عِلْمُ الهِدايَةِ والضَّلالَةِ فِيهِ تَعالى عُلِمَ أنَّهُ لا يَكُونُ لِغَيْرِهِ سُبْحانَهُ عِلْمُهُما فَكَيْفَ يَكُونُ لَهُ حُصُولُهُما فالقَوْلُ بِعَدَمِ دَلالَةِ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ غَيْرُ سَدِيدٍ، وقِيلَ: المَعْنى اسْلُكْ في الدَّعْوَةِ والمُناظَرَةِ الطَّرِيقَةَ المَذْكُورَةَ فَإنَّهُ تَعالى هو أعْلَمُ بِحالِ مَن لا يَرْعَوِي عَنِ الضَّلالِ لِسُوءِ اخْتِيارِهِ وبِحالِ مَن يَصِيرُ أمْرُهُ إلى الِاهْتِداءِ لِما فِيهِ مِنَ الخَيْرِ فَما شَرَعَهُ لَكَ في الدَّعْوَةِ هو الَّذِي تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ فَإنَّهُ كافٍ في هِدايَةِ المُهْتَدِينَ وإزالَةِ (p-257)عُذْرِ الضّالِّينَ، وقِيلَ: المَعْنى إنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ فَلا تُلِحُّ عَلَيْهِمْ إنْ أبَوْا بَعْدَ الإبْلاغِ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ مَثَلًا فَإنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِهِمْ فَمَن كانَ فِيهِ خَيْرٌ كَفَتْهُ النَّصِيحَةُ اليَسِيرَةُ ومَن لا خَيْرَ فِيهِ عَجَزَتْ عَنْهُ الحِيَلُ. وتَقْدِيمُ الضّالِّينَ لِأنَّ الكَلامَ فِيهِمْ، وإيرادُ الضَّلالِ بِصِيغَةِ الفِعْلِ الدّالِّ عَلى الحُدُوثِ لِما أنَّهُ تَغْيِيرٌ لِفِطْرَةِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها وإعْراضٌ عَنِ الدَّعْوَةِ وذَلِكَ أمْرٌ عارِضٌ بِخِلافِ الِاهْتِداءِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ الثَّباتِ عَلى الفِطْرَةِ والجَرَيانِ عَلى مُوجَبِ الدَّعْوَةِ ولِذَلِكَ جِيءَ بِهِ عَلى صِيغَةِ الِاسْمِ المُنْبِئِ عَنِ الثَّباتِ، وجُمْلَةُ (هُوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ) قِيلَ: عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (إنَّ رَبَّكَ) إلَخْ أوْ عَلى خَبَرِ إنَّ وتَكْرِيرُ (هُوَ أعْلَمُ) لِلتَّأْكِيدِ والإشْعارِ بِتَبايُنِ حالِ المَعْلُومِينَ ومَآلِهِما مِنَ العِقابِ والثَّوابِ وهو في الجُمْلَةِ الأُولى ضَمِيرُ فَصْلٍ لِلتَّخْصِيصِ كَما هو ظاهِرُ كَلامِ البَعْضِ أوْ لِلتَّقْوِيَةِ كَما قِيلَ، ولا يَخْفى ما في التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ اللَّطافَةِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب